انتصرت مصرُ… وغادرتْ


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 12:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
بعضُ الخساراتِ تحملُ أمجادَها. فليست كلُّ خسارة انهزامًا، وليست كلُّ مغادرةٍ انكسارًا. ففي كرة القدم، كما في الحياة، قد يغادرُ الملاعبَ الأفضلُ، لكنه يبقى في ذاكرة البطولة وفي عنان المجد. هكذا انتصرت مصر، وغادرت كأس العالم رافعةَ الرأس، مُحرزةً أهدافًا تاريخية عصيةً على النسيان، وصادّةً عن مرماها سهامًا لا تُرَدُّ.
لم يكن منتخبُنا المصري العظيم مجرد أحد المشاركين في بطولة كأس العالم 2026، بل كان أحدَ صنّاعها. لم يكتفِ بأن يكون رقمًا في جداول النتائج، بل تحوّل إلى حكاية تُروى. ففي كل مباراة كانت مصرُ تكتب سطرًا جديدًا من الثقة، وتستعيد للمصريين شعورًا دافئًا خبرناه من قبل وافتقدناه سنواتٍ: أن منتخبنا قادرٌ على الوقوف نِدًّا قويًّا أمام أكبر مدارس الكرة في العالم، دون ارتباك، ودون أن ينظر إلى أسماء المنافسين قبل أن ينظر إلى المرمى.
في مباراتنا الأخيرة التي واجهنا فيها الأرجنتين، شهد العالمُ بأسره كيف جعل منتخبنا المصري بطلَ العالم يلهثُ حتى الثواني الأخيرة من المباراة. فاجأنا مرمى الخصم بهدفين متواليين في الشوط الأول، فامتلأت صدور المصريين بأكسجين الفرح الذي يعمّر القلوب لسنوات مقبلة. لعب المصريون بشجاعةٍ تُدرَّس، وانضباطٍ تكتيكيٍّ يليق بكبار المنتخبات، وروحٍ قتاليةٍ جعلت المباراة واحدةً من أجمل مباريات البطولة وأكثرها إثارة.
قدّم رجالُ مصر درسًا في الإصرار والثقة بالنفس، وتألّق نجومٌ ستظل الجماهير تذكر أسماءهم طويلًا؛ من "محمد صلاح"، قائدًا يُلهم قبل أن يُسجل، إلى "مصطفى شوبير" الذي أعاد تعريف معنى حارس المرمى في هذه البطولة، إلى "هيثم حسن" الذي اختار تمثيل مصرَ من بين أوطان ثلاثة، ومعهم كتيبةٌ كاملة قاتلت حتى آخر ثانية. كانوا رجالا يدافعون عن اسم وطن عريق اسمه "مصر”.
كانت المواجهة عالية المقام أمام عملاق رياضي فاز بالمونديال مراتٍ ثلاثًا، وقفنا أمامه ندًّا لند، وأرجفنا شباكه بهدفين. ولذا كانت صدمة صافرة النهاية مؤلمة. لم يكن الاعتراض مصريًا فحسب، بل امتد إلى منصات إعلامية عالمية ومحللين بارزين فككوا لقطات الـ -var-تحت المجهر، وتساءلوا مثلنا عن غياب معايير العدالة في تطبيقه، والتباين في اتخاذ القرار باللقطات التي حرمت المنتخب المصري من حقه. والحديث هنا ليس عن تبرير خسارة، فالكبار لا يختبئون خلف الصافرة، لكننا نتحدث عن روح اللعبة وقيمتها الأسمى؛ العدالة، التي تجعل للمنافسة طعمًا وشرفًا ومعنى.
ومهما اختلفت الآراء حول بعض القرارات، فإن الحقيقة التي لن يختلف عليها أحد هي أن منتخب الفراعنة خرج من البطولة أكبر مما دخلها. غادر محفوفًا باحترام العالم وتقدير إمكاناته المشهودة، غادر وهو يعيد للمصريين ثقتهم بأن المجد قاب قوسين أو أدنى، وأنه لا يهب نفسه إلا بالعمل، والعلم، والانضباط، والإيمان بالنفس.
كم من أبطال غادروا البطولات، لكنهم لم يغادروا التاريخ. وكم من منتخب رفع الكأس، ثم نسيه الناس بعد أعوام، وكم من منتخبات لم تنل الكأس الذهبي بعد، لكنها تركت في القلوب أثرًا أبقى من الذهب وأنقى. وأحسب أن منتخب مصر، في هذه النسخة من كأس العالم 2026، قد اختار الطريق الأصعب… والأجمل.
كرة القدم ليست اثنين وعشرين لاعبًا يطاردون كرةً وشِباكًا، ولا تسعين دقيقة تنتهي بصافرة. إنها مرآةُ شعوب، تكشف معدنها ساعة الفرح، وتختبر أخلاقها لحظة الخسارة. ولذا لم يكن ما فعله منتخبنا المصري الباسل مجرد أداءٍ رياضي رفيع المستوى، بل كان درسًا في الانتماء والأصالة، ورسالةً إلى أجيالٍ بأن الأوطان لا تُبنى بالمواهب وحدها، بل بالإرادة والانضباط والعمل الجماعي. شاهدنا لاعبين يقاتلون لا من أجل مجدٍ شخصي، بل من أجل علمٍ يرتفع، ونشيدٍ وطنيٍّ يُعزف، وشعبٍ ينتظر لحظة فرح وسط ركام الإحباط. ولعل أجمل ما تركه منتخبُنا ليس أهدافه الجميلة، بل الصورة الجديدة التي رسمها لمصر في عيون العالم؛ صورةُ فريقٍ لا ينكسر، ينتزعُ الانتصار بالجهد والموهبة والتناغم، ويتقبل النتيجة بشرف المقاتلين. تلك هي الروح التي نحتاجها خارج المستطيل الأخضر أيضًا؛ في مدارسنا، وجامعاتنا، ومصانعنا، ومختبراتنا، وكل موقعٍ نحاول فيه أن نستعيد مكانًا يليق بمصر. فالأمم العظيمة لا يصنعها الذين لا يخسرون أبدًا، وإنما يصنعها الذين يعرفون كيف يحوّلون الخسارة إلى بداية انتصارٍ جديد.
أسمى أحلامي أن أرى منتخبَ مصر،مرآةً صادقةً للوطن؛ يضمُّ الموهوبين من جميع الأطياف، لا ليثبتَ وحدتَنا، فهي حقيقة لا تحتاج إلى برهان؛ بل لأن مصر لا تُمثَّل إلا بأبنائها جميعًا. فحين يرتفع العلمُ، لا يسأل عن ديانة اليد التي رفعته، وحين يُعزف النشيد الوطني، تذوب الفوارقُ في اسمٍ واحد: مصر. هكذا تكون القوة الناعمة: مواهبُ تلمع، وهويةٌ تُظلّل، ووطنٌ لا يميّز إلا بالكفاءة.
مقام السؤال: هل يُقاسُ مجدُ الأممِ بما تربحه من مباريات… أم بما تدافعُ عنه من قيم؟
***