أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - أن تعيش المعنى














المزيد.....

أن تعيش المعنى


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 00:46
المحور: الادب والفن
    


الحياة لا تُفاوِض أحداً. فلا تطرق الأبواب لتستأذن في الدخول، ولا تنتظر أن تتهيأ لعواصفها. تمضي في طريقها، تقتلع ما يعترضها، وتترك خلفها أشياء كثيرة لم نكن نعرف أنها قابلة للسقوط. تفعل ذلك بضراوةٍ هادئة، كأنها تعرف أن أقسى ما في العاصفة ليس صوتها، بل ما تفعله بالأشياء في صمت.
وقد يظن الإنسان أن بإمكانه الاحتماء منها، فيشيّد حول نفسه أسواراً من الصمت، ويغلق نوافذه واحدةً تلو الأخرى، ويختار العزلة ظنّاً منه أنها المسافة الأكثر أماناً بينه وبين العالم. لكنه يكتشف بعد وقت، أن بعض الأسوار لا تمنع الألم، بل تمنحه مكاناً أوسع كي يتكاثر.
فالعزلة ليست دائماً ملاذاً. قد تكون غرفةً واسعة لا نوافذ لها، يجلس فيها المرء وحيداً مع ذاكرته، ويعيد المشاهد ذاتها حتى تفقد الأشياء أسماءها، ثم تبدأ الحسرات بالنمو في الزوايا المعتمة، بطيئةً كالعشب الذي يشق طريقه بين شقوق الحجارة. هناك، لا أحد يجرحك، لكنك قد تجرح نفسك بما تتذكر، ولا أحد يغلق عليك الباب، لكنك قد تصبح حارساً لبابٍ لم يعد أحد يرغب في فتحه.
ومع ذلك، فإن الوجود لم يمنحنا هذه الحياة كي نمرّ منها بأقل الخسائر. بما لم نُخلق لننجو فقط، بل لنعرف كيف نحترق دون أن نفقد ما يجعلنا بشراً. أن نفتح صدورنا لذلك التيار الهائل الذي يسمى الحياة، وأن نترك للأشياء فرصة أن تلمسنا، حتى لو كان لمسها موجعاً. أن نحب، لا لأن الحب يضمن لنا البقاء، بل لأنه يجعل للحضور معنى. أن نشعر، لا لأن الشعور يحمي أرواحنا، بل لأنه الدليل الوحيد على أننا لم نتحول إلى حجارة تعبر الزمن دون أن يترك الزمن أثره فيها.
فما قيمة قلبٍ لم يرتجف؟ وما معنى روحٍ لم تُربكها ذات يوم يدٌ، أو كلمة، أو غياب، أو حلم لم يكتمل؟
إن الحياة، في جوهرها، ليست طريقاً مستقيماً نحو الضوء؛ إنها ممر طويل تتجاور فيه النوافذ المضيئة مع الأبواب المغلقة، وتتقاطع فيه لحظات الامتلاء مع ساعات الفراغ. نمشي فيه ونحن نحمل ما يكفي من الضوء لخطوة، وما يكفي من الظل لخطوات أخرى، ولا نعرف أين تنتهي الطريق.
وحين تأتي الخيبات، لا تأتي منفردة. تتبع إحداها الأخرى، كأن للخذلان ذاكرةً تحفظ عناويننا. وقد تمزقنا يدٌ ظنناها يوماً مأوى، أو تتركنا بعض الأيادي في منتصف الطريق، حيث لا نستطيع العودة إلى ما كنا عليه، ولا نملك شجاعة الادعاء بأن شيئاً لم يحدث.
وفي تلك اللحظة تحديداً، لا يكون المطلوب أن نتظاهر بالقوة. اترك للوجع مكانه. اجلس إلى جواره قليلاً، كما يجلس المرء تحت شجرة تفاح ناضجة في آخر النهار، لا ليمسك الثمار وهي تسقط، ولا ليمنعها من ملامسة التراب، بل ليتأمل قانونها الصامت: ما امتلأ ذات يوم، لا بد أن يأتي عليه وقتٌ يترك فيه غصنه.
تسقط الثمرة.
تتدحرج قليلاً.
تتشقق قشرتها.
وتخرج رائحتها إلى التراب، كأن حلاوتها لم تكن ملكاً لها منذ البداية.
وربما نحن كذلك. نحمل أعمارنا كما تحمل الشجرة ثمارها؛ ننضج دون أن نشعر، نمتلئ بالأحلام والوجوه والذكريات، ثم يأتي الزمن، لا ليعتذر، بل ليأخذ ما حان أوانه.
وعندما يقترب الموت، ويصبح حضوره أشبه بخطواتٍ خافتة في ممر بعيد، لا ينبغي للمرء أن يسأل فقط: كم بقي لي؟ ربما السؤال الأعمق هو: ماذا فعلت بما كان لدي؟ هل مررت بالحياة كما يمر الغريب في شارع لا يعرفه، أم تركت شيئاً منك على الأرصفة، في قلب إنسان، في ذاكرة بيت، في كتاب، في كلمة قيلت في وقتها، أو حتى في صمتٍ فهمه أحدهم دون أن تشرحه؟
فالحياة لا تُقاس دائماً بعدد السنوات التي عبرت، بل بكمية الروح التي وضعناها في تلك السنوات. وحين تأتي الساعة التي لا ينفع فيها الندم، ويصبح الماضي خلف زجاجٍ لا يمكن كسره، ربما لن يكون أجمل ما نقوله إننا انتصرنا، أو إننا لم ننكسر، أو إننا خرجنا من الطريق بلا ندوب. ربما يكفي أن ننظر إلى ما وراءنا، بكل ما فيه من خرابٍ وضياء، ونبتسم ابتسامةً صغيرة لا يراها أحد، ثم نترك للريح أن تحمل ما تبقى من الحكاية. فبعض الحياة لا يُروى، إنه يُعاش، ثم يظل صداه وحده يعرف أننا كنا هنا.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لم أكن أعي
- تشجيع أنثى
- الضمير الحي
- الطفل المجهول
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- ما وراء الأثر: جدلية الوجود والذاكرة في قراءة سوسن يحيى قاسم ...
- حين يتوهّم الإنسان أنه مركز الكون
- التحديق في ضوء الشمس
- بغداد المؤجَّلة.. من يمتلك حلَّ العقدة؟ تأملات في جدلية الهو ...
- الكرم الشعبي: ذاكرة المجتمع وقيمه الإنسانية
- حَزّةُ أنثى
- مكنسة النسيان
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- صدى الريف في عددها السادس والستين: وفاءٌ لذاكرة العلامة الدك ...
- من ظاهر القول إلى أسرار الشاعرية: توطئة تأملية في كتاب الضرب ...
- حين يغنّي الطفل في أعماقي
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين تضيق الجذور عن اتساع الإنسان: تأملات في النسب والهوية وو ...
- حين لا يدرك السيارة
- أتخبرني بأن الحياة عادلة؟


المزيد.....




- موسيقى السيرك في المدرجات.. جماهير فالنسيان الفرنسي تحتج بسخ ...
- موسيقى السيرك.. جماهير نادٍ فرنسي تحتج بأسلوب ساخر على أداء ...
- 25 عاماً على أفلام هاري بوتر في السينما: إنتاج جديد كمسلسل ه ...
- قاعات أمريكية كبرى ترفض استضافة جولة الفنان ماكلمور الداعمة ...
- إليسا تعلن ارتباطها برجل ليس لبنانيا
- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - أن تعيش المعنى