أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - فلسفة الجمال عند الجاحظ















المزيد.....


فلسفة الجمال عند الجاحظ


شاكر حمد

الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 16:50
المحور: الادب والفن
    


– شاكر حمد


يُعتبر الجاحظ من أعلام الفكر الفلسفي المادّي في الثقافة العربية والإسلامية منذ عصره وحتى الان. فهذه الثقافة إستقرَّت على مناهج واضحة إبتداءاً من القرن الأول الهجري بعد التوسّع في بلدان الشرق والغرب والشمال. وفي القرن الثاني الهجري تداخلت الفلسفات الآتية من البلدان التي وصلها الإسلام عن طريق الترجمة, فكانت الفلسفة اليونانية حاضرةً في كتابات جيل الجاحظ.
ومن خلال كتابات الجاحظ مُجتمعةً يستنبط القارئ ثلاثة أُصول مرجعية في أدب الجاحظ؛ أي فلسفتهِ وهي:
- الفلسفة اليونانية.
– الفلسفة الشرقيّة.
– لُغة العرب وتشمل البيئة العربية.

موضوع البحث في علم الجمال وفلسفتهِ؛ نتناوله من زاوية تأثير الفلسفة اليونانية على الجاحظ تحديداً.

تنشطر الفلسفة اليونانية إلى إتّجاهين؛ مثالي تُعبِّر عنه فلسفة إفلاطون؛ الذي يرى أنَّ كل شيء جميل إنما هو نسخة إنعكاسية, جُزئية, لمثال أعلى يُمثله الجمال المُطلق.
الشطر الثاني يُمثله أرسطو الذي يعتبر أن الشيء الجميل يتمثَّل في الشيء المادي نفسه من خلال تكامل عناصره الماديّة المحسوسة والمُدركة عقلياً.
وفي الجانبين الإفلاطوني والأرسطي نقاط مُشتركة في تقييم الجمال وهي:
- التناسق؛ أن يكون الشكل جميلاً في نظر المُجتمع, وعبّروا عن ذلك بالتماثيل الرياضيّة للأجسام العضليّة الفتيّة, ولإجسام النساء الشابات.
- التناسب؛ أن تكون أجزاء الشيء مُتناسبة بشكل مقبول, ومنه أجزاء الجسم الأنساني, وينطبق ذلك على الإعتدال والوسطية في مُختلف جوانب الحياة.
-الغاية: أن يكون الشيء الجميل مُفيداً, ولا تعني الفائدة الماديّة فقط, بل تشمل المِتعة الروحية والنفسية والذوقيّة وغيرها. فالتمثال يُقدِّم عدّة فوائد للمشاهد, ومنها دلالة موضوعه, ومنها المعرفة, ومنها مهارة الفنان الذي أنجزه وهذه الغايات يتوصل إليها المُشاهد.

طرح إفلاطون تفاصيل فلسفته بإسلوب المُحاورات بين الفلاسفة, ولهذا الأُسلوب أثر كبير في كتابة الرسائل العربية الفلسفية, وسلكه الجاحظ في رسائله, ولهذا الأُسلوب قيمة جدلية, فالأفكار تُطرح بوجهات نظر مُتقابلة, مُتضادَّة, ولكل حجَّة مُقوّماتها وأسبابها وحقّها في الثبات, ولكن في نفس الوقت تنطوي على نقاط ضعف تكشفها وجهة النظر المُقابلة. إعتمدَ الجاحظ على هذا الجدل في مؤلفاته الأدبية والفلسفية والأخلاقية, فإستخدم الرسائل المُتبادَلة بين الشخصيات الأدبية والعلميَّة, فكان يطرح الفكرة بكل مافيها من حجج قويّة, وفي المقابل يُفنّدها في حجج مُقابلة بنفس القوّة الجدليَّة. في النهاية تستنتج أن الجاحظ موجود في الرسالتين, وإنَّ غرض الرساتين تقديم صورة مُتكاملة الوجوه لرؤيته من الشيء المطروح للجدل. وتأثرَ الجاحظ بالعناصر الثلاثة الآنفة؛ التناسب والتناسق والغاية. فتناول الظاهرة الماديّة من كل الزوايا المُحيطة بها, ومن داخلها ومن خارجها؛ وهو في هذا التشريح والتفصيل يُحاكي عمل النحَّات الإغريقي الكلاسيكي, الذي يدور حول الصخرَة وينحت فيها ليستخرج منها كائناً قريباً من الحياة. ومعلومٌ أن النحت الصخري هو لغة اليونان والرومان في تسجيل فلسفاتهم؛ مثلما الكتابة العربية هي وسيلة العرب في تسجيل فلسفاتهم.


تتوزَّع أفكار الجاحظ حول الجمال في جميع مؤلفاته؛ فكلما تناول ظاهرة من ظواهر الوجود أتى عليها من زاويتين: زاويه الشكل والتكوين المادي للشيء, وزاوية القيَّم الروحية التي تمنح الشكل المادي صفة الحياة.
وينطلق من العناصر المّاديّة المنظورة وما أحاطها من معارف وتقييمات متوارثة في عصره مُعتمداً, في تقييم الظواهر, على تسجيلات الحواس الخمس؛ النظر والسمع والذوق والشم واللمس, وأحكام العقل, فتناول الأجسام من طرفي المُستحسن أي الجميل, والمُستقبح الرديء.
وبهذا المعيار تناول أوصاف النساء والرجال والحيوان, فيدخل ضمن معياره ما هو أبعد من الكتل المنظورة, إلى بناء عناصر خيالية مُتممة للشكل الحي. فالصوت بطبقاته واللفظ وطرائق الكلام, والمُخاطبات بين الأرواح المؤتلفة في التقارب, من عناصر الجمال الأساسية.
والجمال يرتبط بالحياة وبالحب, فقد تناول موضوع الحب ودرجاته في الشعور؛ فهو إعجاب ثم وَلَهْ فعشق.. ويصل العشق حد الجنون, وأعطى الجاحظ أمثلة عن هذا التفاعل الوجداني.
وتطرَّق إلى العلاقات الحميمية بين المُحبين, وعلاقتها بمجموع العناصر الجمالية, كاكلام ونبرة الصوت واللُّطف في التفاهم..

وتناول موضوع النساء في كل مؤلفاته ولكنَّه خصص وصف جمال المرأة في رسالة خاصَّة, سنعود للحديث عنها لاحقاً.
ومن معارفه الواسعة وإطّلاعه عى ثقافة عصره وثقافات الأُمم المُجاورة إستنتجَ العناصر الرمزية التجريدية الأساسية التي تُبنى عليها القيَم الجمالية, وأعادها إلى عنصرين هندسيين هما الشكل المُدوَّر والشكل المُربَّع في رسالته " التربيع والتدوير"*.

في هذه الرسالة يُبيِّن رأيه بأفضلية الشكل المُدوَّر على الشكل المُربّع, ومن خلال التفسير للظاهرة الهندسية في الطبيعة والكون والمخلوقات, يسند آرائه بالنصوص القرآنية, مثالها ما ذكرناه في مقالنا السابق عن الطول والعرض.
تذكرت في هذا الباب نصوصاً شعرية أوربية ذكرها باشلار في كتابه "جماليات المكان" وفيها يتحدث الشعراء عن الخط المُنحي وعلاقته بالحياة, على خلاف الخط المستقيم الذي يرتبط بالأبعاد الماديَّة الساكنة والصلبة, فالكون بمحمله عبارة شبكة هائلة جداً من المُنحنيات والدوائر والمدارات المُتحرِّكة.

( وقلتَ: ووجدنا الأفلاك وما فيها, والأرضَ وما عليها, على التدوير دونَ التطويل, كذلكَ الوَرقُ والحَبُّ, والثَّمرُ والشجر.

وقلتَ: والرمحُ وإن طال, فإنَّ التدوير عليهِ أغلب, لأنَّ التدوير قائمٌ فيه موَّصَّلاً ومُفصَّلاً, والطولُ لا يوجد فيه إلاَّ موَّصلاً. وكذلك الأنسان وجميع الحيوان.
وقلتَ: ولا يوجد التربيع إلاّ في المصنوع دونَ المخلوق, وفيما أُكرِهَ على تركيبهِ دونَ ما خُلِّيَ وسَوْمَ طبيعتهِ, وعلى أنَّ كل مُربع ففي جوفه مُدوَّر, فقد بانَ المدوَّر بفضله, وشاركَ المُطوَّل في حصَّتهِ.) – ص 79-
ولكل هيئة جسمانية صفات تُناسب بعضها, وتجعل صاحبها يعتزُّ بها على سواها, فقصير القامة يرى في القِصْر محاسن لايراها في الطول.. وكعادتهِ لا يخلو خطابه من التهكُّم المُبطَّن.

( وزعَمتَ أن الإنسان إذا طال جسمُه وإمتدَّ شخصُه, أسرَعَ الإنهدام إلى بدنهِ والإنحناء إلى ظهرهِ, وإنَّ القصير لايتقوَّس ظهره ولا يميلُ عنقه ولا يضطرب شخصه ولا تعوَجُّ عظامه, ويسعه كلُّ باب ويقطعهُ كلُّ ثوب ولا تخرج رجلاه من النعش ولا تفضُلا عن الفراش, وهو بعدُ أخفُّ على القلوب وأخلطُ بالنفوسِ وأبعدُ من السماجة وأدخلُ في كلِّ بابٍ ملاحة.) – ص 74-


يرى الجاحظ انَّ الإعتدال في مُجمل عناصر الجمال هو المطلوب.
[ ونعتقد هنا أن شروط الأجسام لمسابقات الجمال و الأزياء تلتزم بمقاييس الأعتدال في الطول والعرض والوزن إضافةً إلى شروط أخرى, وبذلك فهي مقاييس عالمية في كل العصور والأزمنة, أساسها التماثيل اليونانية والإغريقية.]
فالتناسب في الطول والعرض وإمتلاء الجسم بحدود ما يُعرف بالجسم المربوع؛ لا نحول زائد ولا سمنة مُفرطة.

( وبعدُ فأيُّ قدٍّ أردأ, وأيُّ نظامٍ أفسَدُ من عَرْضٍ مُجاوزٍ للقدْر, أو طولٍ مُجاوزٍ للقصد, ومتى يضرِبِ العرض بسهمه على قدرِ حقِّه, ويأخذُ الطولُ من نصيبه على مثلِ وزنه, خرجَ الجسم من التقدير, وجاوزَ التعديل. فإذا خرجَ التقدير تفاسَدَ, وإذا تفاسَدِ وجاوزَ التعديل تباينَ.) – فصول من رسالة التربيع والتدوير- عبد السلام محمد هارون. ص 74-
[ يلتزم الأطباء بهذه المقاييس في تقدير صحة جسم الإنسان.].

ثمَّ يتناول المقاييس التشريحية لجسم الإنسان من حيث الطول والعَرِض والإستقامة, وعلامات الجمال في الوجه, كالحوَر في العين والسواد والبياض وشكل الأهداب, فيرد هذه العلامات إلى إنعكاساتها النفسية على شخص حاملها.(ومنَ العجبِ أَنَّك تزعُم أَنَّكَ طويلٌ في الحقيقة ثمَّ تحتج للعِرَضِ والإستدارة.. فأمّا حوَر العين فقد إنفردتَ بحُسنهِ, وذهبتَ ببهجتهِ ومِلحِهِ, إلاَّ ما أبانك الله تعالى به منَ الشُّكلَة[] فإنها لاتكون مع اللِّئام, ولا تُفارق الكرام.) - ص 80-
[الشُكلة: كهيئة الحمرة في بياض العين - تفسير المُحقق].


للجمال أُصول مكانية, فالبيئة والجغرافيا ونمط الحياة تُنمّي في الكائنات علامات مائزة على سواها في أماكن غيرها.
فيواصل تشريح علامات الوجه ويُرجعها إلى أُصولها وأعراقها, فبعض الملامح تأتي من آسيا وغيرها من الشمال وأُخرى من الجنوب الصحراوي أو من جهة أفريقيا.

(وأمَّا سواد الناظر وحُسن المحاجرِ, وهَدبُ الأشفارِ, ورقَّة حواشي الأجفان فعلى أصلِ عُنصُركَ ومجاري أعراقِكَ.) – ص 80-

ويتناول الجمال من خلال علاقته بالزمن, فالتقدّم في العمر يأتي على الملامح فتضمحّل علامات الشباب والفتوّة, فلم تعد تصلحها التعاويذ ولا الحميَّة الغذائية..
( ومع تخوُّن الأيام وتنقُّص الأزمان, فمن توتيا الهند, ولِترك الجِماع, ومن الحميَّة الشديدة وطول إستقبال الخضرةِ, فأنتَ يا عم حين تُصلح ما أفسده الدهر, وتسترجع ما أخذته الأيام لكما قال الشاعر:

عجوزٌ تُرَجِّي أن تكونَ فتيَّةً... وقد لحِبَ الجنبانِ وإحدودبَ الظهرُ.
تدسُّ إلى العطّار سلعة أهلها ... ولن يُصلِحَ العطّار ما أفسَدَ الدهرُ.) – نفسه ص 80-

يربط الجاحظ هيئة الإنسان بالوجود الكوني الشامل, القائم على التناقض وعلاقات الأضداد, فكل ذرّة من الأرض تحمل مواصفات حركة الكون وتناسباته الفيزيائية..(وفيكَ أمرانِ غريبانِ, وشاهدانِ بديعانِ, جواز الكونِ والفساد عليكَ, وتعاوُرُ النُّقصانِ والزِّيادة إيّاكَ. وجوهركُ فلكيٌّ وتركيبكَ أرضيّ. فمنكَ طول البقاء, ومعكَ دليلُ الفناء, وأنتَ علَّةٌ للمُتضاد, وسببٌ للمُتنافي. وما ظنُّك بخلقٍ لا تضرُّه الإحالة, ولا يُفسده التناقض.) – ص 84-

وينتقل إلى جانب من مُتممات الجمال؛ وهو الكلام, ويرى الجاحظ أن للكلام سمات مُركبَّة من التضاد السائر في بُنية الكون والطبيعة؛ فالكلام جدّ وهزل, وفي جميع مؤلفاته تطرَّق إلى هذا الموضوع وعرض فيه الأمثال والنوادر والقصص والأشعار, وحدد أُصول الكلام..( ولكلِّ حالٍ شِكْل, فالضحك في موضعهِ, كالبكاء في موضعهِ, والتبسُّم في موضعهِ, كالقطوب في موضِعهِ, وكذلكَ المنعُ والبذلُ, والعقبُ والعفو, وجميعُ القبضُ والبسط.) – ص 94-
ويرى أنَّ عناصر الجمال يجب أن تكون موزونة مع بعضها ..
( ولربما رأيتَ الرجل حسناً جميلاً, وحلواً مليحاً, وعتيقاً رشيقاً, وفخماً نبيلاً, ثمّ لايكون موزونَ الأعضاء ولا مُعتدلَ الأجزاءِ, وقد تكون أيضاً الأقدارُ متساويةً غيرُ مُتقاربةٍ ولا مُتفاوتة, ويكونُ قصداً ومقداراً عدلاً, وإن كانت هناك دقائقُ خفيَّةٌ لايراها الغبيُّ, ولطائفُ غامضةٌ لايعرفُها إلاَّ الذكيُّ.. وكذا الحُسْن إذا كان حرّاً مُرسلاً, وعتيقاً مُطلقاً[؟], لا يتحكّمُ عليه الدهر, ولا يُذبله الزمان, ولا يحتاج إلى تعليق التمائم, ولا إلى الصَّون والكِنَّ, ولا إلى المِنقاش والكُحْل. )[؟= يعتقد الشارح أنها تحريف]
- ص 97-98-
في القسم الثاني من رسالة "التربيع والتدوير" يتحوَّل الجاحظ إلى مدح شخصية المُخاطب أحمد بن عبد الوهاب, ويُقدِّم صورة غريبة من الوصف والتشبيه. فيستعير صوراً من الطبيعة والأدوات لإطلاقها على الممدوح مثل:
(.. وإنَّا لانستطيع أن نقول في التفاريق: كأنَّ عنقه إبريقَ فضّة, وكأنَّ قدمه لسانُ حيَّة, وكأن وجهه ماويَّة, وكأنَّ بطنه قُبطيَّة, وكأنَّ ساقه بَرديَّة, وكأنَّ لسانه ورَقة, وكأنَّ أنفه حدُّ سيف, وكأنَّ حاجبه خُطَّ بقلم, وكأنَّ لونَه الذَّهب, وكأنَّ عوارِضه البَرَد, وكأنَّ فاهُ خاتم, وكأنَّ جبينه هلال... وكيفَ لا تكون كذلكَ وأنتَ الغاية في كلِّ فضل..) - ص 99-
فالمُستهجن في هذا التشبيه أنَّه يُلقي على المُشبَّه صفات التأنيث بينما هو يُخاطب رجلاً من أعلام المُجتمع. لو أعدنا ترتيب الأوصاف والتشبيهات في هذه الرسالة دون غيرها نتوصَّل إلى مُعجم الوصف الذي يُزخرف النسيج الشرقي فيها, فالنثر العربي يستعير مُفرداته من التنظيم اليدوي للألوان والخيوط والعُقد والسطور والسلاسل والضفائر. ومنها المُتَداوَل بين الناس.
إنَّ مفهوم التناسق في الفلسفة اليونانية, نجد تطبيقه في النسج اليدوي الشرقي, وفي الشعر والنثر وتجانس الإيقاعات والقوافي.
( وقولُ الدمشقيين: ما تأمّلنا قطُّ تأليف مسجدنا, وتركيب مِحرابنا, وقبَّة مصلاَّنا, إلاَّ أثارَ لنا التأمُّل, وإستخرَجَ لنا التفرُّسُ, غرائبَ حُسنٍ لم نعرِفها, وعجائبَ صنعةٍ لم نقِف عليها. وما ندري أجواهرَ مُقطّعاته أكرمُ في الجواهر, أم تنضيد أجزائه من تنضيد الأجزاء؟ فإنَّ ذلك معنىً مسروقٌ منّي في وصفكَ, ومأخوذٌ من كُتُبي في مدحكَ.)

ويُطنِب في المدح فيقول ( والجملة التي تنفي الجِدالَ, وتقطَعُ القيلَ والقال, أنّي لم أَركَ قطّ إللاَّ ذكرتُ الجنَّة, ولا رأيتُ أجمَل الناس في عَقبِ رؤيتكَ إلاَّ ذكرتُ النار!) – ص99-
[في الأصل علامة تعجُّب وفيها شكٌّ وغموض.]
في الرسالة مدح بالغ التطرُّف, فوصف الممدوح مُركَّب من بنيتين وصفيتين: بنية الشكل الجميل كما ورد, وبنية الشخصيّة العقلية والأخلاقية والأدبية, وفي هذا الجانب يتوالى المدح بشكل مُباشر. فيجعل من الممدوح حلُماً تحلم فيه كلُّ فتاة, وتتمناه كل إمراة, ويُقاربه مع القمَر, ويجعله يتفوَّق على القمر في اللون والتأثير ويطول هذا الوصف حتى يصل الجاحظ إلى جانب الشخصيّة النفسي, الذي يتكامل بموجبه الجمال, فيعود إلى تقاطبية الجدّ والهزل, وهذا الموضوع شَغل الجاحظ في كل رسائله ومؤلفاته الكبرى. ويجعل الهزل من صفات الجمال الإنساني, ولكنَّه يُؤطر الهزل بشروط (التوازن) وحدود الظرف والمكان والزمان.

( أوَّلُ ما ذُكرَ من خصال الهَزْل, وفضائل المَزْح, أنَّه دليلٌ على حُسنِ الحال وفراغ البال, وإنَّ الجِدَّ لايكونُ إلاَّ من فضلِ الحاجةِ, والمَزْحَ لايكونُ إلاَّ من فضل الغِنى, وإنَّ الجِدَّ نَصَب, والمَزحَ جًمَام [الراحة], والجدَّ مَبغَضةٌ والمَزحَ محبَةٌ. وصاحبُ الجِدِّ في بلاءٍ ما كانَ فيهِ, وصاحبُ المَزح في رخاءٍ إلى أن يخرج منه... وإنما تشاغلَ الناس ليفرغوا, وجدّوا ليهزلوا, كما تذللَّوا ليُعزّوا, وكدّوا ليستريحوا, وإن كان المزاح إنّما صار مُعيباً, والهزل مذموماً, لأنَّ صاحبه لايكون إلاَّ لمُجاوزة الحد, ومُخاطراً بموَدة الصديق. ) – ص – 107- 108-

وبعد التفسير والشرح يذكر الأمثلة من القرآن ومن الشخصيات الإسلامية, وأحوالها النفسية وأمزجتها في الجد والهزل, في المجالس والبيوت ومع أفراد أُسَرٍهم. ( وكان عُمر عبوساً قَطوباً.. وقال: إنَّا إذا خلَونا كنَّا كأحدكم.. وكانَ زيادٌ معَ كُلوحِهِ وقُطوبه يُمازحُ أهله في الخَلاَ كما يَجدُّ في المَلا, وكان الحجّاج مع عُتوّه وطغيانه, وتمرُّده وشدّة سلطانهِ, يُمازحُ أزواجه ويُرقّص صبيانه. وقالَ له قائلٌ: أيُمازحُ الأميرُ أهلهُ؟ قال: " والله أن ترَوْني إلاَّ شيطاناً؟ والله لربما رأيتُني وإنِّي لأُقبِّل رِجلَ إحداهنَّ.) – ص 111-

ثمَّ ينتقل إلى ما يُكمل البنية الجمالية للإنسان؛ وهو العقل ( والعقلُ -حفظك الله- أطولُ رقدةً من العين, وأحوجُ إلى السحذ من السَّيف, وأفقرُ إلى التَّعاهد, وأسرعُ إلى التغيُّر, وأدواؤُهُ أَقتَلْ, وأطباؤهُ أَقَلْ. فمن تداركه قبلَ التَّفاقم أدركَ أكثر حاجتهِ, ومَن رامه بعد التَّفاقم لم يُدرك شيئاً من حاجتهِ.) - ص 118-
يتم تدارك أدواء العقل بطلب العلم والمعرفة, وهنا يضع الجاحظ معياره الإعتدالي في التعريف بالعلم المطلوب, ويرى أن في العلم أوجه ينبغي إدراكها ( ومن أكبر أسباب العلم كثرة الخواطر, ثمَّ معرفة وجوه المطالبِ, ثمَّ في الخواطر الغثُّ والسَّمين, والفاسدُ والصَّحيح... ثمَّ هي على طبقاتها في التقديم والتأخير وعلى منازلها في التَّباين والتمييز.) – ص 118-

ويقترح التمييز في إختيار المعارف, وعدم إضاعة الوقت في السرديات الركيكة والوضيعة...
(إعجب من الصواب لا تعجب من الخطأ, أعَجبٌ من أنَّ العجبَ قد ذهبَ, إعجب ممن تعجَّبَ وفيه العجبُ أعجبُ, وكيفّ التعجُّبُ والأمورُ كلُّها عجبٌ.) – ص 121-

(قال بكر بنَ عبد الله المزني " كنَّا نتعجَّبُ من دهرٍ لايتعجبُ أهله من العجب, فقد صرنا في دهرٍ لا يستحسِنُ أهلُه الحَسَن, ومن لا يستحسن الحَسَنَ لا يستقبحُ القبيحَ... وقالَ بعضهم العجبُ تركُ التعجُّب منَ العجب.) الرسالة: في مدح النبيذ -ص 130-

في رسالة مدح النبيذ المُرسلة إلى (**) يُسلُّط الضوء على مواصفات النبيذ بالمديح وبيان محاسن جلساته, وأثره في إنعاش الجسم وتخدير الحواس (ولو لم تملك غيره لكنتَ غنيَّاً, ولو ملكتَ كلُّ شئٍ سواه لكنت فقيراً. وكيف لايكون كذلكَ وهو مُستراحُ قلبِكَ, ومجالُ عقلِكَ, ومرتعُ عينكَ, وموضِعُ أُنسِكَ, ومُستنبطُ لذَّتِكَ, وينبوعُ سُروركَ, ومصباحك في الظلام, وشعاركَ في جميع الأقسام. وكيفَ وقد جمَعَ أُهبة الجلال, ورشاقة الخِلال, ووقار البهاء, وشرف الخير, وعِزّ المُجاهرةِ, ولذَّة الإختلاس, وحلاوة الدبيب. وسأصفُ لكَ شرف النبيذ في نفسهِ, وفضيلتهِ على غيرهِ. ثمَّ أصف فضّلَ شرابكَ على سائر الأشربةِ, كما أصفُ فضل النبيذ على سائر الأنبذةِ؛ لأنَّ النبيذَ إذا تمشّى في عِظامكَ, وإلتَبسَ بأجزائِكَ, ودبَّ في جَنانكَ, مَنَحكَ صدقَ الحسِّ, وفراغَ النفسِ, وجعلكَ رخيَّ البال, خليَّ الذَّرعِ, قليل الشواغلِ, قرير العينِ, واسعَ الصدرِ, فسيحَ الهِمَمِ, حَسنَ الظنِّ..) – ص 134-
ويُقارن النبيذ بغيرهِ من المشروبات, وكل مشروب يمكن أن يكون ثقيلاً إذا كررته أو زدتَ فيه إلاّ النبيذ (فإنَّ القدح الثاني أسهل من الأوَّل, والثالثُ أيسرُ, والرابعُ ألذُّ, والخامسُ أسلسُ, والسادسُ أطربُ, إلى أن يُسلِمُكَ إلى النوم الذي هو حياتكُ, أو أحد أَقواتُكَ.) – ص 137-

يطول الوصف والمدح للنبيذ. ويُطلعنا الجاحظ على أُسلوبه المُعتاد في الوصف. ومعرفته من خلال تجاربه في الحياة ومُعاشرته لصنوف الشخصيات, ومختلف المجالس. في نفس الوقت الذي يُسهب في الوصف؛ يوحي للقارئ أنّه كثير الإدمان والتردد على أندية الخمر. بينما واقع الحال يدل على ثقافة موسوعية شاملة في كل العلوم والمعارف.

يقول طه الحاجري في تعليقه على كتاب البخلاء للجاحظ (إن الجاحظ صحبَ الدنيا طويلاً, وتقلّبت على عينه, كما يقول المُتنَبي, فقد لابَسَ صنوف الجماعات وأنواع الناس مُلابسةً إستطاع بها أن ينفذ إلى بواطنهم, ويُظهر على ما يُخالج نفوسهم ويوجههم في حياتهم, وكذلك كان أثر دراسته المُفتنة أفانين مُختلفة, الذاهبة في شتى المعارف والآراء والمذاهب, على النحو الذي أتاحته له مدينته البصرة الزاخرة بصنوف الأجناس وألوان العقول والثقافات.) (طه الحاجري: تحقيق البخلاء –ص 56-).
–يتبع-

- فنان تشكيلي وكاتب

=================
– هوامش:

*[ الرسالة موَّجهة لأحمد بن عبد الوهاب, وتُعرف برسالة التوَسُّع(التربيع) ورسالة (المُفاكهات)
والجاحظ يبث أفكاره على قطبين مُتحاورين في أغلب رسائله, وعلى أُسلوب المُحاورات الفلسفية اليونانية. يقول عبد السلام محمد هارون" وقد عثرت على بعض ردود أحمد بن عبد الوهاب فيما يتعلَّق بالرسالة وذلكَ في الهوامل والشوامل لأبي حيَّان التوحيدي ومسكويه في الصفحات 320- 322-327-]
**[ رسالة مدح النبيذ موجَّهة إلى الحسن بن وَهَب بن سعيد بن عمرو بن حصين, كاتب شاعر, كانَ مُعاصراً لأبي تمّام والبحتري و محمد بن عبد الملك الزيّات, وقد رثاه البحتري بعدَ وفاته, فوات الوفيّات الصفحات : 1/267-269. وفي سنة 229 يذكر الطبري أنَّ الخليفة الواثق ألزَمه فيمن ألزَمهم منَ الكُتّاب أن يؤدي أربعة عشر ألف دينار, كما ألزّمَ أخاه سليمان بنَ وَهب أن يؤدية أربعمائة ألف دينار – هامش المُحقق ص 127- ]
- [ذيَّلنا الإقتباسات بأرقام الصفحات في نسخة المُحقق والشارح عبد السلام محمد هارون لرسائل الجاحظ./ الكاتب]



#شاكر_حمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علم الجمال في المدرسة الجاحظية
- نوادر البُلغاء (2)
- مع البُلَغاء في نقد الشعر
- نوادر البُلغاء
- التراسل بين إبن القارح والمعرّي
- رسالة الغفران للمعرّي الكوميديا الإلهية العربية (3)
- رسالة الغفران الكوميديا الإلهية العربية (2)
- رسالة الغفران للمعرّي الكوميديا الإلهية العربية شاكر حمد
- الرواية الميتافيزيقية العربية (2)
- الرواية الميتافيزيقية العربية
- حسين عبد اللطيف والقصيدة السريالية
- لذّة النص في الهامش (2) النادرة في الحكي العربي
- المقامة (الصَيمريّة) للهمذاني مسرحية كُتبت في القرن الرابع
- المقامة بين الهمذاني والحريري
- الواسطي السارد التشكيلي للمقامات
- لذَّة النَص في الهامش
- تعدد الرواة في الرسالة البغدادية للتوحيدي
- المؤلف والأقنعة.. التوحيدي نموذجاً
- مقامات الهمذاني - شاكر حمد –
- [ الأيدي] قصيدة الشاعر محمود البريكان (2)


المزيد.....




- موسيقى السيرك في المدرجات.. جماهير فالنسيان الفرنسي تحتج بسخ ...
- موسيقى السيرك.. جماهير نادٍ فرنسي تحتج بأسلوب ساخر على أداء ...
- 25 عاماً على أفلام هاري بوتر في السينما: إنتاج جديد كمسلسل ه ...
- قاعات أمريكية كبرى ترفض استضافة جولة الفنان ماكلمور الداعمة ...
- إليسا تعلن ارتباطها برجل ليس لبنانيا
- خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شاكر حمد - فلسفة الجمال عند الجاحظ