أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الضمير الحي














المزيد.....

الضمير الحي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 01:10
المحور: الادب والفن
    


هبط في ذلك المنحدر العميق كأن الريح الشمالية قد دفعته دفعاً إلى حافةٍ لا تُرى نهايتها. غير أن السقوط لم يكن قاسياً كما توقع، فالرمل كان كثيفاً، جافاً، يبتلع الارتطام كأنه يخفف عن الأرض ألم السقوط. نهض ببطء، نفض عنه غبار الطريق، وضرب كفاً بكف، كأنه يريد التأكد أن ما علق به ليس أكثر من أثر عابر يمكن محوه.
تابع السير نحو الجهة الأخرى، حيث يقل الانحدار وتبدأ الأرض باستعادة توازنها. صعد بصعوبة، حتى انكشفت أمامه فسحة واسعة، تتناثر عليها البيوت كذاكرة قديمة لم تُغلق أبوابها تماماً. بعض الطرق معبدة، وبعضها ما يزال يجر خطواته الأولى. كان يعرف تلك البيوت جيداً؛ كأنها امتداد لوجهه هو، بيتٌ هنا وبيتٌ هناك، وكل نافذة تحمل اسماً مر به يوماً.
كان النهار يوشك على الانطفاء. اختار بيتاً اعتاد أن يجتمع فيه القوم، وتقدم بخطى مترددة. طرق الباب، ثم دخل غرفة المجلس، ووقف لحظة يصغي إلى صمتٍ لا يقال. سلم، لكن التحية بدت كأنها ارتطمت بجدار غير مرئي. الوجوه أمامه لم تكن غريبة، لكنها في تلك اللحظة بدت كأنها تُعاد صياغتها من دون رحمة.
قرأهم واحداً واحداً… أو ربما شعر أنهم يقرؤونه هو. نظرات باردة، مشدودة، متواطئة مع صمتٍ طويل. همهمات خافتة تسللت كإبر دقيقة إلى داخله، فأيقظت فيه ذعراً قديماً، ذعراً لم يكن يعرف أنه ما يزال حياً. تراجعت أنفاسه، وبدأ صدره يضيق كأن المكان كله انكمش عليه فجأة.
تسللت إليه فكرة، أو ربما كانت حكماً جاهزاً من ذاكرة متعبة:
"الأفكار السائدة لا تموت، بل تتخفى في العيون".
كانوا لا يلتفتون إليه، أو هكذا بدا له. التجاهل لم يكن صمتاً فقط، بل شكلاً من أشكال الإقصاء البارد. تحامل على نفسه، ثم تكلم، وكأن صوته خرج من مكانٍ أبعد منه:
- أنا أدعوكم إلى حفلة زفاف ابني الوحيد… فهل تلبون الدعوة؟
توقف الزمن لحظة عند منتصف المجلس. الكلمات بقيت معلقة في الهواء، تبحث عن مكان تستقر فيه. أراد أن يتراجع، لكن رجوع الكلمات كان مستحيلاً، كما لو أن النطق بها أغلق خلفه كل الأبواب. أخذ يتأمل الوجوه مرة أخرى، يبحث عن إجابة، عن إيماءة، عن شيء يشبه القبول ولو في حده الأدنى.
لكن الكبير بينهم خفض رأسه، وتبعه الآخرون، كأنهم اتفقوا على صمتٍ واحد. ثم جاء الرد، خفيفاً كأنه لا يريد أن يترك أثراً:
- لا نريد أن نُتعبك… مبارك مسبقاً.
في تلك اللحظة لم يسمع الكلمات بقدر ما شعر بثقلها. الحقيقة لم تُقل، لكنها تسللت بين الفراغات، واستقرت في داخله كجرحٍ قديم أعيد فتحه دون رحمة. اندفعت الأفكار دفعة واحدة، كأنها كانت تنتظر هذا الانكسار الصغير لتظهر كاملة.
ثم حدث ما لم يكن محسوباً؛ شيء يشبه الانفجار الداخلي، لا صوت له لكنه يهز الكيان. ارتفع في داخله صوت أعمق من الخوف، أصدق من المجاملة، وأقسى من التراجع. صوت لم يعد يحتمل التأجيل:
"أنا أيضاً إنسان… لا أُقاس بما تريدون، ولا أُختصر بما تملكون. لي فرحي الذي يشبهني، ولي بيتي الذي لا يشترط أن يكون كبيراً كي يكون حقيقياً. أعرف أن للثراء ظلاً يفرض حضوره، لكني أعرف أيضاً أن للروح حقاً لا يُشترى."
توقف قليلاً، كأنه يكتشف نفسه وهو يتكلم، ثم تابع من أعماق أكثر انكساراً وصدقاً:
"قد تسكنني لحظاتُ حقدٍ عابرة، وقد يمر بي ظل حسدٍ خفيف، لكني أهرب منهما كما يهرب الجرح من التلوث، وأعود… أعود إلى إنسانيتي، إلى ضميري حين يكون حياً لا تابعاً، إلى ما تبقى مني حين أسقط كل الأقنعة."
ساد صمتٌ أطول هذه المرة، صمت لا يشبه الأول؛ كان صمتاً يراقب ما قيل، لا ما يُقال .ثم… لم يجد نفسه في المجلس بعد ذلك.
استيقظ.
كان الضوء خفيفاً، كأنه لم يقرر بعد إن كان سيصبح نهاراً كاملاً. جلس قليلاً، يتلمس أثر الحلم في صدره، كمن يتحسس ندبة لم يعد يعرف إن كانت حدثت فعلاً أم لا. ابتسم ابتسامة متعبة، وقال في داخله، دون يقين كامل، ودون تراجع كامل:
- ربما كان حلماً… لكن الإنسانية، حتى في الأحلام، لا تُخلق عبثاً. إنها اختبار لما يمكن أن نكونه حين نصحو.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطفل المجهول
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- حين يتوهّم الإنسان أنه مركز الكون
- التحديق في ضوء الشمس
- بغداد المؤجَّلة.. من يمتلك حلَّ العقدة؟ تأملات في جدلية الهو ...
- الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية
- حَزّةُ أنثى
- مكنسة النسيان
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب ...
- حين يغنّي الطفل في أعماقي
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين


المزيد.....




- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - الضمير الحي