أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - معتز رشدي حديث الجراح بالشعر














المزيد.....

معتز رشدي حديث الجراح بالشعر


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 00:16
المحور: الادب والفن
    


معتز رشدي حين يصبح الشعر ذاكرةً للجراح

ثمة شعراء نقترب من تجاربهم عبر اللغة والصورة، وثمة شعراء تقودنا قصائدهم إلى ما هو أبعد من جمال الكتابة، إلى حياة أثقلتها الخسارات، وذاكرة لم تستطع التخلص مما مرّ بها. وفي مختارات الشاعر معتز رشدي، يبدو الشعر محاولةً للإمساك بما تتركه الحروب في الإنسان، وبما يبقى من الحياة حين تتوالى عليها أسباب الفقد.
في قصيدته «الحصى» يبدأ المشهد من شيء صغير على الطريق، لكنه لا يبقى تفصيلًا عابرًا. فالحصى يستدعي طفولةً أفسدتها الأوبئة، وأصدقاء أخذتهم الحروب، حتى تنتهي القصيدة إلى صورة تختصر مسافة طويلة من الألم:
«فكأن الحصى دموع الميتين
بين بيتي والمقبرة».
لا يحتاج الشاعر هنا إلى شرح مطوّل فالحصى نفسه صار بكاءً صامتًا، والطريق بين البيت والمقبرة اختصر حياةً تتجاور فيها الذكريات مع الفقد. في هذه الصورة تتجلى قدرة الشعر على أن يمنح الأشياء اليومية معنى يتجاوز مادتها، وأن يجعل مشهدًا مألوفًا حاملًا لذاكرة لا تُرى بالعين وحدها.
ومن هذا الطريق تتسع المسافة إلى العراق، لا بوصفه اسمًا جغرافيًا أو موضوعًا وطنيًا جاهزًا، بل حياةً أصاب العنف تفاصيلها، وذاكرةً ما زالت تحمل آثار ما جرى. في «كأننا هو» يتداخل الفرد مع مصير الجماعة، ويغدو الإنسان محاطًا بتاريخ لم يصنعه وحده، لكنه لا يستطيع الإفلات من نتائجه. فالحروب لا تنتهي عند حدود المعارك إنها تواصل حضورها في البيوت، وفي مصائر الأصدقاء، وفي الأسئلة التي تظل مفتوحة بعد انقضاء الأحداث.
وفي «بابل» تتواجه الذاكرة مع التاريخ، وتظهر المفارقة بين السيوف التي يعلوها الصدأ في المتاحف وتلك التي تلمع تحت شمس الانتصار. كأن العنف، على اختلاف الأزمنة، يستطيع أن يجد لنفسه مبررات جديدة، فيما يبقى الإنسان معرضًا للخسارة. لا يحتاج التاريخ في هذه الصورة إلى شرح نظري فالسيف يكفي ليجمع بين ماضٍ يُعرض خلف الزجاج وحاضرٍ لا يزال يلمع فيه الحديد. وتلك إحدى المساحات التي يلتقي فيها شعر رشدي بالأسئلة العراقية الأوسع: ماذا يبقى من الانتصار حين يكون الإنسان هو الذي يدفع الثمن.
لكن الشاعر لا يكتفي بتسجيل ما جرى، بل يضع الشعر نفسه أمام امتحان الواقع. في «الذبائح» تتجاور الأسطورة مع تفصيل يومي متواضع، فتظهر المسافة بين ما تطمح إليه المخيلة وما يفرضه العالم من قسوة. ماذا يستطيع الشاعر أن يفعل أمام المأساة؟ هل تكفي الكلمات لتغيير الواقع، أم أن عليها، في الحد الأدنى، أن تحفظ للإنسان صوته حين تكاد الأحداث تطغى على حياته؟ إن السؤال عن الشعر هنا ليس ترفًا فكريًا، بل جزء من محنة الكتابة حين تواجه واقعًا يبدو أحيانًا أكبر من قدرة اللغة على احتوائه.
وتتسع هذه الرؤية في قصائد مثل «غصة الابن» و«قهقهة الحفاة قرب أطلال أور»، حيث لا تبقى الأطلال بقايا حضارة بعيدة، بل تصبح مرآةً لحاضر تتكرر فيه الخسارات. فالتاريخ لا يعيش في الكتب وحدها؛ إنه يظهر في مصائر الناس، وفي الأزقة والبيوت، وفي حياة أناس يجدون أنفسهم ورثةً لجراح لم يختاروها. ومن هنا تأتي نبرة السخرية التي تحملها بعض العناوين والصور إنها ليست بالضرورة خفةً في مواجهة الألم، بل قد تكون طريقةً أخرى لمقاومة عالم يفرض على الإنسان تناقضات يصعب احتمالها.
ومع ذلك، لا تنحصر هذه التجربة في الحزن. ففي «أغنية صغيرة» تنفتح اللغة على الربيع والطبيعة، وتظهر قدرة الشاعر على التقاط الجمال وسط عالم لا يكف عن إيلام الإنسان. وهذه النافذة ضرورية لفهم التجربة في اتساعها؛ فالحياة التي تستحق أن نكتب عن جراحها هي نفسها الحياة التي تستحق أن نصغي إلى جمالها. لا يلغي الربيع ما جرى، ولا يعيد الغائبين، لكنه يذكّرنا بأن الخراب لم يستنفد العالم كله، وأن في الإنسان قدرةً على رؤية ما يستحق البقاء.
تتنقل مختارات معتز رشدي بين القصيدة المكثفة والنص الطويل، وبين الوجع الفردي والأسئلة التي تتجاوز حدود التجربة الشخصية. وفي بعض النصوص تتزاحم الصور والإشارات حتى يتراجع أثر الصورة الأساسية تحت كثافة التعبير. وقد يمنح التشذيب بعض هذه القصائد مزيدًا من القوة؛ فالصورة حين تبلغ معناها لا تحتاج دائمًا إلى صورة أخرى تشرحها أو تضاعف أثرها. إن هذه الملاحظة لا تنتقص من التجربة، بل تنطلق من أخذها على محمل الجد، ومن الإيمان بأن القصيدة القوية لا تقاس بما تحشده من صور فحسب، بل بما تتركه من أثر بعد القراءة.
إن تقدير شاعر مثل معتز رشدي لا يحتاج إلى المبالغة في وصفه، ولا إلى الادعاء بالإحاطة بمسيرته كلها. يكفي أن نقرأ ما وصل إلينا من شعره بإنصاف، وأن نرى كيف تحاول اللغة أن تحمل ما يصعب حمله، وكيف تستعيد وجوه الغائبين والطرقات والأطلال، فتمنح الأشياء معنى آخر بعد الفقد. فالكتابة هنا مقاومة للنسيان، لا لأنها تعيد الموتى إلى الحياة، بل لأنها ترفض أن يتحولوا إلى أرقام عابرة في سجل الكوارث.
ولعل أجمل ما يمكن أن يمنحه القارئ للشاعر هو أن يأخذ كلماته على محمل الجد أن يصغي إلى ما تقوله القصائد، وأن يرى وراءها محاولةً للعثور على لغة لما عجزت الحياة عن تفسيره. فالشعر لا يرفع عن الإنسان جراحه، لكنه يمنحها صوتًا، ويفتح بينها وبين الآخرين طريقًا لا تصنعه المواساة العابرة. وبين البيت والمقبرة، وبين أطلال الماضي ووجوه الحاضر، تبقى الكلمات محاولةً كي لا تصبح الذاكرة مقبرةً صامتة، وكي لا تضيع حكاية الإنسان مرتين: مرةً حين يفقد أحباءه، ومرةً حين لا يعود هناك من يصغي إلى حكايته.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جون شتاينبك John Steinbeck واقعية تنصت إلى المقهورين
- منازل الحياة
- إيفو أندريتش Ivo Andrić البوسنة في مرآة الرواية
- سان جون بيرس Saint-John Perse الطبيعة والتاريخ في أفق الشعر
- سالڤاتوري كوازيمودو Salvatore Quasimodo بين نقاء الشعر ...
- بوريس باسترناك Boris Pasternak الحب والتاريخ والحرية
- آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
- برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
- سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
- شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي


المزيد.....




- -يمكنك رؤية كل شيء- يحقق أكبر افتتاحية لفيلم وثائقي منذ عقود ...
- نبيل فهمي: دعم لبنان ووحدة أراضيه أولوية عربية.. ونسعى لترجم ...
- انطلاق أعمال الاجتماع التاسع عشر للجنة الفنية الاستشارية لمج ...
- أسرار الإرميتاج.. من إعجاب ترامب إلى تحديات الذكاء الاصطناعي ...
- من معرض -اللحظة والأبدية-.. الفن إبداع إنساني لا تستنسخه الخ ...
- وكيل حقوق الشيوخ: منتدى مصر 2026 يعزز ثقافة الحوار والاستماع ...
- لمنع اندثارها.. آبل تدعم اللغة الأصلية للهنود الحمر في لوحة ...
- تتويج 3 روائيين بجائزة -آسيا جبار- في الجزائر.. احتفاء بالسر ...
- بين كومتين من المخلفات وبلا حزام أمان.. فنانة تبهر الأنظار ب ...
- كيم كارداشيان بفستان عمره 75 عامًا في حفل أكاديمية المتحف ال ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - معتز رشدي حديث الجراح بالشعر