|
|
هاينريش بُل… ما تبقّى بعد الحرب
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 11:37
المحور:
الادب والفن
الإنسان في مواجهة خراب الحرب
لم يكن هاينريش بُل كاتباً يبحث عن الحرب بوصفها حدثاً تاريخياً، بقدر ما كان معنياً بالإنسان الذي يجد نفسه داخلها، ثم يخرج منها حاملاً آثارها في ذاكرته وعلاقاته ونظرته إلى الحياة. ومن هذا المنطلق تشكل عالمه الأدبي، الذي اتسع مع مرور السنوات ليشمل المجتمع والسلطة والمؤسسات والإعلام، من دون أن يفقد اهتمامه الأساسي بمصير الفرد وكرامته. وُلد بُل في الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1917، في مدينة كولونيا الألمانية، في أسرة كاثوليكية تنتمي إلى الطبقة الوسطى. نشأ في بيئة عائلية لم تكن منسجمة مع النزعة القومية المتطرفة التي أخذت تتسع في ألمانيا، وكان والده يعمل في النجارة وصناعة الأثاث. شهد في طفولته وشبابه آثار الحرب العالمية الأولى، والأزمة الاقتصادية، وصعود النازية، ثم وصول هتلر إلى السلطة عام 1933. وفي هذه الأجواء أخذ اهتمامه بالأدب يتشكل، لا باعتباره نشاطاً ثقافياً منعزلاً عن الحياة، بل وسيلة لفهم العالم والاحتفاظ بمسافة نقدية من الأفكار التي تحاول إخضاع الإنسان. بعد إنهاء دراسته الثانوية عام 1937، عمل فترة قصيرة في تجارة الكتب، ثم التحق بالخدمة العسكرية عام 1939، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. أمضى سنوات في الجيش الألماني، وتنقل بين جبهات ومناطق مختلفة، وتعرض للإصابة أكثر من مرة، قبل أن يقع في الأسر الأمريكي في أبريل 1945. وقد تركت هذه التجربة أثراً عميقاً في رؤيته للحياة؛ فهو لم يعرف الحرب من خلال الأخبار أو الروايات التاريخية، بل عاشها جندياً لا يملك السيطرة على مصيره، ويجد نفسه محكوماً بأوامر وظروف قد تقرر في لحظة واحدة مصيره ومصير الآخرين. عاد بعد الحرب إلى كولونيا، المدينة التي أصابها دمار واسع، ووجد نفسه أمام بلد يحتاج إلى إعادة بناء مادي وأخلاقي. تزوج عام 1942 من أنيماري تشِك، التي ظلت شريكته في الحياة والعمل الأدبي، وأسهمت في ترجمة عدد من الأعمال إلى الألمانية. وفي السنوات التالية بدأ ينشر قصصه، واتجه تدريجياً إلى الكتابة بوصفها مهنته الأساسية. في عام 1949 نشر روايته الأولى القطار وصل في موعده، التي تناول فيها جندياً يدرك أن الموت يقترب منه، بينما تستمر الحياة من حوله في حركتها المعتادة. لم تكن الحرب في الرواية خلفية للأحداث فحسب، بل قوة تحاصر الفرد وتسلبه إمكان الاختيار. وفي مجموعته القصصية أيها المسافر، إذا وصلت إلى سبا... الصادرة عام 1950، كشف عن قدرته على تقديم آثار الحرب من خلال مشاهد مقتضبة وشخصيات مأزومة، بعيداً عن الخطابة والمبالغة. لم يتجه بُل إلى كتابة الملاحم العسكرية أو تمجيد المعارك، بل اختار الجنود العائدين، والأسر التي فقدت أبناءها، والبيوت التي تغيرت معالمها، والأشخاص الذين يحاولون استعادة حياة لم تعد تشبه ما عرفوه من قبل. ومن هنا بدأ يتضح اتجاهه الأدبي: لم يكن يبحث عن صورة الحرب بقدر ما كان يبحث عن الإنسان الذي بقي بعدها. ومع بداية خمسينيات القرن العشرين، اتسع عالمه الروائي ليشمل المجتمع الألماني في مرحلة إعادة البناء. كانت المدن تستعيد عمرانها، والمصانع تستأنف نشاطها، والظروف الاقتصادية تتحسن تدريجياً، لكن هذا التحول لم يكن يعني أن المجتمع قد واجه ماضيه مواجهة كاملة، أو أن الأفراد تخلصوا من الآثار التي تركتها النازية والحرب. في هذا المناخ نشر روايته لم تقل كلمة واحدة عام 1953، متناولاً زوجين يعيشان في ظروف اقتصادية صعبة، ويواجهان تباعداً أخذ يتسع بينهما تحت ضغط الفقر والسكن والعمل والمسؤوليات العائلية. لم يبحث عن أسباب الانهيار في أحداث استثنائية، بل كشف كيف تتسلل الأزمات إلى العلاقات الإنسانية عبر تفاصيل الحياة اليومية. وفي رواية بيت بلا حراس عام 1954، اتجه إلى عالم الأطفال والأسر التي فقدت آباءها في الحرب، متناولاً أثر الغياب في تكوين الأجيال الجديدة. لم يجعل الأطفال مجرد ضحايا يستدرون العاطفة، بل منحهم حضوراً يكشف طبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه، والتناقض بين ما يتطلع إليه الكبار وما يستطيعون توفيره للصغار. أما في خبز السنوات الأولى عام 1955، فقد اقترب من التحولات التي أصابت القيم والعلاقات في المجتمع الذي بدأ يتجه نحو الاستهلاك وتحسين مستوى المعيشة. ومن خلال شخصية شاب يعمل في إصلاح الأجهزة الكهربائية، يتناول العلاقة بين الإنسان والأشياء، وبين الحاجة المادية والقدرة على اكتشاف معنى آخر للحياة. وفي مجموعته الساخرة صمت الدكتور موركه المجموع عام 1958، كشف جانباً مختلفاً من موهبته، مستخدماً المفارقة في نقد المؤسسات الإعلامية والثقافية، وكيف يمكن للكلمات أن تفقد معناها حين تخضع للتوجيه والمصلحة. أما روايته بلياردو في التاسعة والنصف، الصادرة عام 1959، فتمثل محطة مهمة في نضج تجربته الفنية. ففيها تداخلت الأزمنة والذكريات ووجهات النظر، لتتجمع أمام القارئ حكاية عائلة ألمانية عبر أجيال مختلفة. ومن خلال هذا البناء ربط بُل بين الماضي والحاضر، وبين اختيارات الأفراد والنتائج التي تترتب عليها. لم يعد التاريخ أحداثاً انتهت، بل أصبح حاضراً في الذاكرة والسلوك والعلاقات التي ورثها الأبناء عن الآباء. كان بُل يدرك أن إعادة بناء المدن لا تكفي وحدها لإعادة بناء الإنسان، وأن التحسن الاقتصادي لا يجيب عن الأسئلة الأخلاقية التي تركها الماضي. ولذلك لم يكن نقده للمجتمع الجديد رفضاً لإعادة البناء أو التحسن المعيشي، بل مساءلة لما بقي من أنماط التفكير والمصالح والسلوكيات التي لم تتغير بالقدر نفسه الذي تغيرت به الشوارع والمؤسسات. وفي مطلع الستينيات، أخذت كتابته تقترب أكثر من القضايا العامة، وبدأ اهتمامه يتجاوز تصوير النتائج الاجتماعية للحرب إلى مساءلة المؤسسات التي تشارك في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك. وكانت علاقته بالكاثوليكية من المسائل التي احتلت مكاناً مهماً في هذا التحول. فقد نشأ في بيئة دينية، وظل الإيمان المسيحي حاضراً في تكوينه الأخلاقي، لكنه لم يكن مستعداً لأن يجعل انتماءه الديني سبباً للصمت أمام ما يراه من تناقض بين المبادئ الإنسانية والممارسة المؤسسية. وفي عام 1961 نشر رسالة إلى كاثوليكي شاب، وهو نص يعكس مراجعاته الفكرية وعلاقته بالمؤسسة الكنسية. لم تكن المسألة رفضاً للدين بقدر ما كانت اعتراضاً على استخدامه لتبرير مواقف اجتماعية وسياسية، وعلى الصمت تجاه قضايا تتطلب موقفاً أخلاقياً واضحاً. وفي عام 1963 نشر روايته آراء مهرج، التي أصبحت من أبرز أعماله وأكثرها إثارة للجدل. اختار فيها شخصية فنان يعمل مهرجاً محترفاً، اسمه هانس شنير، ليجعل منها مركزاً لمساءلة المجتمع الألماني. يعيش هانس أزمة شخصية بعد ابتعاد ماري عنه، المرأة التي يحبها، إثر انتقالها إلى الوسط الكاثوليكي وزواجها من رجل آخر. ومن هذه الخسارة تبدأ سلسلة من الذكريات والمراجعات والاتصالات الهاتفية التي تكشف طبيعة العلاقات المحيطة به. لكن الرواية لا تقدم قصة حب فاشلة فحسب؛ فخلف الخلاف بين هانس وماري تظهر طبقة اجتماعية تحرص على صورتها الأخلاقية، لكنها لا تخلو من التناقض بين ما تعلنه من مبادئ وما تمارسه في حياتها. ومن خلال ذاكرة هانس يعود بُل إلى تاريخ العائلة والمجتمع، وإلى مواقف بعض الشخصيات خلال الحقبة النازية، ليضع الحاضر أمام أسئلة لم تجد إجابات كافية. وقد اختار المهرج تحديداً ليكون صوت هذه المواجهة؛ فالمهرج يستطيع أن يكشف التناقضات بالسخرية، وأن يقول ما يصعب قوله بلغة مباشرة، لكنه يدفع ثمن هذه الحرية عزلةً وصعوبةً في التكيف مع عالم يطلب منه أن يتصرف وفق معايير لا يؤمن بها. ومن الناحية الفنية، اعتمد بُل صوت الشخصية الرئيسية، وتداخل الحاضر مع الذكريات، وجعل مساحة كبيرة من الرواية تدور خلال أمسية واحدة، بينما تتسع الذاكرة لاستحضار سنوات من التجارب والعلاقات. وهكذا أصبح البناء الروائي وسيلة للكشف عن تاريخ الشخصية ومجتمعها، لا مجرد ترتيب للأحداث. ولم يكن نقده موجهاً إلى الإيمان الديني بحد ذاته، بل إلى التناقض بين القيم التي تعلنها بعض المؤسسات وممارساتها الاجتماعية والسياسية. وهذا ما يجعل موقفه أكثر دقة؛ فقد ظل مهتماً بالرحمة والتسامح والمسؤولية الأخلاقية، لكنه أراد لهذه القيم أن تكون حاضرة في الحياة الفعلية، لا أن تبقى شعارات محفوظة. ولم يبق اهتمام بُل بهذه القضايا محصوراً في الرواية. فقد أخذ يشارك بصورة متزايدة في النقاشات العامة المتعلقة بحرية التعبير ومسؤولية المثقف والعلاقة بين السلطة والمجتمع. وبعد بناء جدار برلين عام 1961، شارك في مبادرات ثقافية تتعلق بمصير المدينة ووحدتها، كما دافع عن الكاتب والمغني الألماني الشرقي وولف بيرمان. وفي عام 1968 شارك في الاحتجاجات التي شهدتها بون ضد قوانين الطوارئ، دفاعاً عن الحريات العامة. وفي عام 1971 نشر روايته صورة جماعية مع سيدة، التي تُعد من أكثر أعماله اتساعاً في البناء والرؤية. اختار هذه المرة امرأة ألمانية عادية، هي ليني غرويتن، ليقدم من خلال حياتها صورة واسعة لمجتمع عاش تحولات سياسية واقتصادية وأخلاقية عميقة. تنتمي ليني إلى عائلة ميسورة، لكنها لا تسير في حياتها وفق حسابات الطبقة التي جاءت منها. وخلال الحرب تنشأ بينها وبين أسير حرب سوفيتي يدعى بوريس علاقة حب تتجاوز الحواجز التي فرضتها الظروف السياسية والعسكرية، غير أن مصيره ينتهي بالموت. ومن هذه العلاقة يكشف بُل المسافة بين الإنسان بوصفه فرداً له مشاعره وحقوقه، وبين الأنظمة التي تصنف البشر وفق الجنسية والانتماء والظروف السياسية. ولا تتوقف الرواية عند زمن الحرب؛ إذ تعود إلى ليني بعد سنوات، وقد أصبحت أماً لابنها ليف، وتواجه مشكلات العمل والسكن والضغوط الاجتماعية. وتتكون صورتها من شهادات وذكريات أشخاص عرفوها أو ارتبطوا بحياتها، فيختلفون في تفسير اختياراتها والحكم عليها. ومن خلال هذه الأصوات المتعددة تتكشف صورة ألمانيا التي انتقلت من النازية والحرب إلى إعادة البناء والازدهار، من دون أن تتخلص تماماً من بعض أنماط التفكير والمصالح التي صنعت ماضيها. لم يجعل بُل ليني شخصية مثالية لا تخطئ، ولم يقدمها بطلة تقليدية تنتصر في النهاية على المجتمع. لقد منحها حقها في أن تكون إنسانة لها اختياراتها وتناقضاتها واحتياجاتها، وأن تعيش وفق إحساسها الخاص بالحياة، حتى عندما لا تتوافق اختياراتها مع ما ينتظره الآخرون منها. وهكذا أصبحت حياة امرأة واحدة مدخلاً إلى تاريخ اجتماعي كامل، تتقاطع فيه الذاكرة الفردية مع التحولات العامة. وفي عام 1972 مُنح هاينريش بُل جائزة نوبل للآداب، تقديراً لكتابته التي جمعت بين النظرة الواسعة إلى عصره والمهارة الحساسة في رسم الشخصيات، وأسهمت في تجديد الأدب الألماني. ولم يكن التكريم متعلقاً برواية واحدة، بل جاء اعترافاً بمسار أدبي أعاد الإنسان إلى مركز الرواية الألمانية بعد الكارثة التي عاشتها بلاده. لكن حصوله على نوبل لم يبعده عن النقاشات العامة، بل تزامن مع مرحلة ألمانية شديدة التوتر. فقد كانت ألمانيا الغربية تواجه تصاعد نشاط جماعة الجيش الأحمر، وما رافقه من عمليات عنف مسلح واختطاف وتفجيرات واغتيالات. وفي المقابل اتخذت الدولة إجراءات أمنية مشددة، واشتد الجدل حول حدود السلطة وحقوق الأفراد، فيما لعبت الصحافة الشعبية دوراً مؤثراً في تشكيل الرأي العام. وجد بُل نفسه في قلب هذا الجدل بعدما تعرض لانتقادات صحفية بسبب مواقفه الداعية إلى التمييز بين رفض الإرهاب والتخلي عن الضمانات القانونية وحرية التعبير. لم يكن يدافع عن الجماعة أو يتبنى أعمالها، بل اعترض على أساليب الإثارة والتحريض التي رأى أنها تسبق الوقائع وتؤثر في أحكام الجمهور. وقد أصبحت المسألة أكثر حساسية بعد مقاله الذي نشره في مجلة «دير شبيغل» عام 1972، وتناول فيه التغطية الصحفية لقضية أولريكه ماينهوف. ومن هذه التجربة خرجت روايته شرف كاتارينا بلوم المفقود، أو كيف ينشأ العنف وإلى أين يمكن أن يقود، التي نشرها عام 1974. اختار فيها امرأة شابة تعمل مدبرة منزل، اسمها كاتارينا بلوم، تعيش حياة مستقلة نسبياً بفضل عملها وجهدها. تلتقي في إحدى المناسبات بشاب يدعى لودفيغ غوتن، وتنشأ بينهما علاقة عاطفية، غير أن الشاب يصبح مطلوباً للشرطة للاشتباه في تورطه في أعمال إجرامية، فتجد كاتارينا نفسها فجأة في دائرة التحقيقات الأمنية والاهتمام الصحفي. تتدخل الصحافة الصفراء لتصنع من حياتها مادة للإثارة، وتبدأ بملاحقة تفاصيلها الشخصية وإعادة صياغة أقوالها وانتقاء المعلومات وتضخيمها، حتى تصبح المرأة التي كانت تعيش حياة هادئة موضع اتهام اجتماعي وأخلاقي. ولم يعد القارئ أمام وقائع يجري التحقق منها، بل أمام صورة إعلامية يجري تشكيلها وفق ما يخدم الإثارة ويضمن استمرار الاهتمام. ومع تصاعد الحملة تتعرض كاتارينا للإهانة وانتهاك الخصوصية، وتمتد آثارها إلى أسرتها وحياتها الشخصية، إلى أن تنتهي المواجهة بقتلها الصحفي الذي قاد الحملة ضدها. لكن بُل لا يقدم هذه النهاية باعتبارها حلاً أو عملاً يمكن تبريره أخلاقياً، بل يجعلها جزءاً من السؤال الذي يحمله عنوان الرواية الفرعي: كيف ينشأ العنف، وإلى أين يمكن أن يقود؟ هنا يكشف الكاتب شكلاً آخر من أشكال العنف؛ فالكلمة حين تتحول إلى اتهام وتشويه متعمد، وحين يُحرم الإنسان من حقه في الدفاع عن نفسه، يمكن أن تصبح قوة مدمرة. ولم يكن بُل يساوي بين العنف المادي والعنف الإعلامي، لكنه كان يكشف العلاقة التي قد تنشأ بينهما، وكيف يمكن للتحريض المستمر أن يدفع إنساناً محاصراً إلى الانهيار. ومن الناحية الفنية، اختار أسلوباً يقترب من التحقيق الصحفي والملف التوثيقي، مقدماً الأحداث من خلال شهادات ومحاضر ووقائع وأقوال متفرقة. ويكشف هذا البناء كيف يمكن للمعلومات نفسها أن تستخدم في التضليل عندما تنتزع من سياقها أو يعاد ترتيبها لخدمة حكم سابق. وقد تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1975، أخرجه فولكر شلوندورف ومارغريته فون تروتا، وأسهم في توسيع انتشار العمل. لم تكن مساءلة بُل محصورة في الصحافة؛ ففي عام 1979 نشر روايته الحصار الوقائي، وعاد فيها إلى مناخ الخوف الأمني والتوتر السياسي، متناولاً أسرة ثرية تجد نفسها محاطة بإجراءات الحماية والمراقبة بسبب التهديدات الإرهابية. ومن خلال هذا الوضع يطرح سؤالاً عن أثر الخوف في الحياة الخاصة، وعن اللحظة التي تتحول فيها الحماية إلى مراقبة دائمة تحد من حرية الأفراد. وفي السنوات الأخيرة ظل بُل قريباً من قضايا الحرية والعدالة والسلام. ففي عام 1976 اتخذ مع زوجته قراراً بمغادرة الكنيسة الكاثوليكية، من دون أن يعني ذلك تخليهما عن الإيمان، بل كان تعبيراً عن موقف من المؤسسة الدينية التي طالما انتقد بعض ممارساتها. وفي عام 1981 شارك في المظاهرة الكبرى التي شهدتها مدينة بون ضد نشر المزيد من الأسلحة النووية في ألمانيا الغربية، وظل مدافعاً عن حقوق الإنسان وحرية المثقفين في مختلف البلدان. وفي كتابه ماذا سيصبح من هذا الصبي؟ الصادر عام 1981، عاد إلى سنوات الدراسة والشباب في ألمانيا النازية، مستعيداً تلك المرحلة من خلال ذاكرة شخصية تحاول فهم أثر البيئة التعليمية والاجتماعية والسياسية في تكوين الفرد. لم تكن العودة إلى الماضي مجرد استذكار للسيرة، بل محاولة لفهم الكيفية التي يمكن بها للمجتمع أن يؤثر في وعي الإنسان، وكيف يستطيع الفرد الاحتفاظ باستقلاله الفكري وسط الضغوط المحيطة به. أما روايته الأخيرة نساء أمام مشهد نهري، التي أنجزها عام 1985 ونُشرت بعد وفاته، فقد عاد فيها إلى المجتمع الألماني الغربي، متناولاً عالم الشخصيات المرتبطة بالسلطة والنفوذ والمال. واعتمد فيها تعدد الأصوات والحوارات والمونولوجات، لتتجمع أمام القارئ صورة نقدية عن العلاقات التي تتحكم في الحياة السياسية والاجتماعية خلف الواجهات الرسمية. في السادس عشر من يوليو عام 1985، توفي هاينريش بُل في منزله بمدينة لانغنبرويش في ألمانيا، عن عمر ناهز السابعة والستين، تاركاً وراءه تجربة أدبية امتدت عبر الرواية والقصة القصيرة والمقالة والخطاب. لم تكن أهمية هذه التجربة في تعدد أشكالها وحده، بل في الطريقة التي حافظ بها بُل على الصلة بين الكتابة والحياة. فقد ظل الإنسان العادي حاضراً في أعماله، سواء كان جندياً عائداً من الحرب، أو زوجاً يعجز عن استعادة علاقته بأسرته، أو طفلاً يعيش في بيت فقد الأب، أو امرأة تتعرض لحملة إعلامية تسلبها خصوصيتها، أو فرداً يحاول الاحتفاظ بحريته أمام سلطة المجتمع والمؤسسات. لم يبحث بُل عن الإنسان المثالي، بل عن الإنسان الحقيقي، بما يحمله من ضعف وتردد واحتياج ورغبة في العيش بكرامة. ولم يجعل الأدب محكمة تصدر الأحكام على الشخصيات، بل مساحة تكشف الظروف التي تحيط بها، وتتيح للقارئ أن يرى ما لا يظهر في الأحكام السريعة. لقد كتب عن زمنه، لكنه لم يجعل الزمن قيداً على أدبه. فالحرب التي عرفها، والسلطة التي انتقدها، والمؤسسات التي راجع مواقفها، والإعلام الذي حذّر من قوته، تحولت جميعها إلى أسئلة تتجاوز حدود ألمانيا ومرحلتها التاريخية. وربما تكمن قيمة تجربته في أنه لم يفصل بين مصير المجتمع ومصير الفرد فقد كان يرى التاريخ من خلال حياة الناس، ويقيس التحولات الكبرى بما تتركه في بيوتهم وعلاقاتهم وضمائرهم. وهكذا بقيت الكتابة عند هاينريش بُل دفاعاً عن حق الإنسان في أن يعيش بعيداً عن الخوف والإكراه والتشويه، وعن ضرورة ألا تتحول الكلمة إلى أداة تسلبه كرامته، بل أن تظل وسيلة لفهمه والاقتراب من حقيقته.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرؤية والشكل في الفن… جدلية التطور والخصوصية
-
بابلو نيرودا… الشعر بوصفه عودة إلى الحياة.
-
ألكسندر سولجينيتسين… حين يتكلم المنسيون
-
صموئيل بيكيت… الوجود بين العبث والانتظار.
-
ياسوناري كواباتا… حساسية الروح أمام الزمن
-
ميغيل أنخل أستورياس… بين سحر الأسطورة وقسوة الواقع
-
العاقل
-
شموئيل يوسف عجنون ونيلي زاكس… الكتابة من قلب التجربة
-
ميخائيل شولوخوف… وجوه الحياة في زمن العاصفة
-
الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة
-
جان بول سارتر... حرية الاختيار وثقل الوجود
-
جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان
-
معتز رشدي حديث الجراح بالشعر
-
جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
-
منازل الحياة
-
إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
-
سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
-
سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر
...
-
بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
-
آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
المزيد.....
-
موسيقى السيرك في المدرجات.. جماهير فالنسيان الفرنسي تحتج بسخ
...
-
موسيقى السيرك.. جماهير نادٍ فرنسي تحتج بأسلوب ساخر على أداء
...
-
25 عاماً على أفلام هاري بوتر في السينما: إنتاج جديد كمسلسل ه
...
-
قاعات أمريكية كبرى ترفض استضافة جولة الفنان ماكلمور الداعمة
...
-
إليسا تعلن ارتباطها برجل ليس لبنانيا
-
خمسون عاماً على انطلاق مهرجان القاهرة السينمائي الدولي
-
مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
-
-أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
-
رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس
...
-
-رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح
...
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|