أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - لم أكن أعي















المزيد.....

لم أكن أعي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 15:03
المحور: الادب والفن
    


لم أكن أعي أن بين الناس ميزاناً خفيّاً، يميل حيث تكون الجيوب أثقل، ويرتجف حيث تكون الأيدي فارغة.
كنت أرى الناس في الطرقات سواء؛ يمشون تحت الشمس نفسها، يأكلون من خبز الأرض، يعملون، يتناسلون، يكبرون، ثم يغيبون واحداً بعد آخر. لم أكن أحصي عدد الموتى من هنا أو هناك، ولم أكن أعرف أن حتى الموت قد تُرسم له طبقات.
لم أكن أعي أن موت الغني قد يتحول إلى حادثة عامة، وأن جنازته يمكن أن تمتلئ بالوجوه والدموع والمشيعين، بينما يمر الفقير إلى التراب خفيفاً، كأنه لم يكن يوماً سوى ظل عابر على جدار الحياة.
ولم أكن أعي أن بعض الذين يملكون الكثير لا يتحمسون كثيراً لتلك الكلمة الكبيرة: الكرامة. حيث كنت أظن أن الكرامة واحدة، وأن الجميع يقفون تحت سقف واحد حين تهب الريح، وأن الوطن حين تضيق به الأيام، يستدعي أبناءه جميعاً. ثم اكتشفت متأخراً، أن هناك من يرى نفسه جزءاً من الكرامة، ويرى الآخرين وقوداً لها؛ فإذا احتاجت الكرامة إلى صدر، كان صدر الفقير هو الأقرب إلى النار.
ولم أكن أعي أن عبارة الفقير فقير قد لا تكون وصفاً للحال بقدر ما هي طريقة لتثبيت الحال. إذ كانوا يربطون الفقر بقلة العقل والمعرفة والجاه، ولم أكن أعي أن من فقد المال فقد حقه في السؤال، ومن لم يملك النفوذ فقد حقه في الاعتراض. حيث كان الفقر يُقدَّم لنا أحياناً بوصفه فضيلة، والصبر عليه حكمة، والقبول به رضا، حتى يكاد الإنسان يخجل من رغبته في حياة أفضل.
ولم أكن أعي وأنا طفل، أن أول درس في الفقر لن يكون في كتاب بل في ثوب. إذ كنت طالباً في المدرسة، وأقف في ذلك الصف الصغير الذي لا يقف فيه إلا الذين تعلّموا مبكراً معنى أن تكون محتاجاً. حيث كانوا يسلّموننا الملابس كما تُسلَّم الأشياء التي فقدت قيمتها عند أصحابها، لكنها تكتسب عندنا قيمة لا نملك معها رفاهية الرفض.
أتذكر الثوب القديم. لم يكن قديماً في عمره فقط، بل كان يحمل أعماراً أخرى سبقَتني إليه. كان قد مرّ على جسد طفل لا أعرفه، وربما عرف عرقه، ومرضه، وركضه، وسقوطه في الوحل، ثم انتقل إليّ كما تنتقل الأشياء التي لا يُسأل أصحابها عن رغبتهم فيها.
كنت أمسكه بيدي وأتأمله. أتحسس القماش الباهت الخشن، وأرى آثار الغسيل المتكرر، والخياطة التي جاءت بلون مختلف، والأطراف التي بدأت تتآكل، وأزراراً لم تكن متشابهة. كنت أشعر أن الثوب يعرف أنه ليس لي، وأنا كنت أعرف ذلك أيضاً، ومع ذلك كنت أرتديه. كنت أرتديه لأن جسدي كان يحتاج إلى ما يستره، ولأن الفقر لا يمنح الطفل حق الاختيار بين ما يليق به وما لا يليق. لكنني لم أكن أعرف يومها أن الثوب كان يستر جسدي ويكشفني في الوقت نفسه، وأن كان يقول عني قبل أن أتكلم: هذا هو الفقير.
كنت أمشي به في ساحة المدرسة وأحاول أن أجعله يبدو طبيعياً؛ أتصرف وكأنني اخترته، وكأن ألوانه الباهتة ذوقٌ مني، وكأن الخياطة الظاهرة عند كتفي مجرد تفصيل لا يستحق الالتفات. كنت أشدّه أحياناً إلى الأسفل كي أخفي قصره، وأضم أطرافه إلى جسدي كي لا يبدو واسعاً عليّ، وأحاول أن أجعلني أكبر من الثوب، بينما كان الثوب في الحقيقة أكبر من طفولتي كلها.
لم يكن يؤلمني أن أرتدي ثوباً مستعملاً، لكن ما يؤلمني أن أشعر أنني مستعمل معه. كأنني مثل شيء انتقل من يد إلى يد، ولم يسألني أحد إن كنت أريد أن أكون في هذه الجهة من الحياة.
كنت حين أعود إلى البيت أخلعه وأضعه جانباً، لكنني لم أكن أستطيع خلعه من داخلي. يبقى شيء منه عالقاً في جلدي. تبقى رائحة ذلك القماش في الذاكرة، ويبقى ملمسه الخشن في أصابعي، وتبقى نظرة زميل يحدق في الثوب ثم يرفع عينيه إلى وجهي، كأنني أنا والثوب شيء واحد.
كبرت. تغيرت الملابس، تغيرت الوجوه، وتبدلت الأيام. لكن ذلك الثوب لم يتغير، ظل معلقاً في مكان ما من داخلي، لا على مسمار معلق فيه، بل على ذاكرة طفل لم يفهم لماذا كان عليه أن يخجل من شيء لم يكن ذنبه.
حين وعيت...
حين وعيت، فهمت أن الثوب لم يكن مجرد مساعدة مدرسية. بل كان أول درس عملي في طبقات المجتمع، كان أول مرة أعرف فيها دون أن أعرف الكلمات، أن هناك من يملك ثوباً جديداً لأنه يستطيع، وهناك من ينتظر ثوباً قديماً لأن لا خيار له.
وحين وعيت أكثر، أدركت أن الثوب كان يستر جسدي، لكنه كان يعرّي نظاماً كاملاً.
فالقماش لم يكن هو الفقير.
والطفل لم يكن هو الفقير.
إنما الفقر هو أن يولد الإنسان وفي يده أقل مما يحتاج، ثم يُطلب منه أن يشكر الآخرين لأنهم أعطوه بعض ما يحتاج.
وحين وعيت، لم أجد الفقر كما كانوا يصفونه لي. وجدته مالاً، مالاً أولاً، ومالاً أخيراً، ثم كل ما يترتب عليه من أبواب تُفتح وأخرى تُغلق. وعرفت أن الإنسان قد يكون غنياً بالمعرفة، كريماً في روحه، عزيزاً في أخلاقه، لكن ذلك كله لا يمنحه بالضرورة خبزاً على مائدته، ولا يشتري لأطفاله ما يحتاجون إليه، ولا يمنع عنه نظرة الاحتقار حين يقف في المكان الخطأ أمام الشخص الخطأ.
وحين وعيت أكثر، اكتشفت أن الفقر ليس جوع المعدة وحدها؛ إنه أحياناً جوع الفرصة، وجوع الاختيار، وجوع القدرة على أن تقول: لا، دون أن تخشى أن تفقد ما تبقى لك.
اجتاحني هذا الفهم سنوات طويلة، وما زال شبحه يمشي خلفي. وكلما ظننت أنني تجاوزته، وجدته جالساً في زاوية من الذاكرة يرتدي ذلك الثوب القديم.
نعم، ما زلت أراه.
ليس كما كان. لم يعد ثوباً صغيراً باهت اللون، صار سؤالاً، صار وجهاً، صار يداً تمتد ولا تعرف إن كانت ستعود بما يكفي، صار طفلاً يقف في طابور طويل، يخفض رأسه كي لا تراه العيون، ثم يعود إلى بيته وفي حقيبته كتاب وعلى جسده ثوب لا يشبهه.
ومنذ ذلك الحين، كلما رأيت ثوباً قديماً على جسد طفل، لا أرى القماش وحده، بل أرى طفلاً يحاول أن يخفي نفسه داخله. أراه يشد الأكمام، ويخفض رأسه، ويحسب المسافة بينه وبين الآخرين، ويتعلم دون أن يدري، أن هناك أشياء في هذا العالم لا توزَّع بعدالة.
ثم أسأل نفسي:
هل يكفي الصدق لكي آكل الخبز؟ هل تكفي التضحية لكي يرتفع الإنسان درجة واحدة في سلّم الحياة؟ وهل كل من ضحّى أصبح أكثر إنسانية، أم أن التضحية نفسها قد تتحول إلى سلعة تُدفع من جيوب الذين لا يملكون إلا أرواحهم؟
كنت أراقب العالم من بعيد، فأرى بعض الذين لبسوا قناع الورع والزهد والحرمان، يتحدثون عن الدنيا كأنها عابر سبيل لا يستحق الالتفات، ثم أرى المال يختبئ في الظلال، ويكبر بعيداً عن أعين الذين صدّقوا الحكاية.
عندها لم أعد أعرف:
هل كان الحرمان طريقاً إلى الآخرة؟ أم كان طريقاً آخر يُطلب من الفقراء وحدهم أن يسلكوه؟ لكن الأشد قسوة لم يكن أن يرث الإنسان الفقر، الأشد قسوة أن يرثه أبناؤه دون أن يعرفوا لماذا. أن يولد الطفل وفي فمه سؤال لم يسأله، وفي يده دفتر قديم، وفي عينيه ذلك الشعور الذي لا يعرف اسمه بعد.
أن يتحول الفقر من حالة إلى نَسَب، ومن حادثة إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى مستقبل. وهنا فهمت أن أخطر ما في الفقر ليس أن يسكن البيت، بل أن يتعلم الطريق إلى الأبناء.
كنت أخشى، بعد كل تلك السنوات، ألا يكون الثوب قد انتهى. ربما تغير القماش فقط، ربما ينتظر ثوب آخر طفلاً آخر. وربما ما ورثته أنا لم يكن قطعة ملابس، بل مكاناً محدداً في صف طويل، يقف فيه الآباء قبل الأبناء، والأبناء قبل أحفادهم، دون أن يعرف أحد متى يأتي دوره في المغادرة.
فإذا لم يتغير الميزان، بقيت الأجيال تدور حول النقطة نفسها؛ يخرج جيل من الباب، ويدخل آخر من الباب ذاته، يحمل العبء نفسه، ويعيد الأسئلة نفسها، ثم يُطلب منه أن يبتسم لأن التضحية فضيلة.
وربما لهذا لم يعد يؤلمني أن أكون فقيراً بقدر ما يؤلمني أن يرى أبنائي صورتي القديمة في المرآة، أن يرثوا مني ما لم أختره، أن يصبحوا نسخة أخرى من الحكاية، أن يصل إليهم ذلك الثوب الذي ظننته انتهى يوم خلعته، فإذا به يعبر السنوات، ويتسع قليلاً، لا لأن أجسادنا كبرت، بل لأن الفقر يعرف كيف يخيط نفسه على مقاسات الأجيال.
فما جدوى أن يتغير وجه الفقير إذا بقي الميزان على حاله؟ وما جدوى أن نعلّم أبناءنا الصبر، إذا كنا لا نعلّمهم كيف يسألون عن حقهم؟
ربما لم يكن الفقر يوماً قدراً مكتوباً على الجبين. ربما كان مجرد ميزان اختل طويلاً، حتى تعوّد الناس على اختلاله، ثم أقنعوا أنفسهم أن العدالة هي أن يبقى كل شيء في مكانه.
ولم أعد بعد كل هذا، أخاف من الفقر كما كنت أخافه. أخاف فقط من أن يصبح مألوفاً، ومن أن يكبر الطفل داخل أحدهم، فينظر إلى ثوبه القديم، ولا يسأل من أين جاء، ولا لماذا كان عليه أن يرتديه.
أخاف أن نخلع الثوب عن أجسادنا ثم نكتشف بعد فوات الأوان، أننا لم نخلعه عن أرواحنا. وعندها فقط يكون الفقر قد انتصر حقاً،
ليس حين يمنع الخبز، بل حين يمنع السؤال عن الخبز.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشجيع أنثى
- الضمير الحي
- الطفل المجهول
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- حين يتوهّم الإنسان أنه مركز الكون
- التحديق في ضوء الشمس
- بغداد المؤجَّلة.. من يمتلك حلَّ العقدة؟ تأملات في جدلية الهو ...
- الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية
- حَزّةُ أنثى
- مكنسة النسيان
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب ...
- حين يغنّي الطفل في أعماقي
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب


المزيد.....




- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...
- من ريف تهامة إلى جائزة الإيسيسكو.. شاعر يمني يعتلي -مدن القص ...
- شكران مرتجى توضح حقيقة انتقالها إلى لبنان
- 10 دور نشر فرنسية تؤسس -جمعية الناشرين ضد نهب الذكاء الاصطنا ...
- أسرة سورية في فيلم بريطاني يوثق عشر سنوات من الحياة والمنفى ...
- كيانو ريفز يعود إلى -جون ويك- في فيلم رسوم متحركة عن -المهمة ...
- هيفاء وهبي تطلق تجربة تفاعلية عبر تيك توك
- في ذكرى رحيل تشايكوفسكي.. من بدايات متواضعة إلى قمة الموسيقى ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - لم أكن أعي