أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم لرواية آشور.. شواهد وقبور (الجزء الأول)















المزيد.....

ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم لرواية آشور.. شواهد وقبور (الجزء الأول)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:30
المحور: الادب والفن
    


لم أكن حين كتبت رواية "آشور.. شواهد وقبور"، أتصور أن الحكاية التي بدأت تتشكل في داخلي ستغادر حدودها الأولى لتدخل عالماً آخر، تتعدد فيه الرؤى وتتجدد الأسئلة، وأن الشخصيات التي منحتها شيئاً من قلقي، والأمكنة التي استعدتها من طبقات الذاكرة، ستجد طريقها إلى وعي قارئة تتأمل ما وراء ظاهرها، وتبحث في المسافة الفاصلة بين ما تقوله الحكاية وما تخفيه. فالكتابة، مهما بدا صاحبها قريباً من نصه، لا تمنحه سلطة مطلقة على معانيه؛ إذ ما إن يغادر النص يد كاتبه حتى تبدأ رحلة أخرى، لا يعود فيها المؤلف وحده معنياً بما كتب، بل يصبح القارئ شريكاً في استكشاف دلالاته، وإعادة طرح الأسئلة التي ربما لم تكن واضحة حتى في لحظة الكتابة ذاتها.
ومن هنا وجدتني، وأنا أقف أمام كتاب "ما وراء الشواهد والقبور" للكاتبة سوسن يحيى قاسم، أعود إلى روايتي "آشور.. شواهد وقبور" من عتبة مختلفة؛ لا لأستعيد ما أردت قوله فيها، ولا لأشرح ما قد يلتبس من أحداثها ورموزها، بل لأتأمل ما أضافته القراءة النقدية إلى أفقها، وكيف استطاعت أن تنقل بعض عناصرها من حدود الحكاية إلى أسئلة أوسع تتصل بالإنسان والذاكرة والانتماء والمصير. ولعل هذه هي إحدى المفارقات الجميلة في علاقة الكاتب بنصه؛ أن يكتشف عبر قراءة الآخرين، أن ما كتبه لم يعد محصوراً فيما وعاه ساعة الكتابة، وأن النص قد يحمل من الاحتمالات ما لا تكشفه لصاحبه إلا مسافة الزمن واختلاف الرؤى.
إن الكتابة النقدية في أعمق تجلياتها، ليست إعادة رواية لما حدث، ولا استعراضاً لما تتضمنه الصفحات من شخصيات ومواقف، وإنما هي محاولة للنفاذ إلى ما يتوارى خلف الحكاية من أسئلة ودلالات. فالرواية لا تنتهي عند آخر سطر فيها، بل ربما تبدأ هناك حياة أخرى، حين تتلقاها قراءة تمتلك القدرة على مساءلة بنيتها، والإنصات إلى صمتها، واستكشاف ما تركته من فراغات تتسع للتأويل. وحين قرأت عنوان كتاب سوسن يحيى قاسم، "ما وراء الشواهد والقبور"، استوقفني ذلك الامتداد الدلالي الذي ينقل النظر من العلامة الظاهرة إلى ما تخفيه، ومن الأثر المحسوس إلى المعنى الذي لا يمكن الإمساك به بسهولة. فثمة ما يبقى بعد انقضاء الحكاية، كما يبقى وراء الشاهد ما لا يستطيع الحجر أن يقوله، ووراء القبر ما لا تقدر الغيبة على محوه.
لم تكن الشواهد والقبور في أفق الرواية مجرد مفردتين تستمدان معناهما من الموت، ولا مجرد علامتين تحيلان إلى نهاية الجسد وانطفاء الحضور، بل كانتا مدخلاً إلى سؤال أشمل: ما الذي يبقى من الإنسان بعد أن يغادر صورته المرئية؟ وهل تكفي الأسماء المحفورة على الشواهد لتمنح أصحابها حياة أخرى، أم أن البقاء الحقيقي يتصل بما تركوه في ذاكرة الأحياء، وبما يثيره غيابهم من أسئلة لم تجد إجاباتها؟ إن الموت حين يدخل الأدب، لا يظل واقعة بيولوجية تنتهي عندها الحياة، بل يتحول إلى مرآة يرى الإنسان فيها هشاشته، ويعيد النظر في قيمة وجوده، وفي المسافة بين ما يعيشه وما يتمنى أن يتركه وراءه.
ولعل ما يمنح عنوان الكتاب دلالته التأملية أنه لا يقف عند حدود الشواهد والقبور، بل يدعونا إلى تجاوزها. فالشاهد يحفظ الاسم، لكنه لا يستطيع أن يستعيد صاحبه، والقبر يضم الجسد، لكنه لا يحتوي بالضرورة كل ما كان يمثله ذلك الإنسان من أحلام ومواقف وذكريات. وبين العلامة وما تشير إليه تنشأ فجوة لا يملؤها الحجر، وإنما يملؤها الوعي حين يحاول استعادة المعنى. وهنا يلتقي النقد بالذاكرة في مسعى مشترك؛ فكلاهما يعيد النظر في الغائب، لا ليعيده كما كان، بل ليكتشف أثره في الحاضر، وما بقي منه قادراً على تحريك الأسئلة وإيقاظ الوعي.
ومن بين الشخصيات التي تتيح الاقتراب من هذه الأسئلة تبرز شخصية خلف حسين، لا باعتبارها مجرد شخصية تتحرك داخل نسيج الرواية، بل بوصفها ذاتاً تتجاذبها رغباتها ومخاوفها، ويثقلها ما تراكم في داخلها من تجارب وتناقضات. فالإنسان لا يتشكل بما يختاره وحده، وإنما بما تفرضه عليه الظروف أيضاً، ولا تكون صورته عن ذاته مطابقة دائماً للصورة التي يصنعها الواقع له. وبين هاتين الصورتين تتكون مساحة من القلق، يجد فيها الإنسان نفسه موزعاً بين ما يريد أن يكونه وما اضطر إلى أن يصير إليه، وبين حريته المنشودة والقيود التي تتسلل إلى حياته حتى تكاد تبدو جزءاً من طبيعته.
وحين أعود إلى خلف من خلال القراءة النقدية، لا أجدني معنيّاً بتقديم إجابة نهائية عن شخصيته بقدر ما أجدني أمام فرصة لتأمل ما يمكن أن تثيره من أسئلة تتجاوز حدودها الفردية. فالشخصية الروائية حين تنجح في ملامسة جوهر التجربة الإنسانية، لا تبقى ملكاً للحكاية وحدها، بل تصبح احتمالاً من احتمالات الإنسان في مواجهته العالم ونفسه. وربما لهذا لا يكون السؤال الأهم ما الذي فعله خلف، بل ما الذي دفعه إلى فعله، وما الذي بقي داخله عاجزاً عن التعبير، وما المسافة التي تفصل بين الإنسان الذي يراه الآخرون والإنسان الذي يحاول أن يتعرف إلى نفسه في لحظات انكشافه؟
وفي هذا السياق، يتداخل الانتماء بالذاكرة، ويتحول المكان من جغرافيا تستقر عليها الخطوات إلى جزء من التكوين الداخلي للإنسان. فالمرء لا ينتمي إلى أرض لأنه وُلد عليها فحسب، وإنما لأن شيئاً منها يستقر في لغته ووجدانه، وفي طريقته في تذكر الأشياء ورؤية العالم. وقد يغادر الإنسان المكان بجسده، لكنه يكتشف أن المكان لم يغادره، وأن دروبه القديمة وأصواته وتفاصيله الصغيرة ما تزال تعيد تشكيل علاقته بالحاضر. غير أن هذا الانتماء، على ما يمنحه من جذور، قد يصبح مصدراً للألم حين تتراكم فيه الخيبات، أو حين يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى حمل ذاكرة لا يستطيع التخلي عنها، ولا يملك في الوقت نفسه أن يتصالح مع كل ما تختزنه.
وهنا تبدو المفارقة أكثر تعقيداً؛ فالذاكرة التي تحفظ للإنسان هويته قد تتحول إلى عبء إذا استبدلت الحاضر بالماضي، والانتماء بالأسر، والوفاء بالعجز عن التغيير. ولعل قول الفيلسوفة الفرنسية "سيمون فايل" إن التجذّر من أهم حاجات الروح الإنسانية، وأقلها اعترافاً بها، يضيء جانباً من هذه العلاقة؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يعيش مكتفياً بسطح الأشياء، منقطعاً عن جذوره، لكنه لا يستطيع أيضاً أن يجعل من تلك الجذور جداراً يحول بينه وبين المستقبل. فالتجذر ليس استسلاماً لما ورثناه، وإنما وعي بما أسهم في تكويننا، وقدرة على حمله من دون أن نفقد حقنا في مساءلته.
وليس المكان في الرواية تفصيلاً محايداً يحيط بالشخصيات، بل هو ذاكرة تتكلم بطرائق مختلفة، مرة عبر القلعة، ومرة عبر النهر، وأخرى عبر المعبد أو المكتبة، وما تختزنه هذه العلامات من طبقات تاريخية وإنسانية. فالأمكنة لا تكتسب قيمتها من حضورها المادي وحده، وإنما من التجارب التي تتراكم فيها، ومن المعاني التي يودعها الإنسان فيها من غير أن يدرك، أحياناً، أنه يترك جزءاً من ذاته في كل زاوية يعرفها. وقد يكون تفصيل صغير، أو صورة عابرة، كافياً لاستعادة زمن كامل، فتنهض الذاكرة من سكونها، ويغدو المكان أكثر من حدود مرئية؛ يصبح سيرة تتداخل فيها حياة الفرد بتاريخ الجماعة، وتلتقي فيها التجربة الشخصية بما يتجاوزها.
أما آشور، بما تحمله من ثقل تاريخي وحضاري، فلا تستمد حضورها من ماضيها وحده، بل من الأسئلة التي تضعها أمام الحاضر. لم يكن استدعاء هذا الإرث غاية منفصلة عن الإنسان المعاصر، ولا محاولة للاكتفاء بالتأمل في عظمة ما انقضى، وإنما كان، في جوهره، مدخلاً إلى مساءلة ما يفعله الزمن بالذاكرة، وما يفعله الإنسان بما ورثه من حضارة وتجارب. فالحجر الذي ينجو من الاندثار لا يستطيع وحده أن يضمن بقاء المعنى، والأثر الذي يصمد أمام الزمن لا يروي حكايته كاملة ما لم يجد من يعيد قراءته. وبين بقاء المادة وتحوّل الدلالة تتكشف حقيقة أن التراث ليس ما تركه السابقون وراءهم فحسب، بل ما نستطيع نحن أن نفهمه منه، وما نمنحه إياه من قدرة على إضاءة أسئلتنا الراهنة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- حين يتوهّم الإنسان أنه مركز الكون
- التحديق في ضوء الشمس
- بغداد المؤجَّلة.. من يمتلك حلَّ العقدة؟ تأملات في جدلية الهو ...
- الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية
- حَزّةُ أنثى
- مكنسة النسيان
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب ...
- حين يغنّي الطفل في أعماقي
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...


المزيد.....




- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...
- مهرجان تورينو السينمائي يكرم جون ترافولتا بجائزة الإنجاز الف ...
- الكاتب فيليب جاينادا يحصد جائزة غونكور الأدبية لعام 2026 برو ...
- شاهد.. الأديب حامد ياسين يكشف للجزيرة سر دموعه التي أيقظت ال ...
- ذاكرة السينما تعود إلى الشاشة.. 27 فيلما مرمما في مهرجان الق ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم لرواية آشور.. شواهد وقبور (الجزء الأول)