الخراط يتذكر... رقرقةُ الأحلام الملحية


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 11:21
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال

بدعوة طيبة من الدكتور "إيهاب الخراط"، أتشرفُ بمناقشة رواية "رقرقة الأحلام الملحية" لمهندس المعمار الروائي "إدوار الخراط"، الاثنين القادم، في صالون الخراط، داخل المكتبة التذكارية التي تحمل اسمه الخالد، بحي جاردن سيتي.
ولأني أفكرُ بالقلم، ولأن تجربة "الخراط"، نصوصٌ مُشعّة ومراوغة، عصيّةٌ على الإمساك بها من زاوية واحدة، ولا تنتهي قراءتُها إلى تأويل واحد، بل تتبدّل دلالاتُها كلما أمعنتَ في قرأتها، قررتُ أن "ألجم جماح" شلال الرؤى، بتدوين بعض الأفكار معكم في زاويتي هنا؛ علّني أقبض على قراءة واحدة لرواية الأديب العسير، المولع بزعزعة يقين الأدب، القابض على معول هدم الحدود بين الرواية والسيرة، بين الذاكرة والخيال، بين العمارة والطلل، بين الشعر والسرد، بين الرسم والنحت، بين الرقص والرسالة والذكرى والموسيقى، بل بين سائر ألوان الأدب والفنون والفكر. وكأن قلمه لا يتحرك ليكتب، بل يبدأ أولا بتهشيم انتظام السطور التي ستحمل الكلمات.
أين تنتهي الرواية وتبدأ السيرة؟ كيف يُضفَرُ التذكّرُ بريشة الخيال؟ وماذا يحدث حين تصبح حياة الكاتب مادةً أدبية، لا وثيقةً شخصية. "رقرقة الأحلام الملحية" لا تعبأ باستعادة الماضي، بل برسم لحظة انبعاثه من مواته. فالذاكرة عند الخراط ليست أرشيفًا نستخرج منه الوقائع، بل مادة حيّة يعيد العقل تشكيلها كلما استدعاها. ما إن تمتد إليها يدُ الكتابة تعيد تشكيلَ ذاتها، كما إلكترون مراوغ لحظة رصده، في ميكانيكا الكمّ. تتقاطع في الرواية أزمنةٌ ثلاثة: زمن الحدث، وقت التذكر، لحظة الكتابة. الشابُّ الذي عاش التجربة ليس هو الأديبَ الذي يكتبها بعد عقود. الأول غارقٌ في اللحظة، والثاني ينظر إليه بعين المسافة، يرى ما لم يستطع الأول رؤيته آنذاك. ومن هذه المسافة الحارقة، يولد الأدب.
العنوان يحمل مفاتيح النص. الرقرقة: الحراك اللامستقر؛ تماوج الضوء فوق الماء، وانعكاس عصيٌّ على الملاحقة. الأحلام: تهدمُ اليقين. الملحية: تمنحُ الحلم جسدًا وتحيلُ إلى: البحر، والدموع، والعرق، والطعم، والحفظ والتآكل. فتحيل إلى هيولية الذاكرة في المخ البشري. فالملح يحفظُ من الفساد، ويحرق أيضًا. تلك المفارقة تختصر فلسفة الرواية: الذاكرة تحفظ الماضي، لكنها تحرقه حين يُكتب. كلما حاولنا إنقاذ الذكرى بالكلمات، غيّرناها. البحر في عالم الخراط ليس خلفية جمالية. بل لوحة رسم لا تستقر ولا تستلم لريشة الرسام. سطح متماوج، عمق سحيق، أشياء تظهر ثم تختفي، وانعكاسات مخاتلة. الإسكندرية، مقاهي البحر، معتقلات أبي قير والهايكستب، رفاق الصِّبا، الأماكنُ التي عبرها الكاتب، لا تستعيد جغرافيتها؛ بل حواسها: الضوء، الصوت، الرائحة، النسيم، الملوحة. ويحق لنا التساؤل عن المرأة في تجربة "الخراط"، هل يمنحها وجودها الكامل بوصفها ذاتًا، أم يظل يراها من خلال ذاكرة البطل وظلال الأدب؟ فإن كان قد رفع مكانتها إلى أقصى درجات التقديس الفكري والجمالي وجعلها المركز الأخلاقي والروحي لنصوصه، إلا أن هذا الوجود يظل في معظمه محكومًا بالإطار الوظيفي الذي يخدم تجربة الرجل الذهنية والوجدانية، وهذا مبحثٌ واسع ربما أتناوله في مقال قادم.
الماضي "الإدواري" لا يأتي مُرتبًا. بل هو شلالٌ من الرؤى والوعي والتداعيات الحرة للأفكار، كما قالت "فرجينيا وولف". فالذاكرة ليست خطًّا مستقيمًا؛ بل صورة تستدعي صورة، ورائحة تنشقُّ عن رائحة، ووجه يقود إلى وجه. فالتجريب عند الخراط" ليس لهوًا، بل ضرورةً معرفية. فإذا كانت الحقيقة مُتشظيةً، فكيف يمكن أن يستوعبها شكلٌ روائي ثابت؟ وحين يغدو التشظي أكبرَ من الطاقة التي تمنح النص وحدتَه، يطلُّ الغموض برأسه، ويصبح القارئ شريكًا في إعادة بناء العمل. وهنا ينجح "الخراط" في هدم الحائط الرابع، الفاصل بين النص والقارئ: فلا يعود القارئ متلقيًا للحكاية، بل يصبح متورطًا في صناعة المعنى.
"رقرقة الأحلام الملحية" رواية عن الخوف من تحوّل الإنسان يومًا إلى مَن لا يتذكره. فنحن نعيش حياتنا: مرةً في الواقع، ومرةً في الذاكرة، ومرةً ثالثة في الكتابة. وفي كل مرة هناك ذاتٌ تتبدّل، وذكرياتٌ تتماوج كهدير البحر. فالمرء لا ينزلُ البحر مرتين، كما علّمنا هيراقليطس، بتصرّف. "الخراط" لا يعود إلى الماضي ليستعيد نفسَه القديمة؛ فهو يدرك أن تلك النفس ماتت، وإنما يحاول رسم أثرها بريشة اليوم. فالكتابة ليست مقبرة للذاكرة، بل هي انتزاعها من أكفانها وإلباسها أثوابًا جديدة ومنحها حياةً أخرى، مصنوعة من ملح: البحر، وملح الدموع، وملح العرق، وملح الزمن، وملح التحنيط والتكفين والبعث. لهذا تبدو الرواية كمحاولة للإمساك بالماء بأطراف الأصابع. نلمس سطحه، فتتسع الدوائر، ثم تتلاشى. نظن أننا أمسكنا الماضي، فإذا بنا لا نمسك إلا رقرقتَه.
مقام السؤال:
إذا كانت ذاكرتنا المراوغةُ تعيد كتابة حياتنا كلما تذكرناها، فأيّهما يكون أصدق في النهاية: الحياة التي عشناها، أم الحياة التي استنقذناها من عبث الذاكرة؟

***