أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاشم معتوق - لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها















المزيد.....

لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 08:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


السلاح للدولة، والقرار للدولة، والحرب والسلم بقرار المؤسسات

لم يعد العراق يستطيع أن يعيش طويلاً في المنطقة الرمادية بين الدولة والفصائل، وبين القرار الوطني وقرارات المحاور الإقليمية. فالسلاح الذي لا يخضع للدولة لا يبقى مجرد سلاح، والقرار العسكري الذي يصدر خارج مؤسساتها لا يبقى قراراً عابراً، بل يتحول إلى سلطة موازية، ومعها يصبح مفهوم الدولة نفسه موضع سؤال. الدولة ليست علماً ودستوراً وحدوداً ومؤسسات إدارية فحسب. الدولة هي أيضاً أن تكون القوة المسلحة خاضعة لمؤسساتها، وأن يكون القرار السياسي والعسكري صادراً عن سلطتها الدستورية، وأن تكون الحرب والسلم من اختصاصها وحدها. من هنا تأتي القاعدة البسيطة التي لا تستقيم الدولة الحديثة من دونها السلاح للدولة، والقرار للدولة، والحرب والسلم بقرار المؤسسات.
وقد تكون بعض الفصائل قد نشأت في ظروف استثنائية، وقد تكون لها مبرراتها السياسية أو الأمنية، وقد شاركت في مواجهة الإرهاب في مرحلة حازت فيها قبولاً شعبياً. لكن الظروف الاستثنائية لا يمكن أن تتحول إلى نظام دائم، وانتهاء الحاجة الاستثنائية يفترض العودة إلى القاعدة الطبيعية الدولة هي صاحبة القرار. والاندماج الحقيقي في مؤسسات الدولة لا يعني تغيير الاسم أو الانتقال الإداري، وإنما يعني أن يصبح السلاح والقرار والتمويل والانضباط العسكري خاضعاً للقانون وسلسلة القيادة الرسمية.
وهنا لا ينبغي أن يكون الحديث عن العراق حديثاً ضد إيران أو ضد أميركا. فالعراق جار لإيران، وله معها تاريخ ومصالح ومصير جغرافي مشترك، وفي الوقت نفسه تربطه بالولايات المتحدة علاقات استراتيجية واتفاقات ومصالح واسعة. لكن العلاقة شيء والتبعية شيء آخر. العراق لا يحتاج إلى اختيار إيران ضد أميركا، ولا أميركا ضد إيران؛ العراق يحتاج إلى اختيار العراق.
وهنا يمكن للعراق أن ينتقل من موقع الدفاع عن نفسه إلى موقع أكثر أهمية موقع الوسيط. فالعراق يملك ميزة لا تملكها دول كثيرة. فهو قريب من إيران تاريخياً وجغرافياً واقتصادياً، وفي الوقت نفسه قادر على التواصل مع الولايات المتحدة بحكم علاقاته الاستراتيجية بها. وإذا أحسن استخدام هذه الميزة، يستطيع أن يحول موقعه الذي كان سبباً في ارتباكه طوال سنوات إلى مصدر قوة دبلوماسية. ليس المطلوب أن يتحدث العراق مع إيران بوصفه تابعاً لها، ولا مع الولايات المتحدة بوصفه تابعاً لها، وإنما بوصفه دولة تريد وقف حرب تهدد المنطقة كلها.
وهذه الوساطة ليست ترفاً دبلوماسياً. فاستمرار الحرب يضر بالعراق مباشرة، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، ويضعه أمام خطر أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة للمواجهة. ولذلك يستطيع العراق أن يدفع نحو وقف إطلاق النار، وفتح قنوات تفاوض، وتثبيت ترتيبات تمنع توسيع الحرب، والعمل على تخفيف الأضرار الاقتصادية والإنسانية التي يتحملها المدنيون الإيرانيون. وهنا يجب التمييز بوضوح بين الشعب الإيراني والنظام الإيراني. دعم الشعب الإيراني في مواجهة آثار الحرب لا يعني دعم النظام، كما أن الدفاع عن حق المدنيين في الغذاء والطاقة والعمل والحياة لا يعني التدخل في خيارات الإيرانيين السياسية. العراق يستطيع أن يكون وسيطاً من أجل السلام، وفي الوقت نفسه أن يحافظ على استقلال موقفه من السياسة الإيرانية.
بل إن تخفيف المعاناة الاقتصادية عن الشعب الإيراني يمكن أن يكون جزءاً من أي تسوية أوسع تخفيف تدريجي للقيود التي تمس المدنيين، مقابل التزامات واضحة من جميع الأطراف بوقف التصعيد واحترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضي الآخرين ساحة للحرب. وهذا الدور لا ينجح إذا كان العراق نفسه منقسماً في قراره. لذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة ليس مسألة داخلية منفصلة عن السياسة الخارجية إنه شرط أساسي لكي يستطيع العراق أن يقول لإيران هذه علاقتنا بك، وهذه حدودها. وأن يقول لأميركا هذه شراكتنا معكم، وهذه حدودها. وأن يقول للفصائل قرار الحرب والسلم ليس قراركم.
عندها فقط يصبح العراق وسيطاً حقيقياً، لا رسولاً بين طرفين.
ومن هنا نصل إلى القضية الفلسطينية. فلسطين قضية حقيقية وعادلة، وشعبها يستحق الدولة والأمن والكرامة. لكن عدالة القضية لا تعني أن كل من رفع شعارها كان يعمل من أجل حلها. فقد تحولت فلسطين، طوال عقود، إلى ورقة سياسية في يد أنظمة وقوى متعددة، من صدام حسين إلى النظام الإيراني وقوى إقليمية أخرى. استغلال القضية الفلسطينية لا يلغي القضية الفلسطينية، لكنه يؤجل حلها. ولهذا ينبغي أن يحدث العكس تماماً أن تنتقل فلسطين من كونها ورقة في الصراع إلى كونها مشروعاً للحل.
لماذا لا تجتمع دول الشرق الأوسط بجدية حول القضية الفلسطينية؟ لماذا لا يجتمع العرب وتركيا وإيران والفلسطينيون، ثم ينضم إليهم المجتمع الدولي وإسرائيل، لوضع تسوية قابلة للتنفيذ؟ لسنا بحاجة إلى مؤتمر جديد يعلن أن فلسطين قضية عادلة. نحن بحاجة إلى مشروع يبحث بجدية كيف تصبح فلسطين دولة؟
وهنا ينبغي أن يكون المجتمع الدولي أكثر جدية. فإذا كان قيام الدولة الفلسطينية هدفاً حقيقياً، فلا بد من ضمانات والتزامات وضوابط تمنع تغيير الواقع بالقوة، وتدعم إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، مع حدود واضحة وترتيبات أمنية وإعادة إعمار وضمانات دولية وآليات تنفيذ. ولا ينبغي أن تكون العقوبات هدفاً بذاتها، وإنما وسيلة لحماية الاتفاق ومنع أي طرف من إفشاله.
وفي الوقت نفسه يجب أن تكون الالتزامات متبادلة دولة فلسطينية واحدة، وسلطة واحدة، وقرار أمني واحد، مقابل ضمانات حقيقية لأمن إسرائيل. وهنا تتلاقى فلسطين مع العراق مرة أخرى. العراق يحتاج إلى دولة لا تكون فيها الفصائل صاحبة قرار مستقل،
لكن بناء الدولة لا يتم بالمؤسسات وحدها. هناك عنصر أكثر عمقاً المواطن. فكلما اتسعت الحرية ازدادت الوطنية قوة وصلابة، لأن المواطن حين يشعر أن الدولة دولته، وأن صوته قادر على التأثير في مستقبلها، يصبح انتماؤه إلى الوطن أقوى من انتمائه إلى الوسيط الذي يدعي حمايته. ومن هنا تأتي الانتخابات المقبلة بوصفها أكثر من استحقاق دستوري. إنها فرصة لأن يصبح الاختيار أكثر هدوءاً وتركيزاً، وأن يسأل الناخب نفسه ماذا قدم المرشح؟ ماذا يستطيع أن يقدم؟ هل يحمي الدولة أم يستخدمها؟ هل يملك مشروعاً أم شعاراً؟
فالناخب لا يحتاج إلى التخلي عن مصلحته الشخصية، بل إلى إدراك أن مصلحته الحقيقية لا تنفصل عن مصلحة الدولة. فالطريق والمدرسة والمستشفى والعمل والأمن والخدمات ليست قضايا بعيدة عن الوطنية إنها جوهرها عندما تتحول الدولة إلى مؤسسة لخدمة المواطن.
وكلما أصبح المواطن أكثر حرية وأقل خوفاً، أصبح أكثر قدرة على الاختيار والمحاسبة. وكلما ازدادت قدرة المواطن على المحاسبة، ازدادت المؤسسات قوة. وهكذا تكتمل الدائرة دولة قوية، مؤسسات قوية، مواطن حر، انتخابات أكثر وعياً، وسلاح خاضع للقانون.
عندها يستطيع العراق أن يتعامل مع إيران والولايات المتحدة وتركيا والدول العربية وأوروبا من موقع الدولة، لا من موقع الساحة. ويمكنه أن يجعل من علاقاته المتعددة وسيلة للوساطة، ومن موقعه الجغرافي جسراً للحوار، ومن تاريخه المشترك مع إيران وعلاقاته مع أميركا فرصة لإيقاف الحرب لا لإطالتها.
وهنا يمكن أن تعود فلسطين إلى موقعها الطبيعي قضية تُحل، لا ورقة تُستغل. المطلوب أن تتحول مواقف دول المنطقة والمجتمع الدولي من الخطاب إلى مشروع ملزم لإقامة الدولة الفلسطينية، تكون فيه الحقوق والالتزامات متبادلة، والتنفيذ خاضعاً لضمانات واضحة.
وهكذا يصبح المطلوب من الجميع واضحاً لا تستطيع إسرائيل فرض الحل بالقوة، ولا يستطيع الفلسطينيون بناء دولتهم من دون مؤسسات وسلطة واحدة، ولا تستطيع القوى الإقليمية الاستمرار في استخدام فلسطين ورقة نفوذ، كما لا يستطيع المجتمع الدولي الاكتفاء بالحديث عن السلام من دون أدوات حقيقية لإنفاذه.
أما العراق، فمسؤوليته تبدأ من الداخل أن يستعيد الدولة، ويستعيد القرار، ويجعل السلاح تحت سلطة المؤسسات، وأن يقرر بنفسه علاقاته مع إيران وأميركا والدول العربية وتركيا وسائر العالم. فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تملك قرار السلام.
لقد آن الأوان لأن تصبح الدولة أقوى من الفصيل، والحل أقوى من الشعار، والمصلحة الوطنية أقوى من المحور.
السلاح للدولة، والقرار للدولة، والحرب والسلم بقرار المؤسسات.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
- عقلنة الكلمات
- جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
- بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل
- التشابه بلا وصايا
- إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا ...
- سينكلير لويس Sinclair Lewis الكاتب الذي قرأ أمريكا وكتبها
- توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب
- سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان
- هنري برغسون الوعي الداخلي والتطور الخلاق
- الحياة
- غراتسيا ديليدا Grazia Deledda بعد مئة عام من نوبل، حين يتحول ...
- الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
- جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
- حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
- فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
- العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
- المحراث القديم
- أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية
- بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي


المزيد.....




- النفط يهبط 3% مع انتعاش آمال إنشاء ممر جديد في مضيق هرمز
- ميلانيا ترامب بفساتين مكشوفة وتسريحات جريئة.. اختيارات مختلف ...
- عون: لا خيار إلا التفاوض لتحرير الجنوب وإعادة الإعمار
- نتنياهو يتحدث عن الاستيطان ويكشف مباحثاته مع ترامب حول إيران ...
- سوريا.. ارتفاع منسوب الفرات في دير الزور
- السويد.. القبض على مشتبه به ثانٍ في الهجوم بالسيف على مدرسة ...
- عقوبات ترامب على إيران تضع أمريكا والصين في مواجهة مباشرة
- بعد سلسلة انتكاسات.. مرشحان مدعومان من ترامب يفوزان بالانتخا ...
- بـ 32 دولارا.. نوكيا تطلق هاتفا من الطراز القديم يشحن أجهزتك ...
- نتنياهو يهاجم آيزنكوت: لو استمعنا إليه لكان نصر الله وخامنئي ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاشم معتوق - لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها