أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة














المزيد.....

سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 09:33
المحور: الادب والفن
    


سعدي يوسف القصيدة حياةً يوميةً مفتوحة على العالم

ليس المطلوب من النقد أن يحب شاعرًا أو أن يرفع شاعرًا فوق النقد، لكن من حق الشعر أيضًا ألا يُحاكم بالأحكام الجاهزة، ولا أن تُختزل تجربة طويلة في موقف سياسي أو قصيدة لم تعجب ناقدًا. وهذا ما يجعل الحديث عن سعدي يوسف يحتاج إلى قدر أكبر من التريث فهو شاعر يمكن الاختلاف معه، بل ومساءلته في كثير من مواقفه ونصوصه، لكن من الصعب اختزال تجربته الشعرية الواسعة في ضجيج سياسي أو القول إنها لم تترك أثرًا يواجه الزمن.
لقد كان سعدي يوسف واحدًا من الشعراء الذين نقلوا القصيدة العربية الحديثة إلى منطقة أكثر التصاقًا بالحياة. لم يكن يبحث دائمًا عن المشهد الشعري الكبير، بل كان يلتقط ما يمر أمام العين: الطريق، البيت، المدينة، المقهى، السفر، الأشياء الصغيرة، وجوه الناس، تفاصيل المنفى واليوم العادي. ومن هنا جاءت أهمية ما يمكن تسميته *القصيدة اليومية* في تجربته فالقصيدة عنده لا تحتاج دائمًا إلى مناسبة استثنائية كي تولد، لأن الحياة نفسها، في أبسط تفاصيلها، يمكن أن تكون مادة شعرية.
والفرق كبير بين أن تكتب كلامًا يوميًا وتسمّيه شعرًا، وبين أن تكتشف داخل اليومي طاقة شعرية. سعدي يوسف اشتغل طويلًا على هذه المسافة. جعل اللغة أكثر اقتصادًا، وأبعدها في كثير من نصوصه عن الزخرفة، وترك للأشياء أن تحمل معناها بدل أن يثقلها بالتفسير. وقد ينجح في ذلك نص ويفشل آخر، وهذه طبيعة التجارب الكبيرة، لكن وجود نصوص متفاوتة لا يلغي المشروع الجمالي الذي ظل يطوره عبر سنوات طويلة.
وهنا يقع أحد أخطاء الحكم عليه فبساطة اللغة ليست بالضرورة فقرًا، كما أن الغموض ليس بالضرورة عمقًا. الشعر لا يقاس بعدد الصور البلاغية ولا بارتفاع النبرة، وإنما بما تفعله اللغة داخل التجربة. قد تكون الجملة قريبة من الكلام العادي، لكنها تحمل تحت بساطتها ذاكرة وموقفًا وإيقاعًا ودلالة وقد تكون العبارة مزينة بكل ما في البلاغة من أدوات، لكنها تخرج من القصيدة بلا حياة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم حضور سعدي يوسف في الشعر العربي الحديث. لقد حاول أن يعيد الشعر إلى الحياة، وأن يجعل الشاعر يرى العالم لا من فوقه، بل من داخله. وهذا الاقتراب من الواقع لم يكن تخليًا عن الشعر، بل كان بحثًا عن منطقة أخرى من شعريته شعرية التفاصيل، والذاكرة، والمكان، والمنفى، والإنسان العابر في يومه.
أما تحويل الخلاف السياسي مع سعدي يوسف إلى حكم نهائي على شعره، فهو خلط بين مجالين ينبغي أن يظل بينهما قدر من التمييز. من حق أي ناقد أن يرفض موقفًا سياسيًا للشاعر، وأن يناقش عباراته ومواقفه، وأن يرى فيها خطأ أو تطرفًا أو إساءة، لكن ذلك لا يصبح تلقائيًا حكمًا على القيمة الفنية. الشاعر ليس مؤسسة سياسية، والشعر لا يتحول إلى نص رديء لمجرد أن صاحبه اتخذ موقفًا لا نوافق عليه.
وبالمقابل، لا يحتاج الدفاع عن سعدي يوسف إلى تبرئة كل ما قاله أو كتبه. النقد الحقيقي يبدأ حين نكون قادرين على رؤية الجانبين معًا ما أنجزه الشاعر وما أخفق فيه، ما بقي من شعره وما سقط، ما اتسع في تجربته وما ضاق. أما إلغاء التجربة كلها لأننا نختلف مع صاحبها، فليس نقدًا، بل موقف مسبق يبحث عن أدلته.
والقول إن تجربته لا تتجاوز الخمر والنساء أو أنها قصيدة واحدة مكررة، يحتاج بدوره إلى قراءة شاملة لدواوينه ومسيرته، لا إلى توصيف انطباعي. فشاعر عاش تحولات العراق، والمنفى، والمدن العربية والأوروبية، والحروب، وتبدلات الإنسان العربي، لا يمكن اختزاله في موضوعين أو ثلاثة. لقد كانت الجغرافيا عنده جزءًا من التجربة، وكان المكان يتحول في القصيدة إلى ذاكرة، والمنفى إلى سؤال، واليومي إلى مرآة يرى فيها الإنسان نفسه.
ومن هنا تأتي خصوصية سعدي يوسف خارج الحدود العراقية والعربية أيضًا. فالعالمية في الأدب لا تعني أن يكتب الشاعر عن العالم بعبارات كبيرة، وإنما أن يكتب تجربته المحلية بصدق يجعلها قابلة لأن تُرى في التجربة الإنسانية الأوسع. وفي شعر سعدي يوسف شيء من هذا الصدق العراق حاضر، والمنفى حاضر، والمدينة حاضرة، لكن الإنسان لا يظل محصورًا في جغرافيا واحدة. وهذا أحد الأسباب التي تجعل تجربته قابلة للقراءة خارج حدود المكان الذي خرجت منه.
ولذلك، إذا كان ثمة شاعر عربي يمكن أن يُطرح اسمه بجدية في الحديث عن استحقاق نوبل، فإن سعدي يوسف كان، في تقديري، من أكثر الأسماء التي تستحق هذا الاحتمال؛ لا بسبب الضجيج الذي دار حوله، ولا بسبب مواقفه السياسية، وإنما بسبب صدق تجربته وخصوصيتها، وقدرته على تحويل الواقعي واليومي والمحلي إلى أسئلة إنسانية أوسع. نوبل لا ينبغي أن تكون مكافأة على الشهرة، وإنما اعترافًا بتجربة استطاعت أن تتجاوز حدودها الأولى وتصل إلى الإنسان بوصفه إنسانًا.
قد نختلف معه، وقد نرفض بعض قصائده، وقد نرى أن بعض مراحله أقل من مراحل أخرى، وقد تكون لنا اعتراضات جدية على مواقفه. لكن ذلك كله لا يمنحنا حق شطب شاعر من تاريخ الشعر بعبارة واحدة.
سعدي يوسف ليس شاعرًا معصومًا، لكنه أيضًا ليس شاعرًا وهميًا صنعته السياسة. بين الأمرين تقع تجربته الحقيقية تجربة طويلة، متحولة، متفاوتة، لكنها ذات صوت واضح ومكان خاص في مسار القصيدة العربية الحديثة.
والطريق الأفضل للحكم عليه بسيط دعوا سعدي يوسف للقصيدة، ودعوا القصيدة لسعدي يوسف. اقرأوا النص، لا الخصومة حول النص. ففي النهاية لا يبقى من الشاعر ما قيل عنه، بل ما استطاعت قصيدته أن تنقذه من الزمن.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غابرييلا ميسترال حين لا تنفصل القصيدة عن صاحبها
- يوهانس ف. ينسن خصوبة الخيال بين الإنسان والتاريخ
- فرانس إيميل سيلانبا بين الإنسان والطبيعة حياة واحدة
- بيرل س. بك الرواية بين الشرق والغرب، والإنسان في قلب العالم.
- الفنان بين اكتشاف الجديد وتعميق المكتشف
- حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوبٍ ممزق
- روجيه مارتان دو غار الرواية مرآةُ الإنسان والتاريخ والضمير
- يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان ...
- لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف ...
- النغم الجليل المبارك
- إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
- لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
- من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
- عقلنة الكلمات
- جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
- بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل
- التشابه بلا وصايا
- إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا ...
- سينكلير لويس Sinclair Lewis الكاتب الذي قرأ أمريكا وكتبها
- توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب


المزيد.....




- المؤثرة اللبنانية -يومي- تستقبل مولودها الأول وتكشف عن اسمه ...
- فنانون من أجل وقف إطلاق النار.. تجمع يطالب بإنهاء حرب غزة
- شاهد.. 25 دقيقة من التصفيق الحار لفيلم عن غزة في مهرجان البن ...
- السيناريست المصري هيثم دبور: لا أكتب الأفلام لأغازل الغرب بل ...
- كريم الشناوي مخرجًا للجزء الثاني من فيلم -سهر الليالي-
- محمد قطان.. صوت من زمن التأسيس يرحل وتبقى حكاياته في ذاكرة ا ...
- -100 سنة غنا-.. علي الحجار وعمر خيرت يعيدان فتح خزائن الموسي ...
- للمكان نفسه حكاية أخرى.. ماذا يحدث لذاكرة فضاءات مراكش حين ت ...
- بين الخراب والإبداع، كيف أعادت الحروب تشكيل الثقافة العربية؟ ...
- فيلم -نازا-.. شهادات إسرائيلية تكشف آلية استهداف الأطفال وال ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة