أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم لرواية آشور.. شواهد وقبور (الجزء الثاني)















المزيد.....

ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم لرواية آشور.. شواهد وقبور (الجزء الثاني)


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:29
المحور: الادب والفن
    


ومن هنا، فإن استحضار آشور لا ينبغي أن يتحول إلى إقامة دائمة في الماضي، بل إلى حوار معه، نقترب من خلاله من جذورنا من دون أن نغلق أبوابنا أمام التحولات. فالحضارات لا تستمر في الوعي بمجرد الاحتفاء بآثارها، وإنما حين تصبح تلك الآثار مناسبة لإعادة التفكير في الإنسان، وفي قدرته على البناء والهدم، وعلى حفظ الذاكرة أو التفريط بها. وما قيمة أن نحفظ حجارة الماضي إذا عجزنا عن صيانة المعنى الإنساني الذي يجعل للحياة قيمة؟ وما جدوى أن نحصي أسماء الراحلين إذا لم نتعلم كيف نحفظ كرامة الأحياء؟
ولعل ما يستحق التأمل في قراءة سوسن يحيى قاسم أنها تتيح النظر إلى الرواية من زاوية تتجاوز متابعة الأحداث إلى استكشاف العلاقات التي تنشأ بين اللغة والرمز والشخصية والمكان. فاللغة الأدبية لا تقول كل شيء مباشرة، وبعض ما تريد إيصاله لا يتشكل إلا في المسافة بين العبارة وما توحي به، وبين الحضور وما يتركه الغياب من أثر. وقد يكون الصمت في موضع ما أبلغ من الكلام، وقد يكشف الغياب عن حقيقة عجز الحضور عن الإفصاح عنها، فيما يفتح الرمز باباً إلى دلالات لا تستنفدها القراءة الأولى.
وإذا كان الكاتب يضع في نصه شيئاً من رؤيته للعالم، فإن ذلك لا يعني أنه يمتلك وحده جميع مفاتيحه، أو أن كل دلالة فيه ينبغي أن تعود إلى قصده الأول. فالنص، بعد اكتماله، يصبح قابلاً لأن يُرى من نوافذ متعددة، وقد تكشف القراءة عن معنى لم يكن في صلب الوعي أثناء الكتابة، أو تمنح تفصيلاً عابراً أهمية جديدة في ضوء السياق العام. وهذا لا ينتقص من تجربة المؤلف، بل يؤكد حيوية النص وقدرته على تجاوز لحظة إنتاجه. فليست غاية القراءة الجادة أن تطابق ما أراده الكاتب حرفياً، وإنما أن تقيم حواراً مسؤولاً مع ما كتبه، مستندة إلى بنيته وإشاراته، ومنفتحة في الوقت نفسه على ما تسمح به من احتمالات.
ومن هذا المنطلق، لا أتعامل مع كتاب "ما وراء الشواهد والقبور" بوصفه حكماً نهائياً على روايتي، ولا أراه مرآة ينبغي أن تتطابق صورتي فيها مع الصورة التي أحملها عن نصي، بل أجد فيه تجربة قراءة تستحق أن تُقابل بالتأمل، لأنها تعيد الرواية إلى فضاء الحوار، وتمنحها فرصة جديدة للقاء القارئ. فالنقد لا يكتسب قيمته من موافقة المؤلف أو مخالفته، وإنما من قدرته على إضاءة جوانب النص، وطرح أسئلة تفتح أمامه مسالك جديدة للفهم. وقد تختلف القراءة النقدية عن الرؤية التي انطلقت منها الكتابة، لكن هذا الاختلاف، حين يستند إلى حساسية واعية، لا يكون قطيعة بين الطرفين، بل علامة على أن النص ما يزال قادراً على إنتاج الحياة.
إن العلاقة بين الكاتب والناقد ليست علاقة امتلاك متبادل، ولا ينبغي أن تتحول إلى مساحة لتثبيت الأحكام أو الدفاع عن المقاصد، بل هي علاقة يلتقي فيها النص بوعي آخر، يقترب منه ويبتعد عنه، يساءله ويعيد اكتشافه. ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث للكاتب أن يرى نصه وقد غادر حدود تجربته الخاصة، ليصبح موضوعاً لأسئلة الآخرين وتأملاتهم. ففي تلك اللحظة لا يعود النص مجرد شهادة على ما كان يدور في داخل صاحبه، وإنما يغدو مجالاً مشتركاً تتقاطع فيه تجارب متعددة، وتتكشف من خلاله وجوه مختلفة للإنسان والعالم.
وهكذا أجد أن العنوان الذي اختارته سوسن يحيى قاسم لكتابها يتجاوز الإحالة إلى رواية بعينها، ليفتح باباً على سؤال البقاء نفسه. فماذا يبقى من الإنسان حين يغيب؟ أهو اسمه الذي تحفظه الشواهد، أم صورته التي تستعيدها الذاكرة، أم الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين؟ وربما لا يكون البقاء في واحد من هذه الاحتمالات منفرداً، بل في التفاعل بينها، وفي قدرة الذاكرة على تحويل الغياب إلى معنى، وقدرة الأدب على منح ذلك المعنى حياة تتجدد كلما وجدت قارئاً يصغي إليه.
إن الرواية حين تكتب، لا تستطيع أن تمنح الإنسان خلوداً حقيقياً، لكنها تستطيع أن تقاوم النسيان، وأن تحفظ شيئاً من ارتباكه وأحلامه وخيباته، وأن تترك للأجيال اللاحقة نافذة تطل منها على تجربة بشرية كانت مهددة بالانطفاء. أما القراءة النقدية، فإنها لا تعيد الحياة إلى النص فحسب، بل تساعد على اكتشاف ما بقي فيه من طاقة على السؤال. وبين الفعلين تتشكل مساحة لا تنتمي إلى الكاتب وحده ولا إلى الناقد وحده، وإنما إلى ذلك المعنى الذي يتولد حين تلتقي الكتابة بالتأويل.
وربما لهذا أجدني، بعد هذه المسافة بين كتابة الرواية وقراءة سوسن يحيى قاسم لها، أقل انشغالاً بما إذا كانت القراءة قد استنفدت مقاصدي، وأكثر اهتماماً بما إذا كانت قد فتحت أبواباً جديدة أمام النص. فالرواية التي لا تحتمل إلا معنى واحداً سرعان ما تستنفد نفسها، أما الرواية التي تظل قادرة على إثارة الأسئلة، فإنها تواصل حياتها خارج زمن كتابتها، وتمنح كل قارئ فرصة للعثور على شيء من ذاته بين صفحاتها.
وعندما نعود إلى الشواهد والقبور، لا يعود السؤال متعلقاً بمن حفظ أسماء الراحلين فحسب، بل بمن يحفظ معنى الإنسان وهو ما يزال حياً، ومن يصون كرامته قبل أن يصبح اسماً على حجر، أو حكاية تتناقلها الذاكرة بعد فوات الأوان. فكم من إنسان يمضي في الحياة من دون أن يجد من يصغي إلى صمته، وكم من صوت ينطفئ في صاحبه قبل أن يصل إلى الآخرين، وكم من أثر لا نلتفت إليه إلا حين يصبح استعادته مستحيلاً.
عند هذه العتبة، يلتقي كتاب "ما وراء الشواهد والقبور" برواية "آشور.. شواهد وقبور"، لا بوصف الأول تفسيراً نهائياً للثانية، بل بوصفهما تجربتين تتقاطعان عند سؤال الإنسان في مواجهة الزمن والنسيان. وإذا كانت الرواية قد حاولت أن تفتح نافذة على ما يتركه الوجود من آثار، فإن القراءة النقدية أعادت النظر في تلك الآثار من زاوية أخرى، لتؤكد أن وراء كل شاهد حكاية، ووراء كل غياب حياة لم تنتهِ دلالاتها، ووراء كل نص حواراً لا تملك الكتابة وحدها أن تحدد نهايته.
ولعل ما يبقى، في النهاية، ليس ما نقوله عن النصوص بقدر ما تتركه فينا من أسئلة، ولا ما نحاول تثبيته من معانٍ بقدر ما تظل تلك المعاني قادرة على مقاومة الصمت. فالشواهد قد تحفظ الأسماء، والقبور قد تحتضن الأجساد، والروايات قد تحفظ شيئاً من حكايات البشر، لكن الحياة تظل أكبر من أن تُختزل في أثر، وأوسع من أن تستقر في قراءة واحدة. وبين ما نكتبه وما يقرأه الآخرون، تبقى مساحة خفية لا نملكها تماماً، لكنها تمنح الكتابة سبباً آخر للاستمرار؛ كأن النص، بعد أن يظن صاحبه أنه فرغ منه، ينهض من جديد في ذاكرة قارئ، ليقول ما لم يقله من قبل، ويترك السؤال مفتوحاً أمام الذين ما زالوا يبحثون عن معنى لما يبقى بعد الرحيل.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتوهّم الإنسان أنه مركز الكون
- التحديق في ضوء الشمس
- بغداد المؤجَّلة.. من يمتلك حلَّ العقدة؟ تأملات في جدلية الهو ...
- الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية
- حَزّةُ أنثى
- مكنسة النسيان
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب ...
- حين يغنّي الطفل في أعماقي
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟
- تغريبة أب
- نصفُنا الذي سبقنا إلى الغياب
- دائرة الجبين
- لازلتُ رضيعاً
- نحن أبناء ذواتٍ لم نعرفها: تأملات في الهوية والاستنساخ الإنس ...
- حين شيّعتُ العدل


المزيد.....




- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...
- مهرجان تورينو السينمائي يكرم جون ترافولتا بجائزة الإنجاز الف ...
- الكاتب فيليب جاينادا يحصد جائزة غونكور الأدبية لعام 2026 برو ...
- شاهد.. الأديب حامد ياسين يكشف للجزيرة سر دموعه التي أيقظت ال ...
- ذاكرة السينما تعود إلى الشاشة.. 27 فيلما مرمما في مهرجان الق ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم لرواية آشور.. شواهد وقبور (الجزء الثاني)