شاكر حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 02:50
المحور:
الادب والفن
- شاكر حمد –
ظهر نقد الشعر قديماً, كلاميَّاَ, شفاهياً, موازياً للشعر نفسه, بحكم التقاليد السائدة في إلقاء الشعر في الأسواق(أندية ذلك الزمن) وما يتبع ذلك من تقييمات معروفة في تأريخ الشعر العربي, ومنها المناسبات الدورية التي تُجرى في عُكاظ, يتسيّدها النابغة الذبياني, حيث تُعقد له قبّة ويتبارى أمامه الشعراء فيحكم بينهم. ولم تقتصر الأحكام النقدية على النابغة بل شملت آراء أشراف القبائل, وللرسول والصحابة آراء في تفضيل هذا على ذاك من الشعراء, وكانت القيَم الأخلاقية والفخر والأمجاد أساس موضوعات التقييم, لذلك إرتقت أسماء مثل زهير بن أبي سلمى في ميميته المشهورة, وفي الجانب الآخر تُقاس القصائد بالمباني اللفظية الناقلة للمعنى بالعبارة الكثيفة والبيت الواحد الذي يؤدي المعنى كاملا, أو كما يقول حمّاد الراوية عندما سُئِل بما تقدَّمَ النابغة؟ قال: بإكتفائكَ بالبيت الواحد من شعره, بل بنصف بيت, بل بربع بيت ويستشهد ببيت للنابغة.
لا تعريف شامل للشعر؛ وذلك أن الشعر إبداع إنساني, جمالي, مرهون بالزمان والمكان, وبعد إستنتاج المفهوم الشعري, تحلّ الوظائف. كما أنَّ لكل حضارة قوالبها الجمالية وملفوظاتها وأوزانها وقوافيها. ونستطيع أن نهتدي إلى تقاليد الشعوب في هذا الباب بما تركته الملاحم القديمة والبرديات المصريَّة والأغاني الشعبية القديمة؛ وحتى الشعر الشعبي لجميع الحضارات وما بقي منه إلى الآن, له قواعده ولُغته ومبانية وإيقاعاتهِ وموسيقاه, التي ينفرد بها عن الكلام العادي أو النثر الأدبي.
ما ندرسه اليوم من شعر العرب تمتد جذوره إلى ما قبل الإسلام, ومن ذلك الأصل نشأت قواعد وأوزان ومعايير تُقاس بها القصيدة العربية بمعايير الجودة والرداءة, كما إرتبط الشعر العربي بالتحوّلات الحضارية والسياسية وتوّسع البلدان وإختلاط الأقوام في العصرين الأموي والعبّاسي, فكثرت المؤلفات في جمع الشعر وتفسير الكلام, ونقد الشعر, وسُمّيَ الشع (ديوان العرب), ولكنَّ هذا الديوان شمل مستويات مُتباينة من الشعر والشعراء, فهناك طبقة الفحول, وتليها طبقة الشعراء الأدنى مرتبةً, وفي المستويات فوارق وعيوب, وقف عليها أدباء ذلك العصر, وشخّصوا الأمراض والعِلل التي تُضعف القصيدة؛ إنعكس ذلك في مؤلفات الجاحظ ومن تلاه من أُدباء العصر العبّاسي, أمثال إبن طباطبا وقُدامة بن جعفروإبن جنّي وغيرهم
كتب الأول (معيار الشعر) وكتب الثاني (نقد الشعر), ونَقّدَ الثالث شعر المُتنبي,
ولهم معاييرهم في تقييم الشعر, إنطلاقاً من المفاهيم السائدة في الشعر المعروف باللفظ والوزن والقافية والمعنى والإعراب, وهناك طروحات كثيرة في هذا الباب نختصرها بما إفترضه الثلاثة المُشار إليهم.
(قيلَ لعمارة بن عُقيل: ما أجودَ الشعر؟ قال: ما كانَ كثير العيون, أملسُ المتون, لا يمجُّه السمع, ولا يستأذن عليه القلب.)- التوحيدي: البصائر والذخائر- ص 557-
وعن الكلام يقول ثعلب ( الكلام مبنيٌ على الحركة والسكون, فالحركةُ يُبتدأ بها, والسكون يوقَف, ولو كان مُتحرِّكاً كُلُّه لقَلِقَ اللسان وطاشَ, ولو كانَ ساكناً ما كانَ كلاماً, وبإجتماع الحركة والسكون يكونُ كلاماً.)- التوحيدي: البصائر والذخائر – ص 489-
(قال إبن طباطبا في عيار الشعر: وينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره وتنسيق أبياتهِ, ويقف على حُسنِ تجاورها أو قُبحهِ, فيُلائم بينها لتنتظم له معانيها, ويتَّصل كلامه فيها, ولا يجعل ما بينَ قد إبتدأ وصفه وبين تمامها فصلاً من حشوٍ ليس من جنس ما هو فيه فينسى السامع المعنى الذي يسوق القول إليهِ, كما أنَّه يحترز من ذلك في كلِّ بيت, فلا يُباعد بين كلمةٍ عن أُختها ولا يحجزُ بينها وبين تمامها بحشوٍ فيُشينها, ويتفقَّد كلّ مصراع: هل يُشاكل ما قبلهُ, فربما إتّفقَ للشاعر بيتان يضعُ مصراع كلّ واحدٍ منهما في موضع الآخر, فلا يتنبّه على ذلكَ إلاّ مَن دقَّ نظره ولطُفَ فهمُه. وربما وقعَ الخلل في الشعر من جهة الرّواة والناقلين له: الشعرُ على جهةٍ ويؤدونه على غيرها سهواً, فلا يذكرون حقيقة ما سمعوه منه, كقول أمرئ القيس:
( كأنيَ لم أركب جواداً ولم أقل... لخيليَ كُرّي كرَّةً بعد إجفالِ.
ولم أسبأ الزقَّ الرويَّ للذةٍ ... ولم أتبطّن كاعباً ذات خلخالِ. )
وكقول إبن هرمة (المتقارب):
(وإنّي وتَركي ندى الأكرمين... وقدحي بكفيَّ زنداً شحاحا.
كتاركةٍ بيضها بالعراء...ومُلبسةٍ بيضِ أخرى جناحا.)
وكقول الفرزدق (الطويل):
( وإنَّك إذ تهجو تميماً وترتشي...سرابيلَ قيسٍ أو سحوقَ العمائمِ.
كمُهريقَ ماءٍ بالفلاة وغرّهُ... سرابٌ أذاعته رياحُ السمائمِ.).
كان يجب أن يكون بيت إبن هرمة مع بيت الفرزدق, وبيت الفرزدق مع بيت إبن هرمة, فيُقال:
(وإني وتركي ندى الأكرمين... وقدحي بكفّيَّ زنداً شحاحا.
كمُهريق ماءٍ بالفلاة وغرَّهُ... سرابُ أذاعتهُ رياحٍ النسائمُ.).
وإذا تأملّتَ أشعار الشعراء لم تعدم فيها أبياتاً مُختلفة المصاريع كقول طرفة(الطويل):
( ولستُ بحلاّل التلاعِ مخافةً... ولكن متى يسترفد القومُ أرفدِ.)
والمصراع الثاني غير مُشاكل للأول. وكقول الشاعر:
(وإنَّ إمراً أهواه بيني وبينه... فياف تنوفاتٌ ويهماء خيفقُ.
لمحقوقةٌ أن تستجيبي لصوتهِ...وأن تعلمي أنَّ المعان موَّفقُ.) فقوله:
(وإن تعلمي إنَّ المعان موفَّقُ) غير مُشاكل لما قبله, وكقوله:
( أغرّ أبلج يُستسقى الغمام بهِ...لو قارعَ الناس عن أحسابهم قرَعا.)
فالمصراع الثاني غير مُشاكل للمصراع الأول, وإن كان كلٌ منها قائماً بنفسهِ. ) – التوحيدي: البصائر والذخائر ص 543-
(وأحسن الشعر ما ينتظم القول فيه إنتظاماً ليتَّسق فيه أوَّله مع آخرهِ على ما يُنّسقه قائله, فإن قدَّم بيتٌ على بيت دخله الخلل, كما يدخل الرسائل والخطب إذا نقص تأليفها فإنَّ الشعر إذا أسس فصول الرسائل القائمة بأنفسها وكلمات الحكمة المستقلّة بذاتها, والأمثال السائرة الموسومةِ بإختصارها, لم يُحسن نظمه, بل يجب أن تكون القصيدة كلّها ككلمة واحدة في إشتباه أوّلها و آخرها نسجاً وحُسناً وفصاحةً وجزالة ألفاظ ودقَّة معانٍ وصواب تأليف, ويكون خروج الشاعر من كلِّ معنى يصفه إلى غيرهِ من المعاني خروجاً لطيفاً على ما شرطنا؛ هذا كلّه كلام صاحب العيار.) – نفسه- ص 544-
يقول قُدامة بن جعفر في أوّل كتابه عن الشعر( فأما علم جيِّد الشعر من رديئهِ فإنَّ الناس يخبطون في ذلك مُذ تفقهوا في العلوم.. رأيت أن أتكلَّم في ذلك بما يبلغه الوسع.. فيذكر صفات الشعر(الذي إجتمعت فيه كان في غاية الجودة,وهو الغرض الذي تنحوه الشعراء بحسب ما قدّمناه من شريطة الصناعات, والغاية الأُخرى والمُضادة لهذه الغاية هي نهاية الرداءة... وإنما يذهب الشعراء المطبوعون المُجيدون إلى ذلك, لأن بيئة الشعر إنَّما هي التسجيع والتقفية, فكلّما كان الشعر أكثر إشتمالاً عليه كان أدخل له في بال الشعر من النثر.)- قدامة بن جعفر:نقد الشعر- المقدمة-
يُحدد إبن جعفر ميزان الشعر بالعناصر الأربعة التي يُقيَّم بموجبها الشعر وهي اللفظ والمعنى والوزن والتقفية, ويرى أن ماكثُرت فيه النعوت الحسنة كان شعراً جيِّداً, وإن قلَّت الصفات الحسنة كان إلى الرداءة أقرب, وفي مُستهل كتابه وضع لوناً وسطياً كالوسط بين الحار والبارد وهو الفاتر, وينطبق ذلك على الشعر المصنوع بإفتعال. وإذا راجعنا مسيرة الشعراء في الحصول على الجوائز نجد أن قوَّة القصيدة أو البيت الواحد سبباً في مضاعفة العطاء. كان شعر المديح في الجاهلية مقصوراً على مدح القبيلة وأمجادها وكرمها وغزواتها, وفي العصرين الأموي والعبّاسي صار الشعر للتكسّب والعطايا,
ثمَّ يبدأ بعيوب المعنى ومثال ذلك مايراه مَن يُعيب على أُمرئ القيس هذين البيتين
( فمثلكِ حبلى قد طرقتُ ومرضعٍ... فألهيتها عن ذي تمائمَ محوَلِ
إذا ما بكى من تحتها إنصرفت له... بشقّ وتحتي نصفها لم يُحوَّلِ.
وإن هذا المعنى فاحش, وليس فحاشة المعنى يُزيل جودة الشعر, ومن عيوب المعاني تشبيهات (الإستحالة والتناقض) وتكثر في المُبالغات في الوصف كتشبيه الممدوح بالجبل أو الغيم أو البحر, ومع ذلك فالتشبيه المستحيل قد يمنح البيت صورةً حتى أبعد من شخص الممدوح, كقول المتنبي في سيف الدولة (هو البحر غُصْ فيهِ إذا كان هادئاً وإحذره إذا كان مُزبدا.).
ومن عيوب نعت المراثي وما أشبه ذلك, يقول(ليس بين المرثية والمدحة فصل إلاّ أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك مثل كان وتولَّى وقضى نحبه, وهذا ليس يزيد في المعنى ولا ينقص منه.) ومن نعوت المعنى الإلتفات ومن أنواعه (المساواة) وهو أن يكون اللفظ مُساوياً للمعنى (وهذه هي البلاغة التي وصف بها البعض رجلاً فقالوا كانت ألفاظه قوالب لمعانيه, أي هي مُساوية لها لاينفصل أحدهما عن الآخر.. وقد وصف بعضهم البلاغة فقال هيَ لمحةٌ دالَّة, أي نَص قصير مُتشعّب المعاني والدلالات والأغراض. وبما أنّ اللغة العربية طافحة بالمعاني والإشتقاقات للمفردة الواحدة فإن إنتقاء الكلمة في موضعها من البيت له الأثر الكبير في تأدية المعنى,(وهو إئتلاف المعنى والقافية) وليس لغرض التقفية وتقويم الوزن, ويسمي هذا إبن جعفر (عيوب إئتلاف اللفظ والوزن) فتكون الإضافة شكلية. مثلما قرأنا أعلاه في الأبيات التي أعاد ترتيبها إبن طباطبا.
ومن عيوب الهجاء أن يُنسب إلى المهجو صفات القبح والدمامة وقصر القامة وضآلة الجسم, أو أنه مُقتَّر أو مُعسِر أو من قومٍ ليسوا بأشراف, وقد كثرت هذه الهجائيات في العصر العبّاسي ومن أمثالها المقابلات الهجائية بين جرير والفرزدق.
أمّا عن المديح فيقول الجاحظ:
( وأفضل المدائحِ للمادحِ, وأجداها للممدوحِ, وأبقاها أثراً وأجداها ذكراً, أن يكون المديح صِدقاً, ولظاهر حال الممدوحِ موافقاً, وبهِ لائقاً, حتَّى لايكون من المُعبِّرِ عنه والواصف له إلاّ الإشارةُ إليه, والتنبيهُ عليهِ.) – الجاحظ الرسائل –ص 210-
وفي تأريخ الشعر مدائح بلغت من النفاق حدّاً أن الممدوح إستنكرها ورفضها.
وينظر إبن جعفر في عيوب اللفظ ومنها أن يكون ملحوناً وجارياً على غير سبيل الإعراب واللغة ( وهذا الباب مجوَّز للقدماء ليس من أجل أنّه حسن لكن من شعرائهم مَن كان إعرابياً قد غلبت عليه العجرفة ومسَّت الحاجة إلى الإستشهاد بأشعارهم في الغريب.)
ومن عيوب اللفظ قُبح الإستعارة؛ فبعض الإستعارات تأتي من عالم الحيوان أو الطير, ونحن نستنكر ذلك في زمننا. ( ومن يشكُّ أنَّ عين المرأة الحسناء أحسنُ من عين البقرة. وأنَّ جيدها أحسنُ من جِيد الضبيَة, والأمر فيما بينهما مُتفاوت, ولو لم يفعلوا وشبهه لم تظهر بلاغتهم.) – رسائل الجاحظ: رسالة النساء-ص 172-
ومثل ذلك التشبيه بالمستحيل ( ويقول بعضهم: كأنها الشمس وكأنها القمر, والشمس وإن كانت بهيَّةً فإنما هي شيئٌ واحد, وفي وجه الجارية الحسناء وخلقها ضروبٌ من الحُسن الغريب والتركيب العجيب.) –الجاحظ- نفسه-
ومع ذلك قدَّم لنا الشعراء صوراً بلاغية في أوصافهم للبيئة التي عاشوا فيها.
ومن عيوب الوزن ما يُسميه قدامة بن جعفر (الإقواء) وهو أن يختلف إعراب القوافي فتكون قافية مرفوعة مثلاً وأُخرى مخفوظة وهذا في شعر الأعراب كثيرٌ جدّاً.. وقد إرتكبَ بعض فحول الشعراء الإقواء في مواضع مثل سُحيم بن وثيل الرياحي.).
وسبق أن قرأنا في رسالة الغفران كيف إنتقد أبو العلاء المعري هذه العيوب الشعرية وأصحابها وعرضها بالأسلوب الخطابي المسرحي, وقبل ذلك كان إبن القارح شكى للمعري في رسالته من عيوب اللغة والبلاغة والشعر في عصره.
في الشعر أغراضٌ أُخرى حسب التقاليد وظروف المناسبة, فالشعر وِجدَ وإلى اليوم يُكتب ليُقرأ بصوت مُرتفع تسمعه الجماعة, وف المناسبات الكبرى؛ فهو قرين الخطابة ولذلك يرى الجاحظ ان القصيدة قد تشتمل على الحِكم والأمثال لكن (لاينبغي أن تكون كلّها أمثالاً وحكماً, فإنها إذا كانت كذلك لم تَسِر ولم تجرِ مجرى النوادر, وفي الموّلدين شعراء مطبوعون, وللشعراء رسومٌ خاصَّة, وقد كان بعض أبيات الشعر سبباً في تسمية الشاعر, والشعر خير الوسائل لتخليد الإنتاج الفني." فما تكلمت به العرب من جيِّد المنثور, أكثر مما تكلمت به من جيِّد الموزون. فلم يُحفظ من المنثور عُشره ولا ضاع من الموزون عُشره.)- الجاحظ: مقدمة البيان والتبيين.
ومن نقاد ذلك العصر إبن جنّي, الذي قال عنه المُتنبي: (إنّ إبن جنّي رجلُ لايعرف قدره الكثير من الناس.. إنَّ إبن جنّي أعلم بشعري منّي" وكان إذا سُئل في مسألة غامضة في شعره أحال السائل على إبن جنّي. وقد سُئِلَ مرةً عن معنى بيت له فقال "لوكان صديقنا أبو الفتح حاضراً لفسَّره.")- عبد الله عبد الرحمن الغويل: نقد إبن جنّي: مقال المجلة العلمية- جامعة مصراتة-
(وتظهر آراء إبن جنّي النقدية مبثوثةً في كثير من مؤلفاته من خلال تناوله لشعر صديقه المتنبي, وشرح ديوانه, فتعرَّض للقضايا النقدية, قديمها وحديثها, وأعملَ معرفته باللغة والنحو, ليتغلَّب على صعوبتين عندَ المتنبي, إحداهما: تعسُّف في بعض ألفاظه, خرجَ بها عن بعض قواعد الإعراب, والأُخرى: عُمقٌ في معانيه, يتطلَّب إعمال الفكر وطول البحث, لأنه شاعر يخترع المعاني, ويتغلغل فيها ويستوفيها.)- نفسه-
وللنقّاد آراء مُختلفة حول نقد إبن جني لشعر المتنبي, وأبرزها إنشغاله بالجانب اللغوي على حساب المعنى والشكل الفنّي, وذلك لأنه مُختصّ باللغة والنحو. ومنهم مَن إتَّهم إبن جني بعدم فهم معاني المتنبي, ومن هؤلاء أبو القاسم الأصفهاني. ويذكر محمد مندور قول الواحدي في إبن جني ( وأمّا إبن جني فإنه من الكبار في صنعة الإعراب والتصريف, والمُحسنين في كل واحدٍ منها بالتصنيف, غير أنّه إذا تكلَّم في المعاني تبلَّدَ حماره, ولجَّ بهِ عثاره.)- نفسه-
ونرى محمد مندور يُدافع عن إبن جنّي. تطرَّق إبن جنّي إلى مسألة القديم والحديث, والمتقدمين والمُحدثين, وكانت من مُعضلات النقد في عصره. فمنهم مَن يُجيز للقدماء الضرورات ولا يُجيزها للمحدثين, بذريعة أن القدماء كانوا يرتجلون, بينما المحدثون يُدوِّنون قصائدهم, ويرفض هذه الحجَّة, فليس كل الشعر القديم كان إرتجالاً ومنه حوليات زهير. (ومن القواعد النقدية التي وضعها إبن جني حول القِدم والحداثة, يقول: المُحدثون يُستشهد بهم في المعاني, والقدماء يُستشهد بهم في الألفاظ.) – نفسه-
يقول إحسان عباس إنَّ إبن جنّي كان يُدافع عن المُتنبي وكان يعتذر عن بعض نقاط ضُعفه..( من ذلك وقفته عند قول المُتنبي " ومصبوحة لبن الشائل" فقد قال: قلت لأبي الطيِّب: الشائل لا لبن لها, إنما التي لها بقية من لبنها هي الشائلة, فقال: أردت الهاء وحذفتها, ويعتذر عنه إبن جني بأن مثل هذا يجوز للشاعر, فقد قال كُثير عزّة: " وأخلت بخيمات العذيب ظلالها... وأراد: العذيبة".) – نفسه-
أمّا الضرورات الشعريّة وهي( وجود إستعمالات وتراكيب تخرج عن المألوف في قواعد اللغة العربية.. ومن النقّاد مَن أجازها للشعراء, ولا يجوز لغيرهم من أصحاب النثر. وإبن جني مع إجازة الضرورات للشاعر شرط أن لا تُدخل الشاعر في اللحن الفاحش..وقد تساهل إبن جني في ذلك فاجاز له كثيراً من العبارات التي أقامها على الضرورة, في حين رفضها خصوم المتنبي المُتشددون.) – نفسه-
أمّا موضوعة اللفظ والمعنى فقد سبق ذكرها, ويُعتبر إبن جني من الذين يوازنون اللفظ والمعنى كبشر بن المُعمّر الذي يقول في صحيفته " فإنما حق المعنى الشريف من اللفظ الشريف."
ومن بحوث البلغاء وقوفهم على السرقات الشعريّة, وكتب إبن جنّي كتابه الشهير سرقات المُتنبي, وهي كثيرةٌ في شعره تستوعب الكتاب. وكان إبن جني يتساهل في التسمية فلا يُسميها سرقات بل هي مقاربات مثل: هذا كقول.. أو كما نظرَ.. أو يقترب من معنى بيت فلان.. وقد لاحظنا كثرة هذه الأنواع في كتاب الأمالي لأبي علي إسماعيل القالي, فيرد ويُضيف: .. وأخذ عنه فلان.. أو أخذ معناه..
ومن مباني المُتنبي التي وقف عليها إبن جني صنعة النص وإحكام المُتنبي لها ويسوق الكثير من الأمثلة في كتابه (الفَسْر). ويتحدَّث إبن جني عن هجاء المُتنبي (الهجاء المُبطَّن) فالمعلوم أن أغلب شعر المُتنبي يتوزَّع بين المديح والهجاء. ومن أمثلة الهجاء المُبطَّن مدائحه لكافور وإن الإزدواج فيها كان مقصوداً وهي كثيرةٌ ومن أمثلتها:
( وما طَربي لمَّا رأيتكَ بدعةً... لقد كنتُ أرجوا أن أراكَ فأطربُ.)
(قال إبن جني: لمّا قرأت عليه هذا البيت قلتُ له: أجعلتَ الرجل أبا زنَّة!!.فضحك لذلك... فهذا البيت وإن كان ظاهره مدحاً فإنه إلى الهزء أقرب فيلتبس.. حتى يشفعه ما يُبينهُ.) ويرد ضمن القصيدة هذا البيت ( وأخلاقُ كافورٍ إذا شِئتُ مدحه... وإن لم أشأ تُملي علي وأكتبُ.) وفسَّر إبن جنّي عبارته (وإن لم أشأ) بالشك في أخلاق الممدوح. وقوله في مطلع قصيدة مدح لكافور:
(حُسنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ... وحسنُ وجهكَ حُسناً غيرِ مجلوبِ.) ولمَّا إنقلبَ عليه هجاه بأقبح الهجاء.
يقول محمد مندور: ( والناظر في شرح إبن جني لديوان المُتنبي يجد أن هذا الشارح الذي قرأ على المُتنبي الديوان, وناقشه في معانيه, وأخذ عنه شروحه, قد جَنحَ دائماً إلى تخريج مدح المتنبي لكافور مخرجَ الهجاء المستتر المقلوب.)- عبد الله بن عبد الرحمن- نفسه-
والصحيح أن المُتنبي كان يصطنع هذا الإضمار المُعاكس بدوافع نفسية, فلم يعترض على ملاحظات إبن جنّي حولها.
وقريب من الهجاء المُبطَّن –الذي يكثر في شعر المُتنبي- نجد إكتشاف إبن جني للجرأة النفسية لدى المتنبي وجسارته على ذكر أشياء في ممدوحه لا تُقبل لولا حُسن إستعمال صاحبها كقوله في أُخت سيف الدولة:( يَعلَمْنَ حينَ تُحيَّا حُسنَ مبسمها... وليسَ يعلمُ إلاّ الله بالشنبِ.).- نفسه- [ هذا البيت ورد ضمن قصيدة المتنبي في رثاء أُخت سيف الدولة ومطلعها:
ياأُختَ خيرَ أخٍ يا بنتَ خيرَ أبِ ... كنايةً بهما عن أشرف النسبِ.]
ولا بد أن يلتفت النقّاد إلى علَّة كبيرة من علل الشعر وهي السرقات.
وبعض السرقات ما نُطلق عليه في عصرنا بالتّناص, وهو النوع المشروع إذا لم يُخفَ المصدر, ومن السرقات ما يُسمّى بالتحوير, وهنا يجدر الإنتباه إلى أن تغيير نصف بيت أو تغيير كلمة أو قافية أو وزن أو معنى يجب أن تتوفر فيه القوَّة والجودة للتفوّق على الأصل, وإلاّ فالتحوير يُضعف المصدر ويُعدُّ تشويهاً, وكمثال على ذلك بيت زهير في ميميته الشهيرة (ومن لم يُصانع في أُمورٍ كثيرةٍ... يُضرَّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسمِ.) أدخله الشاعر عبد الرحمن بن حسّان في رائيته المطوَّلة وإستبدل كلمة المنسم[طرف خف البعير أو النعامة أو الفيل –لسان العرب] بالحافر هكذا(ومَن لم يُصانع في أُمورٍ كثيرةٍ... يُضرَّس بأنيابٍ ويوطأ بحافرِ.)
وهذا الإستبدال بزعمنا لم يتفوَّق على بيت زهير, وجاء التحوير لغرض التقفية فحسب, ولو كانت بغير الراء لبحث عن كلمةٍ غيرها. والمعروف أن زهيراً كان يُنقِّح القصيدة؛ فكان يكتب القصيدة في أربعة أشهر, ويُنقّحها في أربعة أشهر, وكان يقول (خير الشعر المُنقَّح المُحكك) ولذلك سُميَّت الحوليات, وعلى نهجه سار إبنه كعب الذي يذكر, في أشعاره, حاجته إلى التقويم والتثقيف..-المصدر- نفسه-
[ ومن هذا نستنتج أن قصيدته البردة التي إرتجلها أمام النبي, كان قد كتبها منذ وقت وحفظها, بعد تنقيحها والتأكد من سلامة مبنانيها ومعانيها].
ومن البلغاء الذين تناولوا موضوع السرقات الشعرية صاحب المقامات أبو محمد الحريري في مقامته الخامسة عشرة (الشعريّة) وقد قرأناها في مقال سابق. في هذه المقامة يطرح الحريري شكوى تقدَّم بها أبو زيد السروجي على شاعر شاب سرق شعره؛ ويسأل الوالي عن نوع السرقة, فالسرقات الشعرية ثلاثة أنواع: سلخ ومسخ ونسخ
[سلخَ:أخذ المعنى. مسخَ: قلَبَ الكلام. نسخَ: أخذه بعينهِ.]
لكنَّ أبا زيد كشف نوعاً آخر من السرقة, بأن قصيدته سداسية التفعيلة (مُتفاعلن) من بحر الكامل, حذف السارق تفعيلتين وجعلها رباعيّة فصارت من مجزوء الكامل, وأبقى على المعنى مع تغيير القافية[تُنظر دراستنا للمقامة الشعرية- في الحوار المُتمدن].
في القرون الثلاثة الأولى من الحضارة الإسلامية, ومع التطوُّرات في اللغة والكتابة, تشكّلت أُسس النقد العربي البنيوي[ لنبتعد عن الأسبقيات], وكما لاحظنا عند أُدباء ذلك العصر إعتكافهم على شرح الكلمة وإشتقاقاتها, وإلتفتوا إلى ديوان العرب بوصفه المرجع الأساسي الثاني بعد القرآن فكان تشريح القصائد وتفكيك المباني الشكلية يُمثِّل حقل البنيويات السيميوطيقية واللسانية العربية الشاخصة في مؤلفاتهم الكبرى حتى اليوم. وبحثوا في موضوعات الشعر وأغراضه إلى جانب المباني اللفظية التي أنَفَ ذكرها. وجرت مقارنات في الوصف والمديح والرثاء بين الشعراء, والتفاضل في الصوَر الخيالية, وكانت المراة محوَر القصيدة العربية, وبعدها كشف الشعر رؤية الإنسان للزمان والمكان, والحياة والموت, وترسَّخت القواعد النقدية في تقييم الشعر بشكل خاص في القرن الرابع الهجري.
– فنّان تشكيلي وكاتب
#شاكر_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟