|
|
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :.. حوار مع الكاتب والشاعر الدكتور قاسم الدوسري
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 00:31
المحور:
مقابلات و حوارات
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :بين جمر الوجدان ومأزق المنصات الرقمية.. حوار مكاشفة مع الكاتب والشاعر الدكتور قاسم الدوسري
نلتقي في هذا الحوار بالشاعر والملحن قاسم عبدالعزيز محمد الدوسري، لنفتح معه دفاتر الكتابة وهموم الحرف في زمن متسارع. يطرح اللقاء أسئلة صريحة حول كيفية حماية القصيدة من السطحية والسرعة التي تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي، وكيف يوازن الكاتب بين صدق مشاعره وبين الانضباط الفني الذي يحمي النص من الفوضى. كما يقدم شهادة نقدية واضحة حول واقع الأدب الراهن، والفرق بين الغموض الذي يجذب القارئ وبين التعقيد الذي ينفره، وصولاً إلى الدور الحقيقي الذي يجب أن يلعبه أصحاب القلم اليوم في حماية الذاكرة والمساهمة في بناء وعي حقيقي يخدم المجتمع والإنسان. المحور الأول: الأدوات الشعرية والتشكيل الفني 1-كيف يوظف الشاعر السينوغرافي البصرية في قصيدة (حوار مع الظل) لتحويل الصمت إلى كائن درامي يتحرك داخل النص؟ ينطلق توظيف السينوغرافيا البصرية في "حوار مع الظل" من تحويل المفردات المجردة إلى عناصر مرئية نابضة بالحركة، وهو تجسيد نابع من معاناتي الخفية؛ فالظل في النص ليس مجرد فكرة مجردة بل شخصية قائمة، والصمت ليس غياباً للصوت بل لغة درامية فاعلة. والضوء يتحول إلى أداة كشف، بينما يستحيل الظلام من خلفية مكانية إلى حالة نفسية معقدة، والطريق ليس جغرافيا بل مسار وجودي، والقيد ليس استعارة لغوية بل إكسسوار درامي ملموس في يد هذا الظل. إن السينوغرافيا في هذه القصيدة لا تكتفي بوصف المشهد من الخارج، وإنما تُجسّد صراعي الداخلي بصرياً؛ إذ يتحول الصمت إلى شخصية محاورة، والظل إلى جسد ملموس، والضوء والظلام إلى حالتين نفسيتين متضادتين، والطريق إلى خشبة مسرح تتحرك عليها الرؤى، حتى تنتهي هذه المسرحية الشعرية بإقصاء الظل وفتح فضاء الحرية الرحب أمام القلب. وهذا التوظيف البصري الحركي هو ما ينقل القصيدة من إطار التأمل الفلسفي الساكن إلى أفق البناء الدرامي المتكامل. 2-ماهي الآليات اللغوية التي يعتمد عليها الدوسري لكسر رتابة الإيقاع الخليلي والانتقال بسلاسة إلى شعر التفعيلة؟ «أنا أحاول أستثمر مرونة الجملة الحديثة داخل الإطار الخليلي فيخفف من مركزية البيت ويمنح التفعيلة حياة داخلية متحركة فتتجاور صرامة الوزن مع حرية الجملة ويتولد من هذا التجاور إيقاع حديث لا يلغي الخليلي ولا يستسلم لرتابته. وهذه، في تقديري، هي النقطة الأهم التي يمكن البناء عليها في دراسة أكاديمية عن تجربة أنا لا أهدم العمود الخليلي لأصل إلى الحداثة بل أحاول أن أستخرج من داخله إيقاعاً أكثر حرية. 3-إلى أي مدى تخدم ثنائية الضوء والعتمة بناء الصورة الشعرية في قصائده الوجدانية وكيف يتلاعب بظلال المفردات ؟ تتحرك ثنائية الضوء والعتمة في نصوصي الوجدانية عبر ثلاثة مستويات متداخلة: المستوى البصري الذي يزاوج بين الضياء والظلام والظل، والمستوى النفسي الذي يجسد صراع الأمل ضد الخوف والاختناق، والمستوى الاجتماعي الذي يوازن بين الحرية والكرامة في مواجهة القيود والأعراف الطائرة. أما التلاعب بظلال المفردات فيرتكز على نقل الكلمات من دلالاتها المباشرة الجافة إلى آفاقها الرمزية؛ ليتشكل الظل كـ هوية معلقة، ويستحيل الليل قيداً ثقيلاً، بينما تصبح النافذة رمزاً للخلاص، والأغنية إعلاناً صارخاً عن الوجود وكينونة الذات. إنني لا أستخدم الضوء كأداة هندسية لتبديد العتمة فحسب، بل أستثمر العتمة ذاتها لتجعل الضوء أكثر نصوعاً وعمقاً؛ فالضوء في قصيدتي لا يستمد قيمته الجمالية من مجرد حضوره، وإنما من حجم المسافة الطويلة والمعاناة التي قطعتها الروح حتى تصل إليه. هذه المسافة الوجدانية الفاصلة هي التي تمنح الصورة الشعرية توترها الدرامي الخلاق، وتجعل المفردة الواحدة قادرة على حمل طبقات شعورية متعددة ومتداخلة في آن واحد. 4- كيف يعيد الشاعر صياغة مفهوم "الرمز" ليكون أداة اتصال مباشرة مع القارئ بدلاً من كونه جداراً من الغموض؟ أعيد صياغة مفهوم الرمز بنقله من وسيلة لإخفاء المعنى إلى جسر لتوسيعه وتعميقه؛ فالرمز الناجح لا يغلق النص بل يمنح القارئ مفتاحاً للدخول في التجربة الشعرية. ويتحقق هذا بالتزام الوضوح السياقي المرتبط بإحساس ملموس، والاعتماد على رموز يومية وإنسانية كالمطر، والنافذة، والليل مع شحنها بدلالات خاصة، وتجنب الإفراط في الإبهام؛ فالغموض الجميل يثير الأسئلة ولا يلغي إمكانية الفهم. حين يرتبط الرمز بالعاطفة الحية من وجع أو حب، يتحول القارئ إلى شريك في النص لا متفرجاً عليه. أنا لا أشرح الرمز مباشرة، بل أحيطه بإشارات كافية تترك مساحة للتأويل، ليتلمس المتلقي جوهره بطريقته الخاصة. وبذلك يصبح الرمز لغة ثانية داخل القصيدة تقود القارئ للمعنى؛ فالفرق بين الرمز والجدار، أن الجدار يمنع الوصول، أما الرمز فيدعو العابرين للعبور. والقصيدة الناجحة ليست التي تجعل القارئ يتساءل "ماذا أراد الشاعر؟"، بل التي تجعله يهتف "هذا ما شعرتُ به أنا أيضاً".5-ماهو الدور الذي تلعبه المثاقفة(التداخل مع الفنون الأخرى كالتشكيل والموسيقى) في هندسة المعمار اللغوي لقصائد الدوسري
تلعب المثاقفة في تجربتي دوراً يتجاوز مجرد الاستفادة من الفنون الأخرى، لتصبح في صميم تشكيل القصيدة وبناء صورتها وإيقاعها ودلالتها؛ فالقصيدة لدي فضاء تتجاور فيه الصورة، والحركة، واللون، والإيقاع. ويتضح أثر الفن التشكيلي في هندسة المشهد البصري؛ حيث أمنح الكلمات هيئة مرئية بالاعتماد على مفردات اللون، والضوء، والظل، والمسافة، لتتحول اللغة إلى "لوحة" تُرى وتُقرأ في آن واحد، ويتداخل فيها الحرف مع وظيفة الخط والكتلة. أما الموسيقى فهي المحرك الأساسي لإيقاع القصيدة الداخلي والخارجي عبر التكرار، والتوازي، وتنوع الجمل، وتوظيف الأوزان والقوافي؛ لتكون الموسيقى ترجمة حية للحالة الشعورية، فالانكسار له إيقاعه، والغزل له لينه وانسيابه. من هذه الزاوية، تستعير قصيدتي من التشكيل بناء المشهد، ومن الموسيقى نبض الروح، لتقدم معماراً لغوياً "متعدد الحواس" تلتقط فيه العين الصورة، وتسمع الأذن النغم، ويستوعب الوجدان الدلالة. نقدياً، لا تُقاس المثاقفة عندي بعدد الإشارات الخارجية للفنون، بل بمدى تحولها إلى طاقة بنائية داخلية تجعل المعنى محسوساً والصورة ناطقة؛ ليصبح التداخل الفني ركيزة أساسية في "هندسة" القصيدة لا مجرد إضافة جمالية عابرة. 6-يوصف الدوسري نقادا بأنه (ممسوس بالشعر) كيف يترجم هذا المس هيكليا في نصوصه دون السقوط في فخ الفوضى التعبيرية جواب الشاعر: وصفي بأنني "ممسوس بالشعر" لا يعني مجرد اندفاع عاطفي أو غزارة في الكتابة، بل هو حالة من التلبّس باللغة؛ حيث لا يُمثل الشعر موضوعاً أذهب إليه متى أشاء، بل هو طريقتي الخاصة في رؤية الأشياء وتحويل التجربة الإنسانية اليومية إلى مادة إبداعية. لكن هذا "المسّ" لا يتحول أبداً إلى فوضى تعبيرية؛ لأن الانفعال في نصوصي يخضع لنظام بنائي يضبطه، ويتجلى ذلك في مستويات عدة: أولاً، هيمنة الصورة الشعرية التي تنطلق كـ ومضة وجدانية، لتكون المحرك الأساسي الذي تتوالد حوله بقية المفردات والدلالات وليست مجرد زينة. ثانياً، الإيقاع بوصفه أداة تنظيم؛ فحتى في قصيدة التفعيلة أو النص ذي الإيقاع الحر، لا تسير الجمل اعتباطاً، بل يؤدي التكرار، والتوازي، وتوزيع المقاطع وظيفة موسيقية تحفظ تماسك النص. ثالثاً، التنامي الدلالي؛ فالقصيدة لدي ليست تجميعاً لصور مجانية، بل حركة واعية تبدأ من موقف أو سؤال وتتصاعد حتى تصل إلى خاتمة ذات أثر. رابعاً، التكرار الوظيفي الذي ينأى عن الزخرفة ليتحول إلى لازمة تتغير وتتعمق دلالتها مع كل عودة. التوازن الحقيقي في تجربتي يكمن بين العفوية والصنعة؛ فالعفوية تمنح النص حرارته، بينما الصنعة المعمارية تمنحه شكله. لو غابت الأولى لتحول الشعر إلى صناعة باردة، ولو غابت الثانية لانفلت الانفعال إلى تدفق لغوي غير منضبط. الفوضى هي أن تتوالد الصور بلا مركز دلالي، أما الشعرية المتوهجة فهي أن تلتف الصور حول مركز واحد. وبذلك، فإن "المسّ الشعري" في مشروعي ليس فيضاً عاطفياً فحسب، بل هو موهبة تتدفق بعفوية وتتدخل أدواتي الفنية فوراً لتمنحها شكلها، وإيقاعها، ومسارها الدلالي، ليتكامل اندفاع الموهبة مع انضباط البنية. 7-ماهو موقف الشاعر من المناهج النقدية الحديثة (كالتفكيكية والبنيوية) وهل يرى إنها تخدم النص أو تقيده؟
موقفي يتلخص في أنني لا أرفض المناهج النقدية الحديثة، لكنني أرفض تماماً أن تتحول إلى سلطة مطلقة تُخضع النص لقوالب ونظريات مسبقة الصنع. أنا لا أرى البنيوية أو التفكيكية خصماً للإبداع الشعري، بل أتعامل معهما كأدوات معرفية مساعدة يمكنها الكشف عن بعض مستويات وطبقات النص العميقة؛ ولكن يشترط في ذلك ألا تفرض هذه المناهج وصايتها على القصيدة، وألا تدّعي امتلاك المعنى النهائي لها. أما موقفي من المناهج النقدية الحديثة لا أرفض الحداثة النقدية ومناهجها الحديثة، بل أنظر إليها كأدوات معرفية هامة؛ فالبنيوية مثلاً منهج مفيد للكشف عن العلاقات الداخلية التي تنتظم النص كالتكرار، والتقابل، وهندسة البنية اللغوية والإيقاعية، مما ينقل النقد من الانطباعية إلى التنظيم. أما التفكيكية فتمنح الناقد القدرة على سبر ما وراء المعنى الظاهر، وفحص الانزياحات والمساحات المفتوحة للتأويل، وهو ما يتناغم مع طبيعة الشعر الذي لا تستنفد دلالاته قراءة واحدة. لكن تحفظي الحقيقي يبدأ عندما يتحول المنهج النقدي من أداة تخدم النص إلى سلطة قسرية عليه؛ فلا ينبغي إجبار القصيدة على قول ما تريده النظرية، أو اختزالها في مصطلحات جافة بعيدة عن حرارة التجربة الإنسانية. معادلتي الواضحة في هذا الصدد هي: المنهج يخدم النص حين يكشف ما فيه، ويقيده حين يفرض عليه ما ليس فيه. لذلك، أرفض القراءة الآلية التي تتعامل مع القصيدة كحقل تجارب لتطبيق نظريات جاهزة. الموقف الأكثر انسجاماً مع تجربتي هو "التعدد المنهجي"؛ إذ يمكن قراءة القصيدة بنيوياً لفهم هندستها، وتفكيكياً لفحص دلالاتها، ونفسياً أو اجتماعياً وموسيقياً لاستيعاب خلفياتها وإيقاعها، دون اختزالها في قالب واحد. فالناقد الحقيقي في نظري، لا يأتي إلى القصيدة وفي يده قفص يريد أن يحبسها داخله، بل يأتي وفي يده مفتاح يود أن يفتح به أبوابها المغلقة. 8-كيف يوازن الشاعر في نصوصه بين متطلبات النقد الأكاديمي الصارم وبين الحرية الإبداعية الوجدانية جواب الشاعر: الموازنة بين متطلبات النقد والحرية الإبداعية لدي لا تقوم على إخضاع الشعر للقواعد النظرية، ولا على إطلاق العاطفة بلا ضابط، وإنما على إيجاد منطقة وسطى تلتقي فيها حرارة التجربة بوعي الصياغة. قصائدي تنطلق أولاً من نبع الوجدان الإنساني؛ من الحب، والحنين، والفقد، والقلق، وهذا الدفق لا يبدأ من سؤال نقدي، بل من إحساس طاهر يريد أن يتحول إلى لغة. لكن بعد ولادة هذا الشعور العفوي، يأتي دور الوعي الفني المنضبط ليتولى بناء النص؛ فيختار المفردة، ويرتب الصور، ويضبط موازين الإيقاع والقوافي دون أن يقتل حرارة الانفعال. أنا حريص على ألا تصبح القصيدة بحثاً نقدياً أو تمريناً نظرياً جافاً يهدف إلى إرضاء الناقد الأكاديمي؛ فالقصيدة تحتاج إلى الدهشة والإيحاء قبل أي شيء، ثم يأتي النقد تالياً ليكتشف آلياتها. القالب الموسيقي ــ سواء كان عمودياً أو تفعيلة ــ ليس قيداً خارجياً يكبح حريتي، بل هو وسيلة لتهذيب الشحنة العاطفية وصهرها في شكل فني متماسك. النص الناجح في نظري هو الذي يحمل بنية عميقة وصوراً قابلة للتحليل دون افتعال أو تصنع لإثبات القدرة المعرفية. إن فلسفتي في هذه الموازنة يمكن تلخيصها في أنني أترك للوجدان أن يختار ماذا يقول، وللوعي الفني أن يحدد كيف يقول؛ فالوجدان يمنح القصيدة روحها، والمعرفة تمنحها جسدها. وإذا تقدم العقل النقدي على التجربة ترهل الشعر، وإذا انفلتت العاطفة بغير بناء تلاشت قيمتها الفنية؛ لذا فإن الحرية في تجربتي لا تعني الفوضى، والانضباط لا يعني الجمود، والقصيدة تظل حرة في إحساسها لكنها ملتزمة بمسؤولية الفن. 9-في ظل الإنزياحات الدلالية المستمرة في قصائده كيف يحدد الدوسري الحد الفاصل بين الغموض والتعمية الهدامة؟ أرى أن الانزياح الدلالي هو أحد أدواتي الأساسية في توسيع آفاق المعنى وتعميقه، لكن نجاح هذا الانزياح يتوقف دائماً على وجود خيط خفي يربط الصورة بالمعنى الجوهري للنص. والحد الفاصل بين الغموض المنتج والتعمية الهدامة يكمن في هذه الصلة؛ فالغموض الجمالي يثير دهشة المتلقي ويحفزه على التفكير والمشاركة في استكشاف طبقات النص دون أن يفقده الطريق، بينما تتحول التعمية الهدامة إلى جدار لغوي مصطنع يقطع حبل التواصل ويعزل القارئ تماماً عن نبض التجربة الإنسانية المكتوبة. أين يقف الدوسري بين الغموض والتعمية؟ لا أتعامل مع الغموض باعتباره غاية في ذاته؛ فالغموض المنتج والمقبول لدي هو الذي يؤخر المعنى ولا يلغيه، مفسحاً المجال أمام القارئ لاكتشاف الدلالة عبر تتبع الإشارات والسياقات داخل النص. حين أقول مثلاً: «أشعلتُ في عينيكِ نافذةً»، فإن هذا الانزياح يكسر المنطق الواقعي، لكنه ينسج شبكة دلالية تربط بين العين والنافذة والضوء، ليقود المتلقي باكتشافه إلى معاني الرؤية والحضور. أما التعمية الهدامة فتحدث عندما تتراكم الصور العشوائية المنبتة الصلة، فيتحول النص من دعوة للتأويل إلى انقطاع تام بين الشاعر والمتلقي. إن موقفي الفني يرتكز على قواعد واضحة: أن يكون وراء الانزياح اللغوي معنى نابع من تجربة حقيقية، وأن تظل هناك علامات وخيوط سياقية تمنح القارئ دليلاً يتتبعه، وأن يفتح الغموض مساحات لقراءات متعددة بدلاً من إغلاقها. الفارق الجوهري عندي يكمن في قابلية النص للتأويل؛ فالغموض يكون جزءاً من الجمال حين يسمح للمتلقي بالمشاركة في إنتاج المعنى، بينما تتحول التعمية إلى تعقيد مصطنع حين تجرد النص من أي مدخل دلالي وتتحول إلى لغز مغلق. أنا لا أقدم المعنى جاهزاً للمتلقي، وفي الوقت ذاته لا أحرمه منه؛ بل أضع الانزياح كمسافة جمالية بين القول المباشر والقول المكتشف. القصيدة الناجحة في تصوري لا تقول للقارئ "هذا هو المعنى"، ولا تدعي "لا معنى هنا"؛ بل تهمس له: «اقترب، واكتشف المعنى معي». وهذا هو الحد الفاصل بين الغموض الذي يستفز الذائقة ويثريها، والتعمية التي تستنزف الروح والذهن. 10: كيف يواجه النص الشعري لديك سلطة القارئ النخبوي في مقابل القارئ العام؟ ولمن تنحاز لغتك في النهاية؟ جواب الشاعر: لا أكتب نصوصي لإرضاء القارئ النخبوي وحده، ولا أتنازل عن حق القصيدة في العمق والتأويل؛ بل أتحرك في مساحة وسطى تقدم لغة قريبة في ظاهرها، غنية وكثيفة في باطنها. فالسهولة لا تعني بساطة الدلالة، وهو ما يتيح مستويات متعددة من التلقي؛ حيث يدخل القارئ العام من بوابة العاطفة والإيقاع، في حين يذهب النخبوي أبعد ليفكك أبعاد الانزياح، والتناص، والرمز العميق. إن لغتي تنحاز للقارئ العام كبوابة دخول، ولا تفرط بالنخبوي عند التفكيك؛ وهذا التوازن يحمي القصيدة من الانغلاق الجاف أو التسطيح والابتذال. لا أريد للقارئ قاموساً ليشعر بقصيدتي، لكنني حريص أن يجد الناقد في بنيتها ما يستحق الدراسة. فالاختبار الحقيقي للنص الناجح يكمن في عدد مستويات القراءة التي يحتملها؛ بحيث يشعر بها العادي ويحللها المتخصص. ومن هنا، فإن انحيازي النهائي هو للنص نفسه ليكون جسراً يجمع بين التواصل والجمال، والبساطة والعمق؛ فلغتي تفتح بابها للجميع، لكنها لا تكشف كل غرفها للجميع، ليكون الغموض نابعاً من التجربة ذاتها لا مصطنعاً لاستعراض المعرفة. المحور الثالث الوجدانية والتصوف الفلسفي 11-كيف تتحول العاطفة في قصيدة قربك من مجرد دفق وجداني عابر إلى حالة حلول وتصوف فلسفي يبحث عن المطلق في قصيدة "قُربكِ"، تتدرج العاطفة من غزل مشهدي إلى ركيزة للوجود والمعرفة، مفرزةً مسحة من الحلول والتصوف الفلسفي. حضور المحبوبة ليس لقاءً عابراً، بل هطول كالمطر يعيد صياغة الذات ويلغي المسافات بين "الأنا" و"الآخر"؛ لتتحول المرأة إلى قدر كوني يتجاوز الإرادة الفردية. إنها تعيد خلق لغتي وتبث النبض في كلماتي، محوّلةً كياني من هامشية "عابر الظل" إلى دهشة الحضور، لتغدو بمثابة "مبدأ الخلق" الفني داخل النص. وتتجلى الذروة الفلسفية حين تتماهى المحبوبة مع الجهات الأربع، لتصبح قبلتها أداةً لإعادة تعريف العالم وترتيب جهاته، واختزال الكون في ذات واحدة. وفي الختام، يكتمل الحلول الجمالي بتبادل بنيوي: المحبوبة تصبح القافية، والحروف تستحيل قلباً، والقلب يصبح قصيدته الأجمل؛ فلم أعد أكتب عنها من الخارج، بل صارت مادة وجودي من الداخل. ويرتقي النص عبر مستويات متصاعدة: من العاطفة (أحبكِ)، إلى الحلول (أنتِ تسكنينني)، وصولاً للأفق المطلق؛ ليتشكل تصوف جمالي تتحول فيه الحبيبة إلى مركز للوجود، وتغدو العاطفة طريقاً للسؤال عن الذات واللغة. 12 ماهي فلسفة الاغتراب الروحي في شعرك وكيف نجحت في تحويل الألم الذاتي إلى تجربة إنسانية كونية؟
تقوم فلسفة الاغتراب الروحي في شعري على إدراك أن الإنسان يعيش دوماً في تلك المسافة الفاصلة بين ما يتمنى وما يتحقق، بين من يحب ومن يفقد، بين ماضيه وحاضره، وبين ذاته الحقيقية والصورة التي يقدمها للعالم. لكنني لا أجعل من هذه المسافة نهاية مأساوية، بل أحولها إلى مهد لولادة القصيدة؛ لتنتقل التجربة من الذات إلى الآخر، ومن الآخر إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الوجود بأسره. أنا لا أعمم ألمي بإطلاقه في الفراغ بشكل مجرد، وإنما أعمّقه وأصقله لغوياً حتى يصبح مرآة قابلة للتعرّف عليها في أرواح الآخرين. كونية تجربتي لا تنبع من ضخامة الموضوعات، بل من قدرتها على استخراج المعنى الإنساني الكامن في الجرح الشخصي؛ محاولاً جعل سيرتي الداخلية وبوحي الذاتي صدى لسيرة الإنسان العام في مواجهة الحب، والفقد، والزمن، والوطن. 13-كيف يتجلى مفهوم الزمن في نصوصك وهل تراه الشاعر خطا مستقيما أم دائرة صوفية مغلقة من الاستذكار؟
الزمن ليس ما يمرّ بالإنسان، بل ما يبقى فيه بعد أن يمرّ. وهذه العبارة، في تقديري، تصلح أن تكون مفتاحًا نقديًا رئيسيًا لقراءة تجربته كلها؛ لأنني لا أكتب عن الماضي بقدر ما أكتب عن بقاء الماضي داخل الإنسان.
14-في قصيدة حين أحببتك كيف يتم دمج المكون الأنثوي باعتباره رمزًا للأرض أو الوطن وليس مجرد امرأة؟
قامت قصيدة "حين أحببتكِ" على رؤية فنية تجمع بين "تأنيث الوطن وتشخيص الأنثى"؛ حيث لا تبدأ القصيدة بإعلان مباشر، بل تنساب المرأة في النص أولاً كمحبوبة من لحم ودم، ثم تتسامى تدريجياً لتتماهى مع تفاصيل الطبيعة والحياة، حتى يصل النص إلى لحظة الكشف الأخير: «فإن سألوني عن وطني... قلتُ: وطنٌ له عينان بلون الحنين». الحبيبة في وجداني ليست بديلاً عن الوطن، والوطن ليس مجرد استعارة لفظية للحبيبة؛ بل هما كينونة واحدة متداخلة، يصبح الحب معها وجهاً من وجوه الانتماء، ويتحول الوطن إلى ملامح تلك الحبيبة التي لا يمكن للقلب مغادرتها. وقوة هذا النص تكمن في ذلك الانكشاف الرمزي المتأخر؛ فأنا لم أقل منذ السطر الأول "أنتِ وطني"، بل تركت القارئ يكتشف هذه الحقيقة بنفسه عبر مسار تصاعدي يمر بالفصول، والزمن، والبحر، والمطر، والياسمين، والفجر، ليصل في النهاية من الغزل الخاص إلى الرمز العام، ومن المرأة إلى الأرض والانتماء الإنساني الأوسع. 15-ماهي الحدود الفاصلة في قصائده بين الوعي اليقظ واللاوعي الحالم وكيف يستدعي السريالية لخدمة الفكرة؟
لا أرى في قصائدي حدوداً قاطعة وفواصل جامدة بين الوعي اليقظ واللاوعي الحالم، بل هي منطقة عبور وتداخل مستمر. الوعي لدي يتولى الإمساك بالخيوط الجوهرية للقصيدة؛ يحدد ملامح الحب، والفقد، والزمن، والوطن، والاغتراب. أما اللاوعي، فيأتي ليمد هذه الخيوط بصور حلمية تكسر جمود المنطق الواقعي؛ فتجد الساعة تنبض، والليل يستمع، والهواء ينافس، والمرآة تغار من دفق الذاكرة. السريالية في تجربتي ليست غاية شكلية أبحث عنها لذاتها، وإنما هي أداة طيعة لتحرير المعنى من أسر المباشرة والتقريرية. أنا لا أستدعي السريالية هرباً من الواقع المعاش، بل لأكشف عن واقع داخلي ونفسي عميق لا تملك اللغة الواقعية الجافة وحدها القدرة على رصده أو التعبير عنه. وهنا يصبح اللاوعي هو المختبر الخفي الذي تتولد فيه الصور وتتشكل داخله الأخيلة، بينما يتولى الوعي مهمة اختيارها، وتنظيمها، وربطها برباط وثيق يخدم الفكرة الكبرى للنص. 16: تداخل الأجناس الأدبية سمة بارزة في أعمالك، كيف تتوغل التقنية السردية داخل النص الشعري لتعميق البعد الدرامي؟ لا يأتي السرد في قصائدي ليقصي الغنائية أو يطفئ وهجها، بل ليتسلل عفوياً في نسيج الحرف عبر اللمسة المشهدية، والحكاية المكثفة، والحوار المستتر، والمفارقة. إنه يمنح العاطفة العابرة فضاءً حياً يتجسد فيه النبض الإنساني. إن نصوصي تتحرك وفق متوالية شعورية متكاملة؛ حيث يبدأ النص بحدث عابر يوقظ الحس، ليتحول هذا الحس إلى صورة تفتح الباب أمام صراع داخلي، ومن رحم هذا الصراع تولد الحركة الدرامية التي تصب في نهاية المطاف عند نهر الأسئلة الوجودية المشتركة. أجدني أقف في تلك المساحة المشتركة الخصبة بين دفق الأغنية، وبوح المونولوج، وحيوية المشهد البصري. السرد لدي لا ينشغل أبداً بنقل تفاصيل الواقع الفج أو الإجابة عن السؤال التقليدي: "ماذا جرى؟"، بل يفتش عن جوهر الأثر: "ما الذي فعله هذا الجريان بالروح التي عاشته وعانت منه؟". هنا بالتحديد تتخلى الحكاية عن طابعها النثري الجاف، لترتدي ثوب التجربة الشعرية المفعمة بالدراما والحياة. 17- ماهي القضية الوجودية الكبرى التي يرى الشاعر إن قصيدته لم تحسم موقفها منها بعد وتطارد مخيلته باستمرار؟
القضية التي تطارد مخيلتي بلا هوادة هي صراعي الأزلي مع "الزمن"؛ بوصفه القوة التي تهدم كل ما نحاول بناءه من حب، وذاكرة، ووطن، وأحلام. أنا أرفض الاستسلام للزمن، ولذلك أستدعي الشعر كوسيلة لمنح الأشياء التي فقدتها وجوداً رمزياً يقاوم الزوال، لكن القصيدة لا تحسم الصراع؛ لأنني أدرك تماماً أن استعادة الأشياء بالكلمات ليست استعادتها في الواقع، مما يجعلني عالقاً دوماً بين الاعتراف بالفناء ومقاومته بالذاكرة. هذا التردد يفسر لماذا تولد أسئلتي بأشكال مختلفة؛ فالمرأة في نصوصي ليست مجرد امرأة، والزمن ليس مجرد وقت، والوطن ليس مجرد جغرافيا، بل كلها تمظهرات تدور حول سؤال واحد: ماذا يبقى من الإنسان حين يمضي كل شيء؟ الجواب الذي تقترحه قصيدتي حتى الآن هو: يبقى الأثر، وتبقى الذاكرة، وتبقى القصيدة. لكنني لم أحسم بعد إن كان هذا البقاء الرمزي كافياً حقاً لمواجهة الفناء والعدم، وهنا بالتحديد يكمن المحرك الأساسي لتجربتي؛ فأنا لا أزال أكتب بحثاً عن إجابة، ولست شاعراً يكتب بعد امتلاكها. 18-كيف يعالج الدوسري قضايا الهوية والانتماء في زمن التشظي الرقمي والعولمة الثقافية من خلال نصوصه؟
أواجه هذا التشظي الرقمي والعولمة الثقافية الجارفة بمعالجة قضايا الهوية والانتماء عبر ثلاثة مستويات متكاملة: أولها الذاكرة؛ حيث أستعيد تفاصيل المكان والزمن والوجوه الراحلة لأحمى التجربة الحية من المحو الرقمي. وثانيها اللغة؛ إذ أتمسك بالعربية كوعاء أصيل للهوية، أحافظ من خلاله على رصانة وخصوصية صوتي الشعري. وثالثها الشعرية ذاتها؛ عبر تحويل تجربتي المحلية والوطنية إلى سؤال إنساني عام، ينتمي إلى مكانه وجذوره دون أن ينغلق عليها. موقفي الفني والفكري لا يعني الانعزال التام عن العصر؛ بل يمكن صياغته في عبارة واحدة: «أنا أدخل إلى العالم، لكنني لا أسمح لهذا العالم بأن يمحو ملامحي الخاصة». إن الانتماء لدي لا يناقض الكونية أبداً؛ فالإنسان لا يصبح كونيّاً بالتخلي عن هويته وجذوره، بل عندما يملك القدرة على حمل هذه الجذور معه إلى فضاءات العالم الأوسع، دون أن يجعل منها جداراً عازلاً يفصله عن الآخرين. ومن هنا تتشكل رؤيتي الفنية لتكون الهوية بمثابة "ذاكرة مقاومة" تتأرجح بمرونة بين وطن المكان ووطن اللغة في زمن الشتات الرقمي. 19-الى أي مدى يعكس التكرار اللفظي والترجيع الصوتي في قصيدة درسيني موقفا نقديا أو اجتماعيا مبطنا؟ يمكن القول إن التكرار في «درّسيني» يؤدي ثلاث وظائف متداخلة: الإيقاع، والتوكيد، والاحتجاج. فهو من جهة يمنح النص موسيقاه الشعبية، ومن جهة أخرى يلح على حاجة الإنسان إلى استعادة حقه في الحب والتعبير، ومن جهة ثالثة يسخر من مجتمع يعلّم أفراده قواعد كثيرة للحياة لكنه لا يمنحهم بالضرورة مساحة كافية ليقولوا «أحبك» دون خوف أو حساب. ولهذا فإن البعد الاجتماعي في القصيدة ليس خطابًا مباشرًا أو أيديولوجيًا؛ بل هو نقد ناعم، ساخر، يختبئ داخل خطاب عاشق يقول: أنا راسب بالغرام. وهذه المفارقة هي أجمل ما في النص؛ لأن الشاعر يجعل الفشل في الحب انتصارًا على لغة المجتمع الجافة.
20-كيف يصنع الشاعر مفارقة ساخرة أو صادمة في نهايات قصائده لتفكيك وعي القارئ وإعادة بناء أفكاره؟
إن نهاية القصيدة عند الدوسري ليست نقطةً في آخر السطر، بل نقطةُ انعطافٍ تعيد القارئ إلى بداية النص بعينٍ مختلفة؛ فالمفارقة الساخرة أو الصادمة عنده تعمل بوصفها أداةً لتفكيك القراءة الأولى وإجبار المتلقي على إنتاج قراءة ثانية أكثر وعيًا بما يخفيه النص من أسئلة اجتماعية ووجودية. وهذه التقنية تمنح شعره خصوصية واضحة، خصوصًا حين يجمع بين الموسيقى الشعبية، واللغة اليومية، والمفارقة، والبعد التأملي؛ إذ تبدو القصيدة سهلة في ظاهرها، بينما تترك نهايتها سؤالًا مفتوحًا في ذهن القارئ.
21: بصفتك أكاديمياً وشاعراً عاصرت تحولات كبرى، ما هي شهادتك النقدية الصادقة على المشهد الأدبي العراقي الراهن؟ وهل يعيش الشعر العراقي اليوم أزمة تجديد أم أزمة تلقٍّ؟ الشعر العراقي الراهن لا يعاني أزمة تجديد، بل يعاني أزمة تلقٍّ حادة وغياباً للغربال النقدي؛ فالحراك مستمر عبر المهرجانات والمسابقات، لكن المفارقة الرقمية جعلت القصيدة أكثر حضوراً وأقل إقامةً في الذاكرة لسرعة الاستهلاك وضجيج الفضاء الافتراضي الذي فضّل الشهرة على القيمة. التجديد موجود، لكن يرافقه استسهال مقلق في كتابة النثر والتفعيلة كهروب من المسؤولية الموسيقية، بينما التجديد الحقيقي هو تغيير رؤية العالم لا شكل الصفحة. الأزمة الأخطر هي غياب "الناقد الفارس"، مما جعل عدد المتابعين معياراً للنجاح، رغم أن كثرة الجمهور لا تصنع شاعراً كبيراً. ومع ذلك، فالأجيال الجديدة تملك الجرأة لكنها تحتاج صبراً فنياً؛ فاختبارها الحقيقي ليس في قالب القصيدة بل في امتلاك لغة خاصة. إن الجرح يكمن في "السرعة" الرقمية التي نقلت الإنتاج من الصلابة إلى السيولة، بينما النص الحي يحتاج صمتاً ليقاوم الزمن. شهادتي أننا لا نحتاج ثورة شكلية بل ثورة وعي؛ فالمكتبة مليئة بالقوالب، وما ينقصنا هو "الصوت الشخصي" الذي يعيد صياغة المفردات المألوفة بطريقة غير مسبوقة، لتكون العبرة بالعمق والبقاء لا بالانتشار الفوري.بل السؤال الأدق: «هل يستطيع الشعر العراقي أن يجعل القارئ يتوقف عن التمرير على شاشة هاتفه، ويجبره على العودة إلى القصيدة مرة ثانية؟» إذا استطاع ذلك، فقد تجاوز أزمة التلقي.وإذا استطاع أن يفعل ذلك بصوت عراقي خاص، دون أن يتحول إلى أسير للماضي أو تابع للموضة الرقمية، فسيكون قد تجاوز أزمة التجديد أيضًا. *وهنا تحديدًا أرى مستقبل الشعر العراقي: ليس في هدم التراث، ولا في تقديسه، ولا في مطاردة الحداثة، وإنما في إنتاج شاعر يعرف التراث جيدًا، ويعرف العالم الجديد جيدًا، ثم يكتب قصيدته هو.* 22-كيف يرى الدوسري اثر طغيان وسائل التواصل الاجتماعي على تمييع المعايير الجمالية وتحويل القصيدة إلى استهلاك سريع؟ لستُ ضد العصر؛ فالمنصات الرقمية منحت الشعر انتشاراً كبيراً، لكن الأزمة تبدأ حين تتحكم الخوارزميات في بنية القصيدة لاهثةً وراء الاستهلاك السريع. الخطر يكمن في فرض نصوص قصيرة وسهلة لنيل الإعجاب؛ فيكتب المبدع للمنصة بدلاً من الفن، ويحل الانتشار محل القيمة، والسرعة مكان التأمل، ليتحول الشاعر لصانع محتوى ينسى أن المنشور عابر والقصيدة باقية. هناك فرق بين شعر يستخدم المنصة كمنبر ــ وهو مكسب ــ وشعر يخضع لها ــ وهو خطر دائم؛ فالانتشار لا يعني البقاء. هذا الاستهلاك يهدد الفن لأنه يركز على التأثير الأول لا إعادة القراءة، فنجد بيتاً عابراً دون بناء متماسك. ويصبح معيار النجاح: "هل سيشارك الناس هذا البيت اليوم؟" بدلاً من السؤال الأهم: "هل سيعود القارئ إليه بعد عشر سنوات؟". 23-ماهو الدور الحضاري والرسالي الذي يعتقد الشاعر أن النخبة الإبداعية العراقية ملزمة به في الوقت الحالي؟ لم يعد أمام النخبة العراقية ترف الانتظار؛ فدورنا يتعدى الكتابة إلى بناء الوعي وحماية تاريخنا وإنساننا. نحن مطالبون بأن نكون ضمير الأمة، لا أبواقاً لأي جهة؛ فاستقلال الشاعر هو ثمن انحيازه ضد الفساد. رسالتنا هي الدفاع عن وحدة العراقيين ونبذ الطائفية، لتؤكد قصائدنا أن الوطن يتسع لجميع أبنائه. كما يجب علينا حماية الذاكرة الوطنية من التزييف؛ فالحروب إن لم نكتبها نحن بصدق، ستزورها الروايات السياسية الموجهة. وفي زمن الركض خلف الشهرة العابرة، نلتزم بإعادة الهيبة للغة والجمال، ومخاطبة الجيل الجديد بأدواته الرقمية دون تخلٍ عن القيمة. إن الأدب مواجهة حقيقية ضد الجهل والتعصب؛ فالعراق لا يريد منا البكاء، بل بناء وعي وطني جديد يعيد تخيّل مستقبله. .24-كيف يتأثر المشهد الثقافي العراقي المعاصر بالقطيعة المعرفية بين جيل الرواد والجيل الجديد من الشعراء الشباب؟ المشهد الثقافي العراقي لا يحتاج إلى مصالحة بين القديم والجديد بقدر حاجته إلى حوار معرفي بينهما. فالقطيعة الحقيقية ليست أن يختلف الشاب مع الرائد، وإنما أن يجهل الشاب ما أنجزه الرائد، وأن يرفض الرائد ما يكتبه الشاب قبل أن يقرأه. وأعتقد أن مستقبل الشعر العراقي لن يصنعه جيل الرواد وحده ولا جيل الشباب وحده، وإنما ستصنعه المنطقة التي يلتقي فيها عمق الذاكرة مع جرأة المستقبل.فإذا بقيت القطيعة، سنحصل على شعراء شباب كثيرين يبدأون من الصفر، ورواد كبار يتحدثون إلى أنفسهم.أما إذا حدث الحوار، فقد تتحول الفجوة بين الأجيال من مشكلة إلى أهم مصدر لتجديد الشعر العراقي. 25-ماهي الكلمة الفاصلة التي يوجهها قاسم الدوسري للتأريخ حول صمود الكلمة الحرة في وجه المتغيرات السياسية والاجتماعية؟ (أقول للتاريخ: إن الكلمة الحرة قد تُحاصر، وقد يُحاصر صاحبها، وقد تتبدل السلطات والأنظمة والوجوه، لكن الكلمة التي خرجت من ضمير صادق لا تموت. نحن الشعراء لا نملك الدبابات ولا المنابر السلطوية، لكننا نملك ما هو أبقى: الذاكرة. وكل سلطة عابرة، مهما طال عمرها، ستصبح يومًا صفحةً في كتاب، بينما تبقى الكلمة التي قاومتها شاهدًا عليها. لذلك لم أكتب لأرضي زمنًا، بل كتبت لأكون صادقًا مع ضميري، ومع وطني، ومع الإنسان. قد يخسر الشاعر معركة الحاضر، لكنه إذا حافظ على حريته، ينتصر أمام التاريخ) ،(السلطة تغيّر أسماءها، والزمن يغيّر وجوهه، أما الكلمة الحرة فإذا صدقتْ، بقيت شاهدةً حتى بعد أن يصمت الذين أرادوا إسكاتها) .
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: كاردينيا الغوازي.. في مخ
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديبة العراقية -فوز
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار مع الباحث والشاعر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : حوار شامل مع القاص والش
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرةعقيل الجبوري في حوار عبر أ
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوار شامل مع الشاعر والن
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : الدكتور عدي عدنان البلد
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحل
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر سليمان شاحوذ
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر زهير الإمامي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوار استثنائي مع الشاعر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: الأديبة العراقية رجاء فر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الصيدلي والخطاط والشا
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الشاعر حسن حوني جابر
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر جاسم الطائي-2
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر جاسم الطائي-1
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الكاتب والصحفي العراقي
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : مع الشاعرة بلادس الزبيد
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة:حوار مع الشاعرة -نوال ال
...
المزيد.....
-
فيديو متداول لـ-حريق مصفاة نفط لشركة أرامكو في ينبع-.. ما حق
...
-
لقطات توثق حريق غابات خطيرا في كاليفورنيا يغلق طريقا سريعا و
...
-
قمة ثلاثية إسرائيلية-مغربية-أمريكية في نيويورك لتعزيز اتفاقي
...
-
“قضايا المرأة” تدين التبريرات لجريمة مقتل طالبة الصف تحت مسم
...
-
فوربس : مصر ضمن 3 مغامرات سياحية استثنائية حول العالم لعام 2
...
-
اليمن - إيران: ماذا لو يستمر التصعيد ومن يوقفه؟
-
المغرب: محاكمة رسام كاريكاتور على خلفية رسومات اعتبرت مسيئة
...
-
تصويت جديد ضد ترمب.. هل ينجح الكونغرس في وقف حرب إيران؟
-
بدعم أمريكي.. المغرب وإسرائيل يرفعان تمثيلهما الدبلوماسي لسف
...
-
سعيّد يتهم أطرافا بالتآمر في قطع الكهرباء والماء عن تونس
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|