أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال















المزيد.....

مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 17:25
المحور: الادب والفن
    


لم تبدأ مرغريت أتوود من العالم الواسع الذي عرفها لاحقًا، بل من مكان يبدو بعيدًا عنه الغابة الكندية، حيث الطبيعة ليست منظرًا فحسب، وإنما عالم كامل له قوانينه ومفاجآته ومخاطره. هناك بدأت عينها تتعلم المراقبة قبل التفسير، وتتعرف إلى الأشياء قبل أن تمنحها أسماءها النهائية. وربما بقيت تلك العين، أكثر من أي موضوع آخر، الخيط الخفي الذي عبر تجربتها كلها فالغابة التي كانت في البداية مكانًا حقيقيًا ستعود لاحقًا بأشكال مختلفة داخل الشعر والرواية، في الجسد والمجتمع والسلطة والخوف والمستقبل.
ولدت أتوود في كندا سنة 1939، ونشأت في بيئة كان الاحتكاك بالطبيعة جزءًا من الحياة اليومية، لا فكرة أدبية جاهزة. وكان لهذا العالم المبكر أثر في تكوين حساسية ترى الإنسان كائنًا صغيرًا داخل عالم أكبر منه، قادرًا على المراقبة والدهشة، لكنه غير قادر على السيطرة الكاملة على ما يحيط به. ومن هنا يمكن فهم جانب أساسي من تجربتها إنها لا تنظر إلى الإنسان منفصلًا عن محيطه، ولا إلى المجتمع منفصلًا عن الطبيعة، ولا إلى الحرية منفصلة عن القوى التي تحدها.
بدأت أتوود شاعرة، وكان الشعر مختبرها الأول للغة والصورة والذاكرة والجسد والقلق. وفي هذه المرحلة المبكرة لا نرى بعد الكاتبة العالمية التي ستصبح عليها، لكننا نرى بذورها الأولى الانتباه إلى التفاصيل، الحذر من المعاني الجاهزة، والقدرة على رؤية المفارقة في الأشياء، والإحساس بأن وراء الحياة اليومية طبقات لا تظهر بسهولة. ولم يكن انتقالها إلى الرواية خروجًا من الشعر، بل توسيعًا للمجال الذي يمكن أن تتحرك فيه اللغة والأسئلة.
في الرواية اتسع العالم، ودخلت الشخصيات في علاقات أكثر تعقيدًا مع المجتمع والتاريخ والمؤسسات. لم يعد السؤال متعلقًا بالإنسان وحده، بل بالظروف التي تصنع حياته وتضغط عليه وتعيد تشكيل خياراته. وهنا ظهر أحد أهم خيوط تجربتها السلطة ليست دائمًا شيئًا يأتي من الخارج في صورة حاكم أو مؤسسة يمكن أن تكون داخل العائلة، وفي العلاقات، وفي اللغة، وفي النظرة إلى الجسد، وفي القواعد التي يتعامل معها الناس وكأنها طبيعية لا تحتاج إلى سؤال.
ومن هذه المنطقة أخذت المرأة مكانًا مركزيًا في تجربتها، لكن المرأة عند أتوود ليست شعارًا منفصلًا عن الإنسان. إنها تدخل في شبكة من الأسئلة المتعلقة بالجسد والحب والعمل والخوف والحرية والذاكرة. ولذلك لا تأتي شخصياتها النسائية في صورة واحدة قد تكون ضعيفة وقوية في الوقت نفسه، وقد تكون ضحية ومشاركة في النظام الذي يحيط بها، وقد تبحث عن حريتها ثم تكتشف أن الحرية نفسها ليست طريقًا بسيطًا.
ومع اتساع هذه الأسئلة أصبح الخطر أكثر حضورًا في عالمها، لكن مصدره تغيّر. في الطفولة كان يمكن أن يأتي من الطبيعة، ثم أصبح اجتماعيًا ونفسيًا، وأخذ لاحقًا أشكالًا سياسية وتاريخية وبيئية. الذي بقي هو الإحساس بأن الإنسان يعيش بالقرب من حدود لا يراها كاملة. ولهذا فإن المستقبل في أعمال أتوود لا يبدو زمنًا لم يأتِ بعد إنه احتمال موجود داخل الحاضر، ويمكن أن يتشكل إذا غفل الإنسان عن القوى التي تعمل فيه.
وهنا تكتسب «حكاية الجارية» مكانتها الخاصة في مسيرتها. فهي تجمع أسئلة كانت تجربتها قد بدأت في طرحها قبلها المرأة، الجسد، السلطة، اللغة والخوف، والقدرة على تحويل الإنسان إلى وظيفة داخل نظام يريد السيطرة عليه. لكن قوة الرواية لا تأتي من كونها تتحدث عن مستقبل مظلم فقط إنها تجعل المستقبل مرآة للحاضر، وتجعل القارئ يعيد النظر في الأشياء التي تبدو عادية حوله. فالخطر في أدب أتوود لا يأتي دائمًا من عالم غريب، وإنما قد ينمو داخل العالم الذي اعتدنا عليه.
ثم تتسع الدائرة أكثر، فيصبح الإنسان والطبيعة معًا جزءًا من السؤال. في أعمالها اللاحقة، وخصوصًا ، لا يعود الأمر ثلاثية «ماد آدم» (MaddAddam Trilogy) بمجتمع مضطرب أو نظام سياسي فحسب، بل بمصير عالم كامل بعد أن تتعرض البنية التي صنعها الإنسان للاهتزاز والانهيار. هنا تعود الغابة القديمة، ولكنها لم تعد غابة الطفولة؛ لقد اتسعت حتى أصبح العالم نفسه فضاءً جديدًا للمخاطر والنجاة.
والإنسان عند أتوود ليس كائنًا منفصلًا عن الطبيعة، بل جزء منها، لكنه الكائن الذي وسّع قدرته على السيطرة إلى حد أصبح معه مهددًا بما صنعته يداه. لذلك فإن السؤال البيئي في تجربتها ليس موضوعًا طارئًا، وإنما امتداد لسؤال أقدم: ماذا يحدث عندما يتجاوز الإنسان الحدود التي تحيط به؟
ومع هذا الاتساع بقي الشعر حاضرًا داخل الرواية في طريقة بناء الصورة، وحساسية الكلمة، والاقتصاد، والمفارقة، والاهتمام بما لا يقال مباشرة. تستطيع أتوود أن تكتب عن قضية كبيرة، ثم تعيدها إلى شيء محسوس، جسد، غرفة، ذاكرة، علاقة، خوف، أو كلمة. كأن الفكرة الكبيرة عندها لا تكتمل إلا عندما تمر عبر حياة إنسان محدد.
وهذا يفسر جانبًا من تعدد تجربتها. لم تتوقف عند الجنس الأدبي الذي منحها النجاح، ولم تحاول إعادة إنتاج الصورة التي صنعها القراء عنها. انتقلت بين الشعر والرواية والقصة والمقال والنقد، وظلت تجربتها تتحول من الداخل. تغيرت الموضوعات والأشكال، لكن طريقة النظر بقيت حاضرة مراقبة الإنسان وهو يحاول أن يفهم العالم، والعالم وهو يعيد تشكيله.
ومع امتداد الزمن صار الزمن نفسه مادة في كتابتها، الذاكرة، تغير الذات، أثر العمر، إعادة قراءة الماضي، وما يبقى من الإنسان بعد أن تتغير الظروف التي كان يظنها ثابتة. الإنسان عندها ليس كائنًا مكتملًا، إنه في حالة تشكل مستمرة، وقد يكتشف نفسه متأخرًا، أو يرى ماضيه بعين جديدة، أو يكتشف أن قوته وضعفه متداخلان أكثر مما كان يعتقد.
ولا ينبغي أن نرى أتوود من خلال الجدية والخوف وحدهما. في كتابتها مساحة للسخرية والمفارقة والفكاهة، تمنح عالمها توازنًا إنسانيًا. إنها لا تنظر إلى الإنسان من موقع أخلاقي مرتفع، بل تراه في غروره وضعفه وذكائه وتناقضاته وقدرته على النجاة. وهذا ما يجعل عالمها أكثر تعقيدًا من مجرد صراع بين ضحية وجلاد، أو بين خير وشر واضحين.
وحين وصلت تجربتها إلى الاعتراف العالمي الكبير، لم يكن ذلك الاعتراف هو الذي صنع مكانتها، بل جاء بعد عقود من الكتابة والتجريب وتوسيع الأسئلة. كانت أتوود قد حملت معها من بداياتها شيئًا تجاوز المكان الأول الذي نشأت فيه. كندا لم تعد حدودًا لتجربتها، والغابة لم تعد مكانًا جغرافيًا، والمرأة لم تعد قضية منفصلة، والمستقبل لم يعد زمنًا بعيدًا. كل هذه العناصر تحولت إلى طرق مختلفة للاقتراب من الإنسان.
وهنا يمكن أن نعود إلى الصورة الأولى. ماذا بقي حيًا داخل تلك الطفلة التي عاشت في الغابة، حين أصبحت المرأة التي يعرفها العالم باسم مرغريت أتوود؟
بقيت العين. العين التي تراقب ولا تتسرع في الحكم، وترى ما وراء الشيء الظاهر، وتعرف أن العالم أكبر من تفسير واحد. بدأت تلك العين بمراقبة الغابة، ثم أخذت تراقب الإنسان والمجتمع والسلطة والجسد واللغة والطبيعة والزمن، حتى أصبح العالم كله مجالًا مفتوحًا للسؤال.
لهذا يمكن أن تبدو أتوود مختلفة في مراحلها، بينما يظل شيء أساسي فيها واحدًا: إنها لا تتوقف عن النظر.
الغابة اتسعت، والأسئلة تغيرت، والأشكال الأدبية تعددت، والعالم الذي تكتب عنه أصبح أكبر، لكن العين الأولى بقيت حيّة تنظر إلى الإنسان وهو يحاول أن يعيش داخل عالم لا يستطيع أن يحيط به كاملًا، وإلى العالم وهو يتغير تحت يدي الإنسان. ومن هذه العين جاءت أتوود التي نعرفها اليوم.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
- برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
- سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
- شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي
- ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
- برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف والمفكر والكاتب
- العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك
- وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية
- العفوي الجميل
- ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر
- راقية مهدي المرأة والذاكرة والوطن في أفق الكتابة
- أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.
- هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف تصنع الحياة كاتبًا؟
- سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة
- غابرييلا ميسترال حين لا تنفصل القصيدة عن صاحبها
- يوهانس ف. ينسن خصوبة الخيال بين الإنسان والتاريخ


المزيد.....




- هل أثرت الاستقالة وانسحاب النجوم على موعد مهرجان الموسيقى ال ...
- فيلم نازا يتصدر شباك التذاكر الإيطالي متفوقا على أفنجرز
- فنانة مصرية مشهورة تؤدي دور المأذون في زواج رجلين وتثير جدلا ...
- بوتين: -موسكو تلتقي الأصدقاء- يواصل اكتشاف المواهب الجديدة
- من قطب نفط إلى منقذ للبشرية.. توم كروز يخوض مغامرة -ديغر-
- مقترح بتأجيل اختبار اللغة للحصول على الجنسية السويدية
- 13 ألف تذكرة في اليوم الأول.. حفل شاكيرا المرتقب في قرغيزستا ...
- 18 طنا من الكتب ونخبة من الأدباء في معرض نيجني نوفغورود للكت ...
- هكذا صنع -الصابون- أول مسلسل تلفزيوني طويل!
- سوريا.. مهرجان حمص السينمائي.. 30 فيلماً على شاشة بين الركام ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال