“نجيب محفوظ-… تاجٌ ونصلٌ... وخلود


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 12:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
وأنا أرتِّب أوراقي، فوجئتُ بمُسوّدة هذا المقال الذي كتبته يوم ٣٠ أغسطس، ونسيت أن أنقحها وأرسلها للنشر؛ بسبب انشغالي بنشر مجموعتي القصصية الجديدة، وبرنامجي التليفزيوني: "طاقة فاطمة". حزنتُ لأنني أخلفتُ عهدي مع العظيم الذي رحل في ذلك اليوم، وما مرَّ عامٌ دون أن أصافحه بمقال منذ غادرنا عام ٢٠٠٦.
عام ٢٠٠٣، في فيلا الدكتور "يحيى الرخاوي" بحي المقطّم، سألتُ الأستاذَ: “هل تذكر اسم طاعنيْك يا أستاذ نجيب؟" ابتسم، وهزّ رأسه نفيًا، ثم همس: "لكنني سامحتهما”. ورغم نبرة البساطة الوادعة في إجابته، لم أسمع في الصفح الجميل إلا صوت العلوّ والسموّ. فالصغار لا يُغفَر لهم إلا من عُلا، ولا يَغفرُ من علوٍّ إلا من علا. وهو يعفو عن المطواة المغروسة في منبت عنقه، كان يرفع قامتَه عن مرمى الضغينة والغدر. غير أنّ نصلًا قاسيًّا يمزّق العنق، لا يمرّ دون أثر. مسّ الأعصابَ التي تقود اليدَ اليمنى. اليد التي ظلّت نصف قرنٍ تُسيّرُ الحبرَ على أوراق حارات القاهرة العتيقة. صار القلمُ، بعد الطعنة، يرتجف بين الأصابع، والحروف تتعثّر كطفلٍ يتعلّم المشي. ومن هذه الارتجافات الواهنة وُلدت "أحلام فترة النقاهة"، شذراتٌ مضيئة كقطرات الندى. وكأنّ طعنةَ الغدر العمياء، قطعت نهرَ الرواية الطويل، فانساب الماءُ أشدَّ صفاءً ورقرقةً.
وقبل رحيله بعام، جلستُ إليه في فندق "شبرد" المطلّ على النيل. كان قد جاوز التسعين، وعقلُه شابٌّ يعيشُ خارج الزمن. كنتُ أتأمل جلالَه بعشق، وأنصتُ إلى أحاديث الأصدقاء ومَن تبقّى من الحرافيش، حين انتبهتُ فجأةً إلى أنني أقتني من كتبه الكثير، ولا أحوز توقيعَه على أحدها. نهضتُ وركضتُ إلى فندق "سميراميس” المقابل، حيث كانت مكتبةٌ تضمّ أعماله، واخترتُ "الطريق" و "الشحاذ"، أقرب أعماله إلى قلبي، وعدتُ فوجدتُه ينتظرني مبتسمًا والقلمُ في يده.
كتب اسمه ببطء وعُسرٍ على "الطريق". فخجلتُ من الدقائق التَعِبَة التي كلّفته إياها، وحاولتُ سحبَ الكتاب من بين يديه بعدما وضع النقطة فوق الظاء. لكنه تشبّث بالرواية، ورفع عينيه قائلا: "إوعي توقّعي اسمك دون تاريخ... أبدًا”. وحفظتُ الوصيّةَ. وصار توقيعُه الواهنُ أحبَّ وأثمنَ توقيعٍ في مكتبتي. وفهمتُ، متأخرةً، أن الوصية لم تكن من أدبيات المراسلات، بل في أصول الذاكرة. فالاسم دون تاريخ ريشةٌ بلا جناح، تذروها الرياحُ إلى النسيان. تمامًا كما نُسي الطاعنُ وخَلُد المطعون.
أما لقائي الأول به، فكان في كازينو "قصر النيل”، وكنتُ طفلةً صغيرة. أشارت أمي إلى رجل يجلس على مقعدٍ مجاور بين رجال كثيرين وقالت: “هذا نجيب محفوظ، الكاتب الكبير، وحوله الحرافيش.” وظلّت تحدثني وشقيقي عن إبداعه ومؤلفاته. وقفتُ على أطراف أصابعي لأتأمله، فشاهدت "الحسنةَ" الكبيرة جوار أنفه. حاولتُ أن أربط بين تلك الكُرة البُنيّة، وكل هذا الثراء الإبداعي الذي تتحدث عنه أمي. أيختبئ الإبداعُ داخل تلك "الزبيبة"؟ بعد عودتنا للبيت، وقفت أمام المرآة لأبحث عن الحسنة في وجهي. لم أجد شيئًا. حزنتُ، وصرتُ كل يوم أنتظر ظهور العلامة.
وكبرتُ، وعرفتُ أين يختبئ الإبداع. ليس في زبيبة جوار الأنف، بل في موهبة فريدة، وعقل جميل، وروح نبيلة، وفي جرحٍ في العنق، حوّله صاحبُه إلى نافذة، دخل منها الضوءُ إلى نصوصه الأخيرة؛ لتصيرَ أنصعَ وأشفَّ وأرهفَ من جناح فراشة.
في الثالث عشر من أكتوبر عام ١٩٨٨، انحنى العالمُ لهذا الرجل الذي حمل قلمًا ليرسم ملامح القاهرة كما لم يرسمها مؤرخ. وفي الرابع عشر من الشهر نفسه عام ١٩٩٤، انحنى شابٌّ جهولٌ فوق عنقِ الرجل، ومعه نصل جرح عنقه النبيل الذي لم ينحن إلا للقلم. ستُّ سنواتٍ ويومٌ تفصل بين المشهدين، لكنّ الروزنامة أصرّت على إلصاق التاجَ بالنصل على ورقتين متجاورتين. وكأنها تقول إن الضوءَ الذي نسمّيه نجمًا، يسمّيه الظلاميون خصمًا! كان "نجيب محفوظ" يمشي بين الناس، يوزّع تحيّاته على الوجوه بحُبٍّ، ولا يعرف أن رواية فاتنة لم يقرأها طاعنُه، ستصير ذريعةً لحدّ نصل حمله خاملٌ منسيّ، ليطعن خالدًا عصيًّا على الموت.
وبعد عشرين عامًا على رحيله، لا يزال يمشي بيننا بلا عكّاز ولا مُرافق. مازلنا نلمحُ "السيد أحمد عبد الجواد" يعبر مفترق الطريق وعلى وجهه صرامةٌ تخفي حنانًا، ونرى "أمينة " تطلّ من وراء شيشٍ لم تخرج منه يومًا، ونصادف "كمال" يحمل كتابًا، وفي عينيه سؤالٌ ما زال يبحث عن إجابة، ونلمحُ صفحة وجه “الجبلاوي” حزينًا على ما آل إليه أبناؤه من شقاق وحروب. هؤلاء لم يرحلوا مع صاحبهم، بل يعيشون في خبز الحارة وأغاني الباعة وصخب الأطفال وصمت الأمهات.
مقام السؤال:
مَن خَلُد في ذاكرة التاريخ: اسمٌ أضاءَ السطور والعقول، أم اسمٌ حاول إطفاء الوهج؟

***