داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 09:20
المحور:
الادب والفن
ما أغرب هذه النفس التي كلما ضاقت رؤيتها، اتسعت في داخلها صورة ذاتها، حتى ليخيّل إلى صاحبها أن العالم يدور في فلكه، وأن ما يقع بين يديه من مال أو جاه أو معرفة ليس سوى علامة خفية على أنه مختلف عن سواه، كأن الوجود، بكل ما يضمره من أسرار، قد اختار أن يمنحه مقعداً في صدر المشهد، وترك للآخرين هوامشه البعيدة. يمضي الإنسان في أيامه مثقلاً بما جمع، مفتوناً بما بلغ، ويحسب أن الأشياء التي استقرت في حوزته قد أضافت إلى حجمه شيئاً من حجم الكون، فلا ينتبه إلى أن ما كبر في عينيه ربما لم يتجاوز ظلاً صنعته حاجته إلى أن يكون أكبر مما هو عليه.
ولعل الحكاية تبدأ من تلك المسافة الخفية بين الإنسان والعالم، من المسافة التي لا تُقاس بالأمتار ولا بالسنوات الضوئية، بل بما تفصله أوهامنا عن حقيقتنا. هناك، في الداخل، تتكوّن ممالك لا حدود لها، ويجلس المرء على عرش لم ينصبه له أحد، ويمنح نفسه ألقاباً لا يسمع صداها إلا في أعماقه. ثم يخرج إلى العالم حاملاً مملكته الصغيرة، فيظن أن الآخرين لا بد أن يروا ما يراه في نفسه، وأن الأشياء التي امتلكها ينبغي أن تمنحه منزلة تتجاوز بها قامته البشرية. لكنه، لو رفع رأسه قليلاً عن مرآته، لرأى أن السماء لا تحفظ أسماء المتفاخرين، وأن النجوم تواصل رحلتها الصامتة من غير أن تكترث لمن اعتقد، ذات لحظة، أنه صار شيئاً استثنائياً في هذا الوجود.
تحت أقدامنا أرض تبدو ثابتة، نألف تضاريسها ونسمّي جهاتها، ونرسم عليها حدوداً ونختلف على ما في جوفها، حتى يخيل إلينا أنها مركز الحكاية، وأن ما يحدث فوق ترابها هو كل ما يستحق أن يحدث. غير أن هذه الأرض، التي تتسع لأحلامنا ومقابرنا وحروبنا الصغيرة، ليست إلا كوكباً يدور في صمت حول نجم من نجوم لا تحصيها الأبصار، في مجرة لا تقف عند أطرافها المخيلة، وبين مجرات تتباعد في ظلمات لا نملك لها لغة تفي باتساعها. والشمس التي نستعير منها النهار، ونقيس بها أعمارنا، ليست سوى نجمة بين نجوم كثيرة؛ ضوؤها الذي نراه كل صباح لا يخبرنا عن عظمة تخصّها وحدها، بقدر ما يكشف حاجتنا إلى ما يمنح أيامنا معناها.
وما أبعد المسافة بين ما نراه وما هو كائن. يصلنا ضوء بعض النجوم بعد أن يكون قد أمضى في رحلته سنوات طويلة، وربما ملايين السنين، فنستقبل في لحظتنا الراهنة رسالة خرجت من ماضٍ سحيق، لا نعرف إن كان مصدرها لا يزال قائماً على الصورة التي نراه بها أم أن الزمن قد طوى حكايته، ولم يبقَ لنا منها سوى أثر مضيء يشق عتمة المسافة. وهكذا، حتى السماء التي تبدو لنا حاضرة فوق رؤوسنا، قد تحمل في أعماقها أشياء غابت، فيما لا يزال ضوؤها يواصل الطريق إلينا. فكم من حضور ليس إلا بقية غياب، وكم من حقيقة نلمحها من خلال أثرها، من غير أن نبلغ كنهها.
أمام هذا الامتداد، تبدو مفردة الامتلاك غريبة بعض الشيء. ماذا يعني أن يقول الإنسان: هذا لي؟ أهي الأشياء التي تستقر في يده حقاً، أم هي مهلة قصيرة يُسمح له خلالها أن يألفها، ثم يمضي وتبقى هي، أو يمضي وتذهب معه إلى مصير لا يعرفه؟ الأرض التي يحرثها الفلاح، والبيت الذي يرفع جدرانه، والكتاب الذي يكدّس فيه سنوات معرفته، وحتى الاسم الذي يحاول أن يتركه في ذاكرة الآخرين، كلها تدخل في حكاية مؤقتة، لا يملك الإنسان أن يضمن صورتها الأخيرة. ومع ذلك، يبني من هذه الأشياء سوراً حول ذاته، ثم يقف خلفه مطمئناً، كأن الجدران قادرة على أن تحجب عنه حقيقة العبور.
وليس الغرور دائماً صوتاً مرتفعاً، ولا هيئة متعالية، ولا عبارة يتعمد صاحبها بها الانتقاص من الآخرين. قد يتسلل في هيئة يقين هادئ، حين يظن المرء أن معرفته قد أغنته عن السؤال، وأن تجربته أغلقت الأبواب التي لم يدخلها، وأن ما استقر في ذهنه هو الصورة النهائية للعالم. عندها لا يعود الجهل نقصاً في المعلومات فحسب، بل يصبح عجزاً عن رؤية ما وراءها. فالمعرفة التي لا تترك في النفس متسعاً للدهشة قد تتحول، من حيث لا نشعر، إلى مرآة أخرى للغرور؛ نطلّ منها على أنفسنا، ونحسب أننا نطلّ على الكون.
وكلما اتسعت نافذة المعرفة، بدا ما وراءها أكثر اتساعاً. كأن الحقيقة لا تقترب منا إلا لتكشف عن مسافة جديدة تفصلنا عنها، وكأن كل باب نفتحه في جدار المجهول يقود إلى ممرات لم نكن نعرف بوجودها. وما نظنه نهاية الطريق قد يكون أول منعطف فيه، وما نحسبه جواباً أخيراً قد لا يكون سوى صيغة مؤقتة لسؤال أعمق. ولعل في هذا ما يجعل العقل البشري جديراً بالدهشة؛ لا لأنه أحاط بالأشياء، بل لأنه استطاع أن يدرك، في بعض لحظاته النادرة، أن الأشياء أكبر من إحاطته، وأن المجهول ليس فراغاً ينتظر أن نملأه، بل اتساعاً يعيد تشكيل وعينا كلما توغلنا فيه.
عند هذه العتبة، تتردد الآية الكريمة في الوعي كما لو أنها تعيد الإنسان إلى المسافة التي نسيها بين ما يعرف وما يجهل :(وما أُوتيتُم من الْعلْمِ إِلا قَلِيلا). وليس في هذا القليل ما ينتقص من جلال العقل أو قيمة السعي، بل لعل عظمتهما تتجلى في أن يظل الإنسان قادراً على مواصلة البحث من غير أن يزعم امتلاك النهاية. فالعلم لا يضع تاجاً على رأس صاحبه بقدر ما يضع أمامه أفقاً أبعد، وكلما ظن أنه بلغ تخومه، لمح وراءها ما يدعوه إلى المضي.
وربما لم تكن المشكلة في أن الإنسان صغير أمام هذا الكون، فالصغر هنا ليس عيباً، ولا مقياساً للقيمة، وإنما المشكلة أن يحمل صغره كما لو كان نقصاً ينبغي إخفاؤه، فيستعيض عنه بالتعالي، ويصنع من سلطته حجاباً، ومن ماله جداراً، ومن معرفته مرتفعاً ينظر منه إلى الآخرين. كأنه يخشى أن يكون واحداً من الكائنات العابرة، فيحاول أن ينتزع لنفسه استثناءً لا تمنحه الحياة لأحد. ولا يدري أن في الاعتراف بحدوده شيئاً من السكينة، وأن المرء لا يفقد قدره حين يتواضع، بل قد يتخلص من العبء الذي وضعه على كتفيه وهو يحاول أن يبدو أكبر من حقيقته.
ولعلنا، حين ننظر إلى السماء، لا نبحث دائماً عن نجمة نهتدي بها، ولا عن كوكب نكتشفه، ولا عن إجابة لسؤال أرقنا طويلاً؛ ربما نرفع رؤوسنا لأن شيئاً في أعماقنا يريد أن يتذكر، ولو للحظة، أن الحياة ليست هذه الدائرة الضيقة التي نحرسها حول أسمائنا، وأن ما نعدّه نهاية العالم قد لا يكون سوى تفصيل صغير في حكاية لا نعرف أولها ولا نملك أن نتنبأ بآخرها. هناك، في ذلك الصمت البعيد، تتراجع ضوضاء الذات قليلاً، وتبدو الأشياء التي تشاجرنا من أجلها أقل صلابة، وتلك التي تفاخرنا بها أقل قدرة على منحنا ما كنا ننتظره منها.
لكن الإنسان سرعان ما يعود إلى مرآته؛ يصلح صورته، ويعيد ترتيب ألقابه، ويستأنف حديثه عن نفسه، كأن السماء التي اتسعت أمامه قبل لحظات لم تكن سوى مشهد عابر. ينسى أنه لا يعرف من الكون إلا شذرات، وأن عمره، مهما امتد، لا يكاد يكون ومضة في زمن لا نعرف له حدوداً، وأن ما يتركه خلفه قد يظل حاضراً في ذاكرة أحدهم، ثم يتلاشى حين تنطفئ الذاكرة ذاتها. ومع ذلك، لا يخلو هذا العبور من معنى؛ فلعل قيمة الإنسان لا تُقاس بمقدار ما يشغله من حيز، بل بما يتركه من أثر في الحيز الصغير الذي مُنح له، ولا بما يعلو به على الآخرين، بل بما يستطيع أن يراه فيهم من امتداد لحيرته وحاجته إلى الفهم.
وهكذا، لا تعود السماء بعيدة كما تبدو، ولا يعود الإنسان صغيراً كما توحي المسافات؛ فبينهما سرّ لا تكشفه الأرقام وحدها. قد يكون الكون أوسع من أن تحيط به مخيلتنا، لكن النفس قادرة على أن تضيق حتى لا تتسع لغير صورتها، وقد يكون الإنسان ذرة عابرة في مجرة هائلة، لكنه يستطيع، في لحظة تواضع صادقة، أن يدرك اتساع ما يجهل، وأن يتصالح مع كونه جزءاً من حكاية لا تدور حوله.
ومع ذلك، يبقى السؤال معلقاً في مكان ما بين الأرض والسماء، لا يطلب جواباً بقدر ما يختبر قدرتنا على الإصغاء: حين يرفع الإنسان رأسه إلى هذا الاتساع، أيّهما يحاول أن يرى حقاً؛ الكون الذي يمتد أمامه بلا نهاية، أم صورته التي يخشى أن تتلاشى إذا ابتعد عنها قليلاً؟
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟