شاكر حمد
الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 00:47
المحور:
الادب والفن
– شاكر حمد
يندرج هذا المقال ضمن بحثنا في البلاغة العربية, وسنتوقَّف عند محطة من محطاتها التي إمتازت بها في عصر إكتمال دعاماتها اللُّغويّة, وهي محطة الوصف والتشبيه والنعت في تصوير الظواهر الطبيعية والعلاقات الإنسانية والكائنات والمخلوقات بأنواعها؛ تجسَّدَ ذلك بإبتكار أنواع من الكلام المسجوع والمُقفّى, بالمُضمر من الكلام بأشكال من الألغازتعرفت عليها الأجيال, وحفظها البلغاء ودوَّنوها في مؤَلفاتهم, وكانت الغاية منها (إمتحان الألمعيّة) كما يقول الحريري في تقديمه لمقاماته
ويدخل اللغز في باب الأستعارة غير المباشرة, كما ورد في سورة يوسف الآية 4 " يا أبتِ إنّي رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.), فالنص القرآني يُفيد بجمالية الرمز, والعدد, والمعنى الكامن فيها.
وتأتي مقاييس الجمال عن طريق الوصف, ويعتمد الوصف على إستجابة الحواس الخمس للإنسان؛ فبعض الوصف يأتي عن طريق النظر, وبعض الوصف عن طريق السمع, أو الشمّ, أو اللمس, أو الذوق, إن كان الموصوف مُجسَّداً, ماديّاً, أو كائناً حيّاً؛ وبالإدراك الحسّي, والخيال إن كان الموصوف خيالاً كالشبح أو الظل, أو رمزاً كإسم شخص أو مكان ذي خصوصية في مشاعر الواصف, وقد يكون الموصوف عمومياً بالمساحة والإتساع كالمدينة أو القرية أو الوادي, ويشمل الوصف كل ما يتعلَّق بحركة الزمن, من خلال حركة الشمس والقمر, والمواسم والأيام وساعات الشروق والغروب..
ويستخدم الواصف ما يملك من أدوات البلاغة؛ من إستعارات وتشبيهات وتصوير وتجسيم, إضافةً إلى طلاوة اللغة وموسيقاها في التعبير.
أمّا فيما يخص الأخبار والوقائع وما يُلحق بها من أقاويل وخطب وشعر, فإنَّ أُدباء الحضارة الإسلامية قد إلتفتوا إلى ما لحق بالتراث من تزييف وتلفيق لأغراض سياسية أو نفعية.
ومن الذين أشاروا إلى هذه الظواهر الجاحظ والمبرّد والقالي وإبن دريد والتوحيدي الذي كرر بعد كل خبر ينقله قوله (أنقله كما وجدته بخط فلان..) ويُضيف (ما أكثر التحريف والتلفيق..),
والذي كشف هذه التجاوزات تعدد النسخ للنص الواحد, وقد أثبتها المُحققون في زمننا الحالي.
فقد تجد قصيدة من عشرين بيتاً لشاعر, في نسخة, وتجد أبياتاً أُضيفت لها في نسخةٍ ثانية, أو حُذفت منها في نسخةٍ ثالثة وينسحب التلفيق على الخُطب البليغة من الملوك والأمراء وقولهم الشعر والنقد, وقد تقرأ في مصدر منها أن هذا الخليفة كان فيلسوفاً في الأدب واللغة والشعر..
على أيّة حال فالأغراض واضحة ويمكن إستقرائها من تحليل النصوص وربطها بالوقائع التأريخية وشخصيات الحكّام وأهوائهم.
لذلك نُدرج الخبر والحكاية والنادرة من الزاوية الفنيّة لاغير؛ فالمقال يتناول أنماط الكلام في السردية العربية؛ جدّاً أو هزلاً.
وقد لاحظنا إعتماد أصحاب المؤلفات الكبرى على هذه التقاطبية الثنائية؛ حيث يجري تناوب الجد والهزل في النثر والشعر وشمل ذلك قصص وأخبار الخلفاء والوزراء والقادة والعلماء.
يُلاحظ أثر البيئة العربية من جغرافية وأنواء ومخلوقات, وبشكل خاص الصديقة منها للإنسان, والتي تُساعده في البقاء والتنقّل والحروب, فلا نستغرب, وصف الفرس الأصيل بأكثر من خمسين وصفاً كما سيأتيَ في حكاية الجواري الخمس, وأكثر من تسعين صفة في الحكاية التي نختم بها مقالنا. ومثلها أمراض الحيوانات ونقاط ضعفها, وسلالاتها وأعمارها, ومواسمها, وعاداتها ومثل ذلك ينطبق على الجِمال, والضباء والكلاب والذئاب والطُيور.
ولمن يستزيد في هذا الباب يرجع إلى كتاب الحيوان للجاحظ.
ولم نأتِ بجديد إذا قُلنا أنَّ بيئة الصحراء كانت موضوع العرب المحوري الذي رسَّخ قواعد لغتهم إلى يومنا هذا. ومن علامات البيئة إشتقّوا رموز الجمال, ومن هياكل الأجسام البشرية والحيوانية إستنبطوا القيَم الجمالية, وقاربوا بين أعضاء جسم الإنسان وبين علامات الطبيعة من نبات وزهر وثمر وورق, ولون وإستقامة في الوقوف, وتشبيه بالأغصان في الحركة والميلان وغير ذلك تضمنته مؤلفات ودواوين أدباء وشعراء ذلك العصر.
تنوَّعت آليات البلاغة العربية في التوصيل والتجسيم والتصوير, ومن أهم أدواتها الوصف في الشعر والنثر, حتى تشعبت فنون الوصف وطرائقه وأدواته؛ ومنها المُباشر, ومنها غير المُباشر وهو الأجمل والأبلغ؛ كالتشبيه والإستعارة, وأنواع الإستعارات, ومنها المعنى المُضمر, وفي هذا الباب شرح يطول وقد كتبوا فيه وما زالوا يكتبون.
وفي تأريخ البلاغة العربية مُقابلات في الوصف, ومباريات بين الأُدباء في المجالس والدواوين الثقافية ومجالس الخلفاء؛ فالوصف لغة بيانية تُحاكي النسيج اليدوي؛ الضفر والتكرار والتلوين والتطابق والتعاكس, وقد إسترشد الإنسان البدوي بالأعداد التي تآلف مع تداولها؛ أعداد أصابع اليدين والرجلين؛ أعداد أطراف الحيوانات, وأجزاء جسمها؛ أعداد أيام السنة وشهورها ومناسباتها, وبالتالي فالأعداد الحسابية إستُخدمت كإستعارات عن عناصر ماديَّة وحياتية يألفها الإنسان, ويُدرك معناها على الفور. فالعناصر المثالية التي إشتقَّ منها الإنسان العربي هي الزمان والمكان والكون والمخلوقات والحياة وما بعدها.
والمعلوم أنَّ الشعر العربي سبق النثر بهذا الفن الوصفي الذي يعتمد إضمار المعاني في الصوَر الشعرية, والكلمات والعبارات المجازيّة ذات الدلالات المُختلفة, وكان مقياس الشعر يعتمد على هذه البلاغة التصويرية الغنيّة بالإستعارات من الحياة والكون والطبيعة ومن الأشياء الماديّة.
للإنسان علاقة بعدد الأيام التي مضت والتي ستأتي. وكانوا يؤرخون حياتهم بعدد المواسم, وما زالت لغة الأعداد الكبيرة تحضى بالمهابة والتقدير وهي من خصائص البيئة الشرقية؛ بيئة القبائل والجيوش والسلالات الكبيرة وغيرها.
قد لانجد هذا الهوَس السايكولوجي في وعي الإنسان الأوربي.
ومن الوصف الهجائي ما يستخدم أبعاد الجسم هندسيّاً في الطول والقُصر والضخامة والنحول, كما في النص التالي للجاحظ:
( كان أحمد بن عبد الوهاب مُفرِط القِصر, ويدّعي أنه مُفرِط الطول, وكان مُربعاً, وتحسبُهُ لسِعةِ جُفرتِهِ وإستفاضَةِ خاصرتهِ مُدوَّراً, وكان جَعِد الأطراف قصير الأصابع, وهو في ذلك يدَّعي البساطة والرشاقة, وأنّه عتيق الوجه, أخمصُ البطن مُعتدل القامة, تامّ العظم, وكان طويل الظهر, قصير عظم الفَخِذ, وهو مع قِصِر عظم ساقه يدَّعي أنّه طويل الباد رفيع العماد, عاديُّ القامة, عظيم الهامةِ, قد أُعطيَ البسطةَ في الجسم والسعة في العلم, وكان كبير السن مُتقادم الميلاد, وهو يدَّعي أنه مُعتدل الشباب, حديث الميلاد..) – الجاحظ: رسالة التربيع والتدوير-
يواصل أبو عثمان تحليل الفوارق بين الطول والعرض, ويشرح بالأمثلة والآيات فضائل القصر على الطول. فيذكر أنَّ أصلب الموجودات قصارها, وصغارها, كالحصى في الصلابة, والأفاعي والعقارب في الخطورة. وأفضليَّة العرض على الطول ما تشهد به الآية" وجنةٌ عرضها السماوات والأرض." ولم يقل طولها السماوات والأرض...( وقد قالوا في الحسَن: كأنه طاقة ريحان, وكأنه خطوط بان, وكأنه قضيب خيزران, وكأنَّه غُصنُ بان, وكأنهُ رمحٌ رُدينيٌّ, وكأنه صفيحةٌ يمانيّةٌ, وكأنه سيفٌ هندوانيٌ, وكأنها جانٌ, وكأنها جدَلُ عِنان, فقد قالوا: كأنه المُشتري, وكأنَّ وجهه دينارٌ هرقليٌ, وما هو إلاّ البحر, وما هو إلاّ الغيث, وكأنه الشمس, وكأنها دارةُ القمر, وكأنها الزّهرة, وكأنها الدرَّة, وكأنها غُمامة, وكأنها مَهاة؛ فقد تراهم وصفوا المُستدير والعريض, بأكثر مما وصفوا به الطويل والقضيف.)- نفسه-
نكتفي بهذا المثال من الجاحظ لأن لنا وقفة معه في هذا الباب تحديداً في مقالٍ قادم.
في المقطع التالي صورة لحضور متوالية الزمن الحسابية في معنى (الدنيا لذّات معدودات)
(... وقال فيلسوف الدنيا لذّات, لذّة ساعة, ولذَّة يوم, ولذّة أسبوع, ولذّة شهر, ولذّة سنة, ولذّة الدهر؛ فأمّا لذَّة الساعة فالجماع, وأمَّا لذَّة اليوم فمجلس الشرب, وأمَّا لذَّة الأُسبوع فلين البدن من النورة, وأمَّا لذَّة الشهر فالفرح بالعرس, وأمَّا لذَّة السنة فالفرح بالمولود الذكر, وأمَّا لذَّة الدهر فلقاء الأخوان مع الجدّة.) هكذا وجدتها في البصائر والذخائر للتوحيدي ص 38-
ويعقبها النص التالي:
( سُئِل عمّار بنَ ياس عن الكوفة فقال: رأيتها حلوَة الرضاع مُرَّة الفطام.). – نفسه-
ويُفهم من النص أن المدينة أليفة وكريمة وهجرها صعب.
وقد إستخدم الرضاع والفطام كإستعارة عن زمنين مُتعاقبين, في نفس الوقت إستخدم الحلاوة والمرارة في هذا التعاقب الزمني في نظرته للمدينة,
( قيل لمحمد بن هارون: أيهما أطيب الربيع أم الخريف؟ فقال: الربيع للعين – يعني الزهر- والخريف للفم – يعني الثمر-)- نفسه- ص 91-
(قال بعض الأُدباء: زعمَ المنجمون أن الهلال نجم نُحس وأجمع أهل العلم إنَّ عامّة حاجات الناس إنما تجري مع الأهلَّة منها: التاريخات كلّها, ومحل الديون, وفراغ الصنّاع والتجّار, ويوم الفطر, وآجال المُستغلات, وقدوم الولاة, وزيادة المد ونقصان الجَزر مابين الصين إلى المذار.) – نفسه – ص 129-
ومن الحكايات ما يُوضع للضحك في المجالس مثل:
( وقال رجلٌ من آل الحارث بن ظالم: والله لقد بلغني أن الحارث غضبَ يوماً فإنتفخ في ثوبه, فندَرَ من عنقه أربعة أزرار ففقأت أربع أعين من عيون جُلسائه. وكان هذا الرجل مشهوراً بالكذب.) – نفسه- ص 128-
ورغم تلفيق الحكاية فإن صانعها لم يخرج عن لغة الأرقام في المُبالغة.
وفي الروايات حديث إجتماع ثلاثة شعراء في مجلس يزيد بن معاوية الذي طلب منهم وصف الأسد, على أن لا يتضمّن الوصف أبياتاً من الشعر, والشعراء هم أبو زبيد الطائي وجميل بنَ مُعمَّر العذري والأخطل التغلبي؛ فإبتدأ أبو زبيد وصفه للأسد فقدَّمَ ثلاثين صفة في مزايا الأسد؛ واصفاً شكله وهيئته ورأسه ومخالبه وإستعداده للإنقضاض ثم أعقب كلامه بأبيات من الشعر.
وجاء دور جميل فوصف الأسد بعشرين صفة مُغايرة لوصف أبي زبيد أعقبها بثلاثة أبيات من شعره.
ثمَّ تقدَّم الأخطل ليصف الأسد في تسع صفات مُغايرة لما ذكره السابقان, وختمها بأربعة أبيات من شعره.
فيكون مجموع الصفات من الثلاثة تسعة وخمسين وصفاً في النثر, وإذا إستعرضنا أوصاف الثلاثة شعراً نحصل على الآتي:ً فأبي زيد ضمّن أبياته الثلاث تسع صفات في تصوير هيئة الأسد.
وضمَّن جميل أبياته ثمان صفات.
وضمَّنَ الأخطل أبياته الأربعة أربع عشرة صفة.
فكان مجموع ما وصفوه شعراً إحدى وثلاثين صفة, ويكون المجموع في النثر والشعر من الصفات تسعين حالة وصورة وكل صفة تستقل عن غيرها في التصوير والتعبير وفي سياق الإيقاع اللفظي.- يُنظر ذيل الأمالي لأبي علي القالي ص 80-81-
نستغني عن صدق الحكاية من الناحية التأريخية ونتناولها من إطارها الفنّي كقطعة نثريّة لها أمثال تكررت كثيراً في الرواية العربية؛ ولها مميِّزات في الوصف أساسها الطباق والجناس والسجع والإيقاع, وفي كل حكاية سلسلة من الأوصاف المزدوجة؛ ثنائية التطابق, أو ثلاثية أو رُباعية.
وقد لا حظنا إعتماد الوصف العربي على هذه التقنيات في وصف النساء للرجال ووصف الرجال للنساء ووصف الخيل والجِمال.. ونتوصّل إلى السياق البياني الذي يستند عليه الوصف؛ تقنيَة المتواليات العدديَة.
ونستذكر هنا الشاعر عروة بن حزام بعدما طلب منه عمه ثمانين ناقةٌ, مهراً لتزويجه من عفراء فقال نونيته الشهيرة ومنها هذا البيت:
(يُكلِّفني عمّي ثمانينَ ناقةً... وما ليَ ياعفراءَ غيرُ ثمانِ).
فإستخدم الثمانية, العدد الحقيقي الأصغر, مضروباً في عشرة, فيكون ثمانين لقياس المُبالغة في تضخيم العدد الأكبر, وإن كان طلب العم واقعاً حقيقةً, فالعدد الأصغر إستعارة عن ضيق ذات يد الشاعر وليس واقعاً.
ومن الحيوانات الصديقة للإنسان, والمُعينة له في الشدائد إثنان هما الفرس والجَمل, لذلك حضيت بإهتمام الإنسان العربي, فوصفها وصفاً تشريحيّاً, وحفظ أيامها, وأعمارها وأنسابها, ومواصفات أجسامها في الطول والعرض والإرتفاع عن الأرض, فكثُرَت المُدوّنات عنها, وأغناها ما يتعلَّق باللغة في وصف الخيل.
وفي هذا الباب تكررت حكاية وصف الفرس بشكل خاص, وُيقال أنها حُكيَت في مجلس سيف الدولة, وفيها حكاية إضافية, وقد ذكرها التوحيدي في البصائر والذخائر وذكرها الجاحظ في الحيوان, وقد يكون الجاحظ أول مَن رواها, وبعده إبن دريد وأبي علي القالي الذي رواها موَّسعةً في كتاب النوادر المُلحق بكتاب الأمالي.
و(مطلب حديث الجواري الخمس اللاَّتي وصفنَ خيل آبائِهنَّ.)
والمتَّبع في البدايات يقول أخبرني أبو بكر بن دُريد عن عمِّه عن فلان أنَّ الجواري الخمس إجتمعنَ ليصفنَ خيل آبائِهنَّ:
فقدّمت الأولى عشر صفات في محاسن فرس أبيها.
أعقبتها الثانية فوصفت فرس أبيها بإحدى عشرة صفة.
ووصفت الثالثة فرس أبيها بثمان صفات.
ثمَّ تكلمت الرابعة بوصف فرس أبيها بإحدى عشرة صفة.
وجاء دور الخامسة لتزيد عليهنَّ فتُقدِّم ستة عشر وصفاً لمحاسن فرس أبيها.
فيكون مجموع ما وصفنَّ به الأفراس ستة وخمسين وصفا,ً أراد صاحب الحكاية أن يُفرِّقها على خمسة أصوات غرضها الإمتاع والتسلية.
تُقدِّم لنا هذه الحكاية نموذجاً للوصف السائد في الثقافة العربية في القرون الثلاثة الأولى.
في النثر العربي أمثلة وافية من هذه التقنيات تطرّقنا لبعضها في مقالات سابقة, ونكتفي هنا بحكاية وصف الفرس المذكورة نظراً لطولها وضرورة تعقيب الكلمات بالشرح المُفيد للقارئ.
(ما أنشدهَ أبو عُبيدة في كتاب الخيل لعبد الغفّار الخزاعي من أبيات يصف فيها الفرس ننتخب منها بعض الأبيات:
- ( طويلُ خمسٍ قصيرُ أربعةٍ... عريضَ ستٍّ مُقلِّصُ حَشْوَر.
حدَّت له تسعةٌ وقد عَرِيَت ... تِسعٌ ففيه لمن رأى منظر.
بعيدُ عشرٍ وقد قرُبنَ له ... عشرٌ وقد طالت ولم تقصر.
...
رقيقُ خمسٍ غليظُ أربعةٍ... نائي المَعَدَّينِ ليِّن الأشعر.)
(قال أبو عبيدة: يعني بقوله طويلُ خمسٍ: طويل نصيل الرأس, طويل الأُذنين, طويل العنق والكتفين, طويل البطن من غير أن تقترب من الأرض, طويل الأقراب, طويل الناصيَة. طويل الذراعين, طويل الرجلين, فهذا ما يُستحب من الفرس أن يطول وقد ذكر الشاعر منها خمساً.
وقوله: قصيرُ أربعةٍ أي قصير الأرساغ, قصير عسيب الذنَب, قصير النَّضيِّ, قصير الكُراعين, قصير الأُطرَة, وهي عصبة فوق الصِّفاق, وهذا ما يُستحسن من القُصر في الفرَس, وهنَّ عشر وقد ذكر الشاعر منهنَّ أربعاً.
وقال: عريضُ ستٍّ أي عريضُ الجبهة, عريضُ اللَّبان, عريضُ المَحزِم, عريض الفَخذينِ, عريضُ وظيفيِّ الرجلينِ, عريض مَثنى الأُذنينِ, فهذا ما يُستحب أن يَعُرض من الفرس وهنَّ تسع, وذكر هذا الشاعر منهنَّ ستاً.
وقوله: حدَّت له تسعةٌ أي حديد الأُذنين, حديد المَنكبين, حديد العينين حديد القلب, حديد
عُرقو بَي الرِجلَين, حديد المَنجِمين وهما عظمان في الكعبين مُتقابلان في باطنهما, حديد الكتفين.
فهذا ما يُستحبُّ أن يحدَّ من الفرَس, وهنَّ ثلاث عشرة, وذكر هذا الشاعر منهنَّ تسعاً.
وقوله: وقد عرَت تسع أي عاري النواهق, عاري السُمومِ, عاري الخدَّينِ, عاري الجبهةِ, عاري مثنى الأُذنين, عاري الكعبينِ, عاري عصب اليدينِ, عاري عصب الرِّجلينِ.
فهذا ما يُستَحبُّ أن يَعرى من الفرس وهنَّ خمسُ عشرة وذكر هذا الشاعر منهنَّ تسعاً.
وقوله: بعيدُ عشرٍ, بعيد ما بينَ العينين, بعيد ما بينَ الجحفلة والناصيَة, بعيد ما بين العينين والأُذنين, بعيد ما بين أعالي اللَّحيين, بعيد ما بين الناصيَة والعُكوَة, بعيد ما بين الحاركِ والمِنكب, بعيد العَضُدين والركبتين, بعيد ما بين البطن والرُّفغين, بعيد ما بين الحَجبتين والجاعرتين, بعيد مابين الشراسيف.
فهذا ما يُستَحب أن يَبعد ما بينهما منَ الفرَس, وهنَّ عشراً ولم يعدَّ البين أعني بين كل شيئين فيكُنَّ ستاً, ولكنَّه عدَّ كل إثنين تباعدا. فيكون العد الكلّي ست عشرة حذف منها الشاعر ستة.
وقوله: وقد قرُبنَ له عشر أي قريب ما بين المُنخُرين, قريب ما بين الأُذنين, قريب ما بين المنكبين, قريب ما بينَ الرُّفغين, قريب ما بين الرُكبتين والجنبين, قريب ما بين الجُبب والأشاعر, قريب ما بين الحاركِ والقَطاة, قريب ما بين المَعدَّين والقُصرَيين, قريب ما بين الجاعرتين والعُكوَة, قريب ما بين الثفنتين والكعبين, قريب ما بينَ صِبيَّي اللَّحيين.
فهذا ما يُستحبُّ يَقرُب من الفرس. وإن عددتَ البين وجدتَ أحد عشرَ بيناً, وإن عددت ما قرُب منها فهنَّ ثنتان وعشرون.
وقوله: رقيقُ خمسٍ أي رقيق الجحافل, رقيق الأرنبة, رقيق عرض المنخرين, رقيق الجفون, رقيق الأُذنين, رقيق الحاجبين, رقيق الأُذنين, رقيق الخدّين, رقيق الشعر, رقيق الجلد, رقيق شعر الثُنن, رقيق شعر الرُّكبتين, رقيق الخُصَل. فهذا ما يُستحبُّ أن يَرِقَّ من الفرس وهنَّ سبعُ عشرة, وقد ذكر هذا الشاعر منهنَّ خمساً.
وقوله: غليظُ أربعةٍ أي غليظ الخَلْق, غليظ القوائم, غليظِ القَصَرَة, غليظ عُكوَة الذَّنَب, وقد أرحَبَ منه أي رَحبُ الشِّدقين, رحب المِنخرين, رحب الإِهاب, رحب الجوف, رحب العِجان, رحب اللَّبان.
فهذا ما يُستحب أن يَرحُب من الفرَس, وهنَّ تسع..) – الذيل والنوادر من الأمالي ص 52-
- فنان تشكيلي وكاتب
#شاكر_حمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟