أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - ميغيل أنخل أستورياس… بين سحر الأسطورة وقسوة الواقع















المزيد.....

ميغيل أنخل أستورياس… بين سحر الأسطورة وقسوة الواقع


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 14:07
المحور: الادب والفن
    


ميغيل أنخل أستورياس… حين تتكلم الأسطورة بلسان الإنسان
Miguel Ángel Asturias (1899–1974)

وُلد ميغيل أنخل أستورياس في مدينة غواتيمالا عام 1899، في أسرة كان لها نصيب من الثقافة والتعليم، وكان والده إرنستو أستورياس محاميًا وقاضيًا، ووالدته ماريا روساليس معلمة. نشأ في بلد تتداخل فيه آثار الاستعمار الإسباني مع ثقافات السكان الأصليين، وفي مجتمع عميق التفاوت، كانت فيه السلطة السياسية والثروة والأرض عناصر مؤثرة في حياة الناس. وحين تعرضت أسرته لمضايقات في عهد الدكتاتور مانويل إسترادا كابريرا، انتقلت إلى سالاما، حيث اقترب الطفل من الحياة الريفية والحكايات الشعبية التي روتها له امرأة من السكان الأصليين. تركت هذه التجربة أثرًا في ذاكرته، وأصبحت الحكايات والأساطير التي سمعها في طفولته جزءًا من المادة الثقافية التي سيعيد تشكيلها في أدبه.
درس القانون في جامعة سان كارلوس، وشارك في الحركة الطلابية المعارضة للدكتاتورية التي انتهت بسقوط إسترادا كابريرا عام 1920. وفي عام 1922 شارك في تأسيس الجامعة الشعبية التي سعت إلى إتاحة التعليم للعمال والفئات المحرومة من الدراسة. ثم قدم أطروحة عن المشكلة الاجتماعية للسكان الأصليين في غواتيمالا عام 1923. وعلى الرغم من أن بعض أفكارها تأثرت بالتصورات السائدة في عصره وتعرضت للنقد، فإنها تكشف مبكرًا عن انشغاله بمصير تلك الفئات وموقعها في المجتمع.
غادر أستورياس بلاده إلى أوروبا، واستقر في باريس خلال عشرينيات القرن العشرين، حيث درس حضارات أميركا الوسطى القديمة، واحتك بالباحث جورج رينو، وتعمق في أساطير المايا ونصوصهم، ومنها بوبول فوه وحوليات الكاكشيكيل. وهناك التقت معرفته بالتراث المحلي بتيارات الحداثة والسريالية التي فتحت أمامه إمكانات جديدة في اللغة والصورة والبناء الأدبي. لم تكن باريس بالنسبة إليه ابتعادًا عن غواتيمالا بقدر ما كانت فرصة لإعادة اكتشافها فقد بدأ يرى أن الحكايات التي عرفها في طفولته ليست بقايا ماضٍ منسي، بل ذاكرة حية يمكن أن تدخل في صميم الرواية الحديثة.
ظهرت هذه الرؤية مبكرًا في كتابه أساطير غواتيمالا عام 1930، حيث أعاد صياغة الموروث الشعبي بلغة شعرية تتداخل فيها الأسطورة والطبيعة والذاكرة. لم يكتفِ بنقل الحكايات كما وصلته، بل منحها شكلًا أدبيًا جديدًا، مستفيدًا من تقنيات الحداثة من دون أن يفصلها عن جذورها الثقافية. وبذلك بدأ يتكون صوته الخاص، الذي يجمع بين التجربة المحلية والخيال الحديث.
عاد إلى غواتيمالا عام 1933، وعمل في الصحافة والإذاعة، في مرحلة كانت البلاد فيها تعيش تحت حكم خورخي أوبيكو. وكانت تجربة الاستبداد قد تركت أثرها في وعيه منذ الطفولة، ثم تعمقت عبر مشاركته السياسية ومعرفته بأحوال المجتمع. وفي هذا المناخ نضج مشروعه الروائي، الذي لم يفصل فيه بين مصير الفرد والبنية الاجتماعية والسياسية المحيطة به.
صدرت روايته السيد الرئيس عام 1946، بعد أن كُتبت أجزاء منها في مرحلة أسبق. استلهم أستورياس أجواء الدكتاتورية التي عرفتها غواتيمالا، لكنه لم يقدم سيرة مباشرة للحاكم؛ بل بنى عالمًا روائيًا يتغلغل فيه الخوف والوشاية والعنف والتبعية. لا تظهر السلطة في الرواية من خلال قرارات الرئيس وحدها، بل من خلال أثرها في الناس، وفي علاقاتهم بعضهم ببعض، وفي الكلمات التي يجرؤون على قولها أو يضطرون إلى إخفائها. وهكذا أصبحت اللغة نفسها جزءًا من التجربة السياسية فالتكرار والإيقاع والصور الكابوسية وتداخل الأصوات تجعل القارئ يشعر باضطراب العالم الروائي بدل الاكتفاء بمعرفة أن شخصياته خائفة.
وفي روايته رجال الذرة عام 1949، اتسعت الرؤية من الاستبداد السياسي إلى الصراع بين ثقافة السكان الأصليين ومنطق الاستغلال التجاري. فالذرة في عالم المايا ليست محصولًا زراعيًا فحسب، بل ترتبط بأصل الإنسان وذاكرة الجماعة وعلاقتها بالأرض. وحين تتعامل القوى التجارية مع الأرض باعتبارها سلعة ومصدرًا للربح، ينشأ صراع بين رؤيتين للحياة: رؤية ترى الأرض جزءًا من الوجود والهوية، وأخرى تقيسها بما يمكن أن تنتجه من مكاسب. هنا لا تعود الأسطورة عنصرًا غرائبيًا أضيف إلى الواقع، بل تصبح جزءًا من الطريقة التي تفهم بها الشخصيات عالمها وتدافع عن بقائها.
وتواصل هذا الانشغال في ثلاثية الموز: الريح القوية، التي ظهرت عام 1949 ثم صدرت طبعتها المعروفة في بوينس آيرس عام 1950 والبابا الأخضر عام 1954 وعيون المدفونين عام 1960. تناولت هذه الروايات نفوذ الشركات الأجنبية العاملة في زراعة الموز وتجارته، واستحواذها على الأراضي، واستغلال العمال، وتداخل المصالح الاقتصادية بالسلطة المحلية. في الرواية الأولى يظهر الصراع من خلال المزارعين وشروط الإنتاج والتجارة، وفي الثانية تتجسد قوة رأس المال في إمبراطورية تجارية تفرض نفوذها على المجتمع، أما الثالثة فتتسع فيها المواجهة إلى الذاكرة الجماعية وتطلعات الناس إلى التحرر. ولا يفصل أستورياس في هذه الأعمال بين الاقتصاد والسياسة فالسيطرة على الأرض ووسائل الإنتاج تستطيع أن تصبح شكلًا من أشكال السيطرة على الإنسان نفسه.
وقد ازدادت الصلة بين أدبه والواقع السياسي وضوحًا بعد الإطاحة بالرئيس الغواتيمالي جاكوبو آربينز عام 1954، في انقلاب حظي بدعم أميركي، في سياق الصراع حول الإصلاح الزراعي ومصالح الشركات الأجنبية. عاش أستورياس في المنفى خلال مرحلة من حياته، وواصل الكتابة عن بلاده ومشكلاتها. ولم يكن المنفى مجرد انتقال جغرافي، بل تجربة جعلت مسافة الكاتب عن وطنه مشوبة بالارتباط به؛ فقد ظل المجتمع الغواتيمالي وذاكرة السكان الأصليين ومصير الفئات المهمشة في قلب عالمه الأدبي.
امتدت أعماله إلى الرواية والشعر والمسرح والقصة، ومن رواياته اللاحقة مولاتا دي تال عام 1963، التي عاد فيها إلى المزج بين الموروث الشعبي والخيال والتحولات الاجتماعية. وتكشف هذه الأعمال أن تجربته لم تتوقف عند الرواية السياسية أو الثلاثية الاجتماعية، بل واصلت البحث في أشكال التعبير التي تستطيع الجمع بين الواقع والأسطورة واللغة الشعرية. ومع ذلك، فإن كثافة صوره وتداخل الأصوات والأساطير قد يجعلان بعض أعماله عسيرة القراءة، كما أن الرسالة السياسية تكون أحيانًا أكثر مباشرة من تعقيد الشخصيات. وهذه جوانب ينبغي أن تدخل في تقييمه، لأن قيمة التجديد لا تقوم على غرابته وحدها، بل على قدرته على خدمة التجربة الإنسانية.
نال أستورياس جائزة نوبل للآداب عام 1967، تقديرًا لإنجازه الأدبي المتجذر في التقاليد الوطنية والتقاليد الأصلية للسكان في أميركا اللاتينية، ولتعبيره عن تطلعاتهم. لم يكن التكريم لرواية واحدة، ولا لموقف سياسي مجرد، بل لمشروع جمع بين الذاكرة الثقافية والابتكار الفني والانشغال بمصير الإنسان. فقد جعل من تجربة غواتيمالا مدخلًا إلى أسئلة أوسع عن الاستبداد والاستغلال والهوية والعدالة، وأظهر أن التراث القديم يستطيع أن يشارك في تشكيل الأدب الحديث بدل أن يبقى حبيس الماضي.
توفي أستورياس في مدريد عام 1974، لكنه بقي أحد الأسماء الأساسية في تطور الرواية في أميركا اللاتينية. وتكمن خصوصيته في أنه لم يفصل بين الإنسان ومكانه، ولا بين الواقع الاجتماعي والذاكرة الأسطورية، ولا بين التجديد الفني والتجربة التي تمنحه ضرورته. لقد كتب عن بلاده، لكنه لم يحصر أدبه فيها لأن ما كشفه من خوف الإنسان على حريته، ومن صراعه لحماية أرضه وذاكرته وكرامته، يتجاوز حدود المكان إلى تجربة إنسانية أوسع.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العاقل
- شموئيل يوسف عجنون ونيلي زاكس… الكتابة من قلب التجربة
- ميخائيل شولوخوف… وجوه الحياة في زمن العاصفة
- الشعر العراقي الحديث… حوار الأجيال وتحولات القصيدة
- جان بول سارتر... حرية الاختيار وثقل الوجود
- جورجوس سيفيريس Giorgos Seferis ماضي اليونان وأسئلة الإنسان
- معتز رشدي حديث الجراح بالشعر
- جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
- منازل الحياة
- إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
- سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...


المزيد.....




- مآسي الحرب الأهلية السريلانكية في ترجمة عربية لرواية «أقمار ...
- -قوارب تلوح من الأفق البعيد-.. متاحف قطر تروي رحلة الخزف الص ...
- أحمد سعد يفقد صوته قبل إطلاق ألبومه -الموسيقى العربية-
- الإنتاج السينمائي التونسي:-بكمة- و-ويك إند-.. فيلما رعب ينال ...
- فرنسا: شخصيات من عالم الثقافة والرياضة توقع عريضة مناهضة للع ...
- ماكلمور يطلق جولة -الحرية لفلسطين- بعد استبعاده من حفلات إد ...
- موسكو تكشف تفاصيل مشروع المبنى الجديد للسيرك الكبير
- مركز -عدالة- في إسرائيل: نقص في أوراق الاقتراع باللغة العربي ...
- -حين تنطق أخشاب البيوت القديمة-.. متاحف قطر تحول ذكريات الأج ...
- -الحرية لفلسطين-... جولة جديدة لمغني الراب الأمريكي ماكلمور ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - ميغيل أنخل أستورياس… بين سحر الأسطورة وقسوة الواقع