-لعبة جهنم-… ولصوصُ الوعي


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 11:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial

أخطرُ الألعاب تتمُّ داخل النفس البشرية. ويتجلّى الجحيمُ حين لا يحتاجُ الشرُّ أن يكسرَ الأبواب ليداهمنا، فهو نائمٌ في أعماقنا، ينتظر طرقةً خفيفة توقظه، تأتي في هيئة فضول، طمع، أو واعظ يلهج لسانُه بالفضيلة، ويجيد إخفاء الخنجر في ثيابه. لهذا تبدو "لعبة جهنم" أوسعَ من حدود مسلسل قصير في حلقاتٍ ثلاث. فهي ليست عن جرائم ال Dark Web، ولاعن مراهق ذكي يستغل حاجة الناس ليستمتع بسادية التعذيب وجني المال. إنها سؤال قديم يتجدد: كيف يتحول الإنسانُ من كائنٍ حرٍّ إلى قطعة شطرنج في يدٍ أذكى؟
الاستعبادُ لا يحتاج سلاسل من حديد. فأخطر القيود هي تلك التي يصفِّدُ بها الإنسانُ نفسَه. هنا يكمن ذكاء العمل الدرامي. فاللعبة تبدأ بالاختيار، لا بالإجبار. دردشةٌ صغيرة لا تستدعي القلق، تنتهي بالدم. فالشر لا يأمر ضحيته بالقفز إلى الهاوية؛ بل يأخذ يدها برفق خطوةً خطوةً، حتى يتحول البريء إلى قاتل دموي.
تلك حكايةُ الإنسان منذ بدء الخليفة. فالشيطانُ لم يفرضِ الخطيئةَ، بل زيّنها. لم يلغِ الإرادة، بل استخدمها ضدّ صاحبها. ولذا فإن "لعبة" المسلسل ليست برنامجًا إلكترونيًا بل استعارة كبرى لكل قوة تجيد استثمار نقاط ضعف البشر: الوحدة، العَوَز، البحث عن بطولة، الجوع إلى الانتماء. ونجح المسلسلُ في تقديم صورة للمجرم "الأنيق"، والمجرم "الطيب". كلاهما يعيشُ بيننا ونصافحه يوميًّا. نحبُّه وننصتُ إليه، لأننا لا نرى وجهه المختبئ في الظلام. فالشرُّ نادرًا ما يرتدي ملامح الوحش. غالبًا له وجهٌ هادئ، وصوتٌ خفيض، ولسانٌ عذبٌ، ومنطقٌ متماسك. وجوهٌ مألوفة تمر بجوارك في الشارع دون أن تلفت انتباهك. وتلك أخطرُ رسائل الدراما. هدم نظرية "لومبروز" التي تجعلنا نبحث عن المجرم في ملامحه، بينما الأخلاقُ لا تُقرأ من الوجوه. فالقاتل قد يكون أكثر الناس حديثًا عن الشرف، والصموتُ قد يحمل قلبًا أنقى ممن يتحدثون باسم الفضيلة.
يثير العمل سؤالا خفيًّا عن غياب الحوار بين الأجيال؟ كم من آباء وأمهات لا يعرفون عوالم أبنائهم، وما يصنعون بهواتفهم التي قد تكون مصيدة للابتزاز والاستقطاب نحو عالم الجريمة؟ الفجوة الرقمية ليست فقرًا في المعرفة التقنية، بل فجوة في اللغة، والقدرة على الإصغاء، وفهم المخاوف الجديدة التي لم تعرفها الأجيال السابقة. الرقابة وحدها لا تنقذ أبناءنا، والمنع لا يصنع الوعي. الطفل الذي لا يجد أبًا وأمًّا يحاورانه، سيجد من يستمع إليه في مكان ما، قد يكون بداية السقوط للهاوية. والتكنولوجيا بريئةٌ من خطايانا براءةَ السكين من دمائنا. كلاهما أداةٌ في يدٍ ما، نظيفة أم دنسة، وضمير ما، يقظٍ أم غافل.
ولابد من التوقف أمام الأداء المدهش الذي حوّل أوراق "نجلاء الحديني"، إلى لحم ودم. قدّم "محمد فراج" واحدًا من أكثر أدواره صعوبةً وتعقيدًا. برع في تقديم "الشر الطيب" الذي يعظُ في النور ويقتل في الخفاء. جعلنا نلمسُ وجه "الشيخ علاء" الذي يحنو على الأطفال نهارًا ثم يقطّع أوصالهم في الليل. كذلك قدّم الواعدُ "عمر رزيق" شخصية الابن النابغة الذي تتمناه كلُّ أمٍّ، وهي لا ترى كيف يحرّك ضحاياه عبر شاشة في غرفته ، فيحول الطيبين إلى قتلة، والأطفال إلى أشلاء. تعبيرات وجهه الهادئة ونشوته وهو يستمتع بتعذيب ضحاياه، القتلة والمقتولين، تستحقُّ جائزة. وهنا تتجلى عبقرية الإخراج لـ"إسلام خيري" من زوايا التصوير والكلوزات على الملامح والإضاءة، واختزال مشاهد العنف لترتسم في عقل المشاهد بدقة، دون إفصاح. كذلك الطفل "منذر مهران" أربكنا بحضوره وأدائه ملامح البراءة والشقاوة والخوف والفضول المعرفي الآسر. تحيةَ احترام لصنّاع هذا العمل التوعوي الجميل.
ويكتمل ذكاءُ العمل بعنوانه: "لعبة جهنم”. فالجحيم ليس مكانًا قصيًّا ينتظر البشر بعد نهاية الطريق، بل يبدأ في اللحظة التي يفقد فيها الإنسانُ حريتَه، ويُميتُ ضميره. فالشر لا يطلب منك أن تصبح شيطانًا، بل يكفيه أن يجعلك تتوقف عن طرح الأسئلة. وحين يموت السؤال، تموت الحرية. لذا فإن أفضل ما نهديه لأبنائنا ليس هاتفًا أحدث، ولا برامج حماية أكثر تعقيدًا، بل عقلًا يتساءل، وضميرًا يقظًا، وثقة تجعلهم يعودون إلينا قبل الغرباء. تلك هي الحصانة الوحيدة في هذا العالم الرقمي المخيف. المعركة ليست بين الخير والشر، ولا بين المجرم والضحية، بل بين الوعي والغفلة. ففي كل عصر تتغير الأدوات، لكن الفخ واحد، والإنسان هو الإنسان. المعركة دائمًا تدور بين الإنسان ونفسه: اختياره أن يبقى سيدَ نفسه، أو يصير عروسَ ماريونيت تحركها خيوط خفية.
مقام السؤال:
منذ متى توقفتَ عن سؤال نفسك، وبدأتَ تكتفي بما يُملَى عوإذا كان الشرُّ لا يدخل إلا من الباب الذي نفتحُه نحن، فمَن يحرسُ مفاتيحَ النفس من لصوص الوعي؟

***