أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية














المزيد.....

أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 10:06
المحور: الادب والفن
    


أناتولي فاسيليف حين يصبح المسرح طريقًا لبناء الإنسان

منذ ولادة المسرح، لم يكن الإنسان يبحث فيه عن التسلية فقط، بل كان يبحث عن صورته العميقة. فالمسرح كان دائمًا مساحة يختبر فيها الإنسان علاقته بذاته وبالآخرين وبالعالم. فمن الطقوس الأولى التي عبّر فيها عن مخاوفه وأسئلته أمام الطبيعة، إلى المسرح اليوناني الذي منح الفن بناءه وقوانينه، ثم إلى التحولات الحديثة التي جعلت الخشبة مجالًا للتجريب والبحث، ظل المسرح مرآة لتحولات الإنسان ووعيه.
ومع تطور المسرح، لم يعد الاهتمام منصبًا على النص وحده، بل انتقل إلى الإنسان الذي يمنح النص حياته إلى الممثل بوصفه مركزًا للتجربة المسرحية. ومن هنا ظهرت تجارب كبرى أعادت النظر في علاقة الممثل بجسده وصوته ووعيه وحضوره، وكان أناتولي فاسيليف واحدًا من أبرز الذين جعلوا من هذه العلاقة مشروعًا فكريًا وجماليًا.
ولد أناتولي فاسيليف عام 1942 في الاتحاد السوفيتي، ونشأ في بيئة ثقافية غنية بتقاليد المسرح الروسي، لكنه لم يكتفِ بإرث الماضي، بل اختار طريق البحث والتجريب، فحوّل المسرح من مجرد صناعة للعرض إلى رحلة لاكتشاف الإنسان. لم يكن سؤاله الأساسي كيف نقدم الشخصية؟ بل كيف نصل إلى الحقيقة الإنسانية الكامنة خلفها؟
لقد رأى فاسيليف أن الممثل لا يصبح فنانًا حقيقيًا بمجرد امتلاك الأدوات التقنية، بل عبر رحلة طويلة من التكوين الداخلي. فالمسرح عنده يبدأ قبل لحظة العرض؛ يبدأ في التدريب، وفي البحث، وفي الزمن الذي يحتاجه الإنسان حتى يتحول من مؤدٍ للدور إلى كائن حاضر فيه.
فالتلمذة عند فاسيليف ليست مرحلة تنتهي باكتساب المهارة، بل هي حالة دائمة من التعلم والبحث. فالفنان الحقيقي لا يصل إلى نقطة نهائية، لأن كل معرفة تفتح أمامه أسئلة جديدة. والتدريب ليس تكرارًا آليًا للحركات، بل هو بناء للوعي، وإعادة اكتشاف العلاقة بين الجسد والصوت والنص والآخر.
ولهذا كانت البروفة عنده أكثر من إعداد للعرض كانت مختبرًا للتحول. ففيها يتغير فهم الممثل للشخصية، وتتطور علاقته بالنص، ويكتشف إمكانات جديدة في ذاته وفي الفن الذي يمارسه. فالعمل الطويل لا يؤخر الإبداع، بل يمنحه العمق.
ومن هنا تأتي أهمية الزمن في فلسفة فاسيليف. فالزمن ليس مجرد فترة انتظار قبل الوصول إلى النتيجة، بل هو مادة أساسية في صناعة الفن. فالإنسان لا ينضج في لحظة، والفنان لا يكتشف صوته الخاص بسرعة. إن المعرفة تحتاج إلى تجربة، والتقنية تحتاج إلى ممارسة، والمهارة تحتاج إلى زمن حتى تتحول إلى إحساس طبيعي.
إن اللحظة المسرحية الصادقة التي يراها المتلقي قد تبدو بسيطة وعفوية، لكنها تحمل وراءها تاريخًا طويلًا من العمل والصبر والتأمل. فالعفوية العظيمة ليست غياب التدريب، بل وصول التدريب إلى درجة يصبح فيها جزءًا من طبيعة الفنان.
وعندما يكتمل هذا البناء يظهر مفهوم الحضور. فالممثل عند فاسيليف لا يُقاس فقط بقدرته على أداء الشخصية، بل بقدرته على أن يكون حاضرًا داخلها. فهناك فرق بين الأداء الذي يعتمد على الوسائل الخارجية، والحضور الذي يجعل الكلمة نابعة من ضرورة داخلية، والحركة حاملة للمعنى، والصمت لغة قائمة بذاتها.
الممثل الحاضر لا يختبئ خلف الشخصية، بل يدخل إليها، ولا يقدم إنسانًا وهميًا فقط، بل يكشف من خلالها شيئًا عن الإنسان الحقيقي ضعفه، ورغبته، وصراعه، وأحلامه. وهنا يصبح الجسد أكثر من وسيلة للحركة، ويصبح الصوت امتدادًا للوجود الداخلي للفنان.
ومن هذا الطريق يصل فاسيليف إلى مفهوم الحرية. فالحرية عنده ليست التخلص من كل القواعد، بل امتلاكها وتحويلها إلى قدرة داخلية. فالموسيقي لا يصبح حرًا إلا بعد معرفة أسرار الموسيقى، والكاتب لا يجد صوته الخاص إلا بعد سنوات من القراءة والممارسة، وكذلك الممثل لا يصل إلى حريته إلا بعد رحلة طويلة من التدريب.
إن الالتزام ليس عدو الحرية، بل طريقها. فالإنسان لا يتحرر عندما يرفض كل بناء، بل عندما يكتمل بناؤه الداخلي ويصبح قادرًا على الاختيار بوعي. والجمال نفسه لا يأتي من الفوضى، بل من انسجام عميق بين المعرفة والتجربة والإحساس.
ولهذا تتجاوز تجربة أناتولي فاسيليف حدود المسرح لتصل إلى سؤال إنساني وحضاري كيف نبني إنسانًا أكثر وعيًا وحضورًا؟ فالفن ليس زينة للحياة فقط، بل وسيلة لتطوير الحس الإنساني، والمسرح يعلم الإنسان الإصغاء والحوار وفهم الآخر ورؤية العالم من زوايا متعددة.
لم يكن أناتولي فاسيليف يبحث عن ممثل ينجح في تقليد الحياة، بل عن فنان يستطيع أن يكشف جوهرها. ولهذا أصبح المسرح عنده رحلة داخل الإنسان قبل أن يكون رحلة فوق الخشبة. فالتلمذة تبني الفنان، والزمن يمنحه العمق، والحضور يكشف إنسانيته، والحرية تمنح عمله المعنى.
إن القيمة الكبرى لتجربة فاسيليف أنها تذكرنا بأن الفن الحقيقي لا يصنع الأعمال فقط، بل يصنع الإنسان الذي يبدعها. فالمسرح ليس مجرد مكان للعرض، بل طريق من التدريب إلى الوعي، ومن الالتزام إلى الحرية، ومن الجمال إلى اكتشاف الإنسان. عرض أقل



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي
- العراق وطنٌ سيد... لا للتدخلات السعودية–الأمريكية في شؤونه.
- حاتم عباس بصيلة سكينة اللون بين خضرة الأرض وحضور الروح
- عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائنا ...
- روبرت ويلسون نحو مسرحٍ يرى الزمن ويكشف الإنسان
- تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان
- عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني ...
- يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
- يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال ...
- عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا ...
- جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس ...
- أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei ...
- ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند ...
- فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
- خاسينتو بينافينتي Jacinto Benavente رائد المسرح الإسباني الح ...
- أناتول فرانس الإنسان أولًا... والأديب الخالد
- كنوت هامسون سيد الجوع والقلق والوعي الإنساني
- كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير
- هنريك بونتوبيدان ملحمة الإنسان في العصر الحديث
- حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرا ...


المزيد.....




- خمس حقائق غير معروفة عن مارينا تسفيتايفا.. الشاعرة التي جعلت ...
- ساحة الملحمة في جرش تحيي صناعات أردنية تراثية
- مواهب من روسيا والعالم تجتمع في موسكو ضمن المنتدى الثقافي ال ...
- مصر.. إلغاء العرض الخاص لفيلم -الجواهرجي- بعد وفاة شقيق محمد ...
- فيلم -الأوديسة- ينعش سياحة صقلية بنصف مليار دولار
- -فخٌّ أطاح بالشاه ويهدد ترمب-.. هكذا جددت الحرب الأمريكية ال ...
- فيلم -سبايدر مان- الجديد يحقق إيرادات 927 مليون دولار عالميً ...
- نوع من الحبوب يحسن التمثيل الغذائي ويحارب تراكم الدهون في ال ...
- في قلب جبال سوتشي.. -روزا خوتور- يعرّف السياح العرب على ثقاف ...
- فنانة تركية تقطع وعدا على نفسها في حال نجاح طرابزون سبور في ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية