أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - عندما يختلف الأبناء














المزيد.....

عندما يختلف الأبناء


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 00:46
المحور: الادب والفن
    


كان الشيخ الكبير يجلس وحيداً عند طرف الباحة الواسعة، مستنداً إلى جدار طيني قديم، وقد أنهكه العمر وتقلبات الأيام. تجاوز الثمانين، ولم يعد يقوى على كثير مما اعتاد فعله، غير أن ذاكرته ظلت يقظة، تختزن تفاصيل عمر طويل، شهد فيه من حكايات الناس وخلافاتهم ما يكفي لأن يدرك أن الخصومات، مهما صغرت بداياتها، قد تكبر حتى لا تترك وراءها سوى الندوب.
كانت الباحة التي يجلس فيها قد شهدت على امتداد سنوات طويلة مجالس للصلح، ومناسبات للأفراح، وأخرى للأحزان. اجتمع فيها الناس على اختلاف طباعهم، وتقاسموا الخبز والملح، واختلفوا أحياناً، لكنهم كانوا يجدون دائماً من يردّهم إلى كلمة سواء.
في ذلك المساء، كان ثمة مجلس منعقد في وسط الباحة، تعالت فيه الأصوات، واختلطت الكلمات، حتى بدا الأمر وكأن جدران البيت نفسها لم تعد تحتمل ما يدور خلفها.
كان الخلاف قد بدأ بحادثة صغيرة، حين اعتدى أحد أطفال الجيران على طفل من أبناء الشيخ، ثم حضر أهل الطفل المخطئ يطلبون الصفح، معتذرين عما حدث، ومستعدين لإصلاح ما أفسدته لحظة طيش عابرة. غير أن الابن البكر للشيخ لم يكن مستعداً لسماع الاعتذار، فقد أصرّ على استيفاء حقه كاملاً، ورفض أي حديث عن التسامح، وكأن التراجع عن موقفه سيُحسب عليه هزيمة لا تُغتفر.
كان الشيخ يسمع كل شيء، ويتابع تفاصيل الحوار بصمت. حاول أن يوصل صوته من مكانه، مرة ثم أخرى، لكن صياح المتخاصمين كان أعلى من صوته، وكأن أحداً لم يعد معنياً بسماع ما يقوله الكبار. أحسّ عندها أن الكلمات لم تعد تجد طريقها إلى آذان صُمّت برغبة الانتصار.
ظل لحظات يحدّق في المجلس، ثم وضع يده على عصاه، وجمع ما تبقى في جسده من قوة. نهض بصعوبة، واتخذ خطوات متثاقلة نحو المجتمعين. وما إن اقترب حتى خفتت الأصوات قليلاً، والتفتت الوجوه إليه بدهشة؛ فلم يعتادوا أن يترك مجلسه في مثل هذه الحال، أو أن يتدخل في خلافات أبنائه مع جيرانهم بعدما أثقل العمر جسده.
وقف أمام ابنه البكر، ونظر إلى الوجوه المتقابلة، ثم قال بصوت متعب، لكنه نافذ:
ـ ما كان الخلاف يوماً إلا باباً لتعكير صفو العلاقات، وما أكثر البيوت التي اتسعت لخلاف صغير، ثم ضاقت بأهلها حين غابت الحكمة.
همّ الابن بالكلام، وقال معترضاً:
ـ ولكن يا أبي، الحق لا يُترك، وما حدث لا يمكن تجاوزه بهذه البساطة...
رفع الشيخ كفّه في إشارة إلى التريث، ثم قال:
ـ لم أقل إن الحق يُترك، لكنني أسألك: ماذا يبقى من الحق إذا خسرنا بسببه كل شيء؟ وهل كل خلاف يحتاج إلى خصومة، وكل إساءة تستوجب قطيعة؟ إن العقل لا يلغي الحقوق، لكنه يعرف كيف يستردها دون أن يهدم ما بقي من جسور.
ثم التفت إلى بقية الحاضرين، وأخذ يتأمل وجوههم واحداً بعد آخر، قبل أن يضيف:
ـ لقد عشت عمراً طويلاً، ورأيت أناساً تشاجروا على أشياء لا تساوي شيئاً، ثم افترقوا حتى صاروا غرباء في المكان الواحد. ورأيت جماعات كانت تتقاسم الرغيف، فإذا بها تتنازع على فتاته، وتنسى أن الرغيف كله كان لهم. وحين غابت بينهم كلمة العقل، صار كل واحد منهم يظن أن خلاصه في إضعاف الآخر، ولم ينتبهوا إلى أن البيت الذي يتصدع سقفه لا يميّز بين من رفع صوته ومن آثر الصمت.
سكت قليلاً، وأسند يده إلى عصاه، ثم غيّر موضع وقوفه، وكأنه يريد أن يرى المجلس من زاوية أخرى.
ـ تذكروا أنكم أبناء جد واحد أو ابعد، وأن ما يجمعكم أكبر من حادثة عابرة أو موقف قابل للإصلاح. لا تجعلوا من الاختلاف حدوداً، ولا من المطالبة بالحق ذريعة لتمزيق ما بناه الآباء. فحين يتفرق الأبناء، لا ينتصر أحد، وإنما يصبح الكل خاسراً.
لم يردّ أحد. كان الابن البكر ينظر إلى الأرض، فيما ظل أهل الطفل ينتظرون كلمة تنهي ذلك الموقف. أما الشيخ، فقد بدا كأنه استنفد ما تبقى لديه من قوة، فعاد متكئاً على عصاه نحو مكانه الأول، وجلس بصمت، تاركاً كلماته تتردد في أرجاء الباحة.
وبعد لحظات، امتدت يد أحد الحاضرين نحو الآخر، وتراجعت حدة الوجوه، وانفرج المجلس عن بعض ما كان قد انغلق فيه.
لكن الشيخ لم يبتسم. ظل ينظر إلى الباحة الواسعة، كأنما كان يرى فيها أكثر من خلاف عائلي، وأكثر من وجوه متخاصمة. فقد أدرك أن ما يحدث في البيوت الصغيرة ليس بعيداً عما يحدث في البيوت الكبيرة، وأن البلدان، مثل العائلات، لا تسقط دائماً بفعل عدو يأتي من خارج أسوارها، بل قد تبدأ شقوقها من الداخل، حين ينسى أبناؤها أنهم شركاء في المصير.
أغمض عينيه قليلاً، وتمتم بصوت خافت، لم يسمعه أحد:
ـ ما أصعب أن يكبر البيت، ثم يعجز أهله عن السكن فيه معاً.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أن تعيش المعنى
- لم أكن أعي
- تشجيع أنثى
- الضمير الحي
- الطفل المجهول
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- حين يتوهّم الإنسان أنه مركز الكون
- التحديق في ضوء الشمس
- بغداد المؤجَّلة.. من يمتلك حلَّ العقدة؟ تأملات في جدلية الهو ...
- الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية
- حَزّةُ أنثى
- مكنسة النسيان
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب ...
- حين يغنّي الطفل في أعماقي
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة


المزيد.....




- موسيقى السيرك في المدرجات.. جماهير فالنسيان الفرنسي تحتج بسخ ...
- موسيقى السيرك.. جماهير نادٍ فرنسي تحتج بأسلوب ساخر على أداء ...
- 25 عاماً على أفلام هاري بوتر في السينما: إنتاج جديد كمسلسل ه ...
- قاعات أمريكية كبرى ترفض استضافة جولة الفنان ماكلمور الداعمة ...
- إليسا تعلن ارتباطها برجل ليس لبنانيا
- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - عندما يختلف الأبناء