أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - التأقلم














المزيد.....

التأقلم


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 14:39
المحور: الادب والفن
    


يلتفت إليه الجميع وهو يبدأ كلامه، لا على نحوٍ مألوف، بل على نحوٍ يشي بأن ما سيقال يتجاوز حدود النكتة العابرة إلى منطقةٍ رمادية بين الدهشة والرسالة. يبتسم ابتسامةً غريبة، كأنها لا تخصه وحده، ثم يلتفت يمنة ويسرة، ويوخز صدغه بسبابته كمن يوقظ فكرةً مترددة في رأسه، ويتململ في جلسته، ويصطنع هيئة الوقار والرصانة، رغم أن روحه معروفة بخفة ظلّها الفطري التي لا تنضبط في قالب.
فجأة، وقبل أن يتهيأ الحضور لتوقع ما سيقال، يندفع إلى الغرفة الطينية الواسعة، حيث كان المشهد قد بدأ يتشكل في ذهنه كحكاية قابلة للتأويل. كان الكبش الكبير يتبعه كبش صغير لا يتجاوز عمره سنة ونيف. يصمت لحظة، كأنه يريد أن يجرّ الجميع إلى عمق السؤال لا إلى سطح الحكاية.
ثم يهمس لمن بجانبه، وكأن السؤال أخطر من أن يُعلن بصوت مرتفع:
- كيف يمكن لكبشٍ كبير، يُضرب به المثل في القوة والسيطرة، ويُقال إنه طرد منافسيه جميعاً، أن ينهزم أمام كبشٍ صغير؟
يواصل حديثه، كأنما يفتح نافذة على مفارقة لا تُرى بالعين المجردة. لذا انتهى الأمر بطرد الكبش الصغير، وبضربة خفيفة من أخيه الأكبر على ظهر الكبش الكبير، لا عقاباً بل تشجيعاً، وكأن القوة تُكافأ حتى حين ترتبك.
في ظهيرة اليوم التالي، كان الجميع ينتظرون إعادة المشهد ذاته، لا كحادثة عابرة، بل كدلالة تتكرر لتكشف ما وراءها. غير أن المشهد جاء على نحوٍ أكثر التباساً؛ الكبش الكبير هذه المرة لا يتقدم، بل يطلب النجدة، يلوذ خلفهم كأنه فقد يقينه القديم، فيما كان صاحب الكبش الصغير يبتسم ابتسامة منتصرة، وقد احمرّ وجهه كمن أدرك مبكراً سرّ اللعبة.
تبادل الحضور نظرات صامتة، دهشةً ممزوجة بحذرٍ ثقيل. الجميع فهم شيئاً ولم يجرؤ أحد على قوله. الكلمات بدت وكأنها تُراقَب قبل أن تُنطق، وكأن لكل تعليق ثمنه غير المعلن. القلة فقط أدركت أن ما يجري ليس عن الأغنام، بل عن شيء آخر يشبهها ويشبههم.
كان كل واحد ينتظر الآخر ليكسر حاجز الصمت، ولو بتلميح، لكن الصمت ظلّ سيد الموقف، كأنه هو الحقيقة الوحيدة المسموح بها في ذلك المكان. وأخيراً، بادر كبيرهم بالسؤال، وقد خيم على وجهه ثقلٌ واضح، وعيناه مطرقتان إلى الأرض، كمن يخشى أن يكون الفهم نفسه عبئاً:
- وما الذي حصل بعدها بالضبط، فالحكاية لم تكتمل؟
جاء الجواب هادئاً، لكنه كان أثقل من أن يُقال بلا أثر:
- الجواب ككبشنا الكبير هذا وقد سُلب منه كل شيء، حتى عناصر النجدة، كُسر قرنه وخارت قواه، ليُترك بعد ذلك يعيش بقية عمره ضمن القطيع، لا سيداً ولا مختلفاً… بل مجرد فردٍ آخر يتقن فن التأقلم.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يستيقظ الوعي على اغترابه
- عندما يختلف الأبناء
- أن تعيش المعنى
- لم أكن أعي
- تشجيع أنثى
- الضمير الحي
- الطفل المجهول
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- حين يتوهّم الإنسان أنه مركز الكون
- التحديق في ضوء الشمس
- بغداد المؤجَّلة.. من يمتلك حلَّ العقدة؟ تأملات في جدلية الهو ...
- الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية
- حَزّةُ أنثى
- مكنسة النسيان
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب ...
- حين يغنّي الطفل في أعماقي
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...


المزيد.....




- في الذكرى الخمسين لفيلم -روكي-.. جولات في فيلادلفيا تعيد إحي ...
- الرياض تحتضن نزالات عالمية في الفنون القتالية المختلطة بمشار ...
- الرباط تحتفي بسينما المؤلف في دورتها الحادية والثلاثين وتكرم ...
- عمان تستعد لاحتضان الدورة المقبلة لمهرجان المسرح العربي مطلع ...
- سباق القمر يعود إلى الحياة في وثائقي يجمع المسرح بالموسيقى
- علي ماهر.. من قناص الملاعب إلى سدة القيادة الفنية للفراعنة
- في الـ81 من عمره.. زواج الفنان المصري قيس عبد الفتاح للمرة ا ...
- ترامب يطلب من رئيس -يو إف سي- للفنون القتالية تولي منصب المت ...
- -واحدة من مليون-.. فيلم يوثق 10 أعوام من رحلة لاجئة سورية
- مهرجان سينمائي يمنح المصابين بأمراض نادرة حق رواية قصصهم


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - التأقلم