أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير















المزيد.....

كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 22:00
المحور: الادب والفن
    


كارل شبيتلر آخر بناة الملاحم الكبرى وشاعر الإنسان في مواجهة القدر

ليست عظمة الأدباء بما يحققونه من شهرة في زمانهم، بل بما يتركونه من أثر في ضمير الإنسانية بعد أن تخفت ضوضاء عصرهم. وكثيرون هم الذين ملأوا زمنهم حضوراً ثم تراجعوا إلى هوامش التاريخ، فيما بقي آخرون يضيئون المشهد الثقافي بعد رحيلهم بعقود طويلة. ومن بين هؤلاء يقف كارل فريدريش غيورغ شبيتلر شامخاً بوصفه واحداً من أكثر الأصوات الأدبية فرادة وعمقاً في أوروبا الحديثة؛ شاعراً ومفكراً وبانياً للرموز الكبرى، استطاع أن يجعل من الأسطورة لغةً لفهم الإنسان، ومن الشعر أداةً لاستكشاف المصير، ومن الأدب رحلةً دائمة في أعماق الروح البشرية.
حين نقرأ شبيتلر لا نقرأ كاتباً سويسرياً فاز بجائزة نوبل للآداب فحسب، بل نقرأ تجربة فكرية وجمالية استثنائية نشأت عند نقطة التقاء الشعر بالفلسفة، والأسطورة بعلم النفس، والتاريخ بالتأمل الوجودي. لقد كان من أولئك الكتّاب النادرين الذين لم يكتفوا بوصف العالم، بل سعوا إلى إعادة تفسيره وبنائه من جديد عبر الخيال.
وُلد شبيتلر عام 1845 في سويسرا، في زمن كانت أوروبا تشهد فيه تحولات فكرية عميقة، وكانت الثقة المطلقة بالعقل والتقدم تهيمن على المشهد الثقافي. غير أن هذا الشاب الذي بدأ حياته طالباً للاهوت سرعان ما أدرك أن الأسئلة الكبرى التي تؤرقه لا يمكن أن تجد إجاباتها النهائية في العقائد الجاهزة أو الأنظمة الفكرية المغلقة. لذلك اختار طريق الأدب، لا باعتباره مهنة أو هواية، بل باعتباره بحثاً وجودياً عن الحقيقة.
ومنذ بداياته المبكرة بدا واضحاً أن شبيتلر لا ينتمي إلى السلالة التقليدية للشعراء الغنائيين الذين ينشغلون بوصف المشاعر العابرة أو الانفعالات اليومية. كان مشروعه أوسع بكثير. لقد أراد أن يكتب عن الإنسان في صورته الكونية، وعن القوى الخفية التي تحرك التاريخ، وعن العلاقة المعقدة بين الحرية والضرورة، وبين الفرد والجماعة، وبين الحلم والواقع. لهذا السبب وجد ضالته في الأسطورة. غير أن الأسطورة عند شبيتلر ليست زينة أدبية أو استعادة رومانسية للماضي، وإنما هي بنية رمزية تكشف ما هو أبعد من الوقائع والأحداث. فالآلهة والأبطال في عالمه ليسوا شخصيات بعيدة عن الإنسان، بل هم صور مكبرة لما يعتمل في أعماقه من رغبات وصراعات وأحلام ومخاوف. ومن هنا اكتسبت أعماله ذلك العمق النفسي النادر الذي جعلها تبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى خرائط للروح الإنسانية منها إلى نصوص شعرية بالمعنى التقليدي.
لقد أدرك شبيتلر، قبل أن يصبح التحليل النفسي علماً قائماً بذاته، أن الإنسان يعيش داخل شبكة هائلة من الرموز والصور الكامنة، وأن الأساطير القديمة ليست بقايا حضارات ميتة، بل هي التعبير الأبدي عن البنية الداخلية للوعي الإنساني. ولهذا تبدو أعماله اليوم قريبة بصورة مدهشة من أفكار كارل يونغ حول النماذج الأصلية واللاوعي الجمعي.
ويأتي عمله المبكر «بروميثيوس وإبيميثيوس» شاهداً على هذه الرؤية. ففي هذا النص البديع يتحول بروميثيوس إلى رمز للإنسان الحر الذي يصغي إلى صوته الداخلي مهما كان الثمن، بينما يصبح إبيميثيوس صورة للإنسان الذي يفضّل الطمأنينة على الحقيقة، والطاعة على الحرية، والتكيف مع الجماعة على الوفاء لذاته. ومن خلال هذا الصراع الخالد يطرح شبيتلر سؤالاً سيظل محور مشروعه الفكري كله كيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على استقلاله الروحي في عالم يسعى دائماً إلى إخضاعه؟
غير أن عبقرية شبيتلر بلغت ذروتها في ملحمته العظيمة «الربيع الأولمبي»، ذلك العمل الذي يقف اليوم بين أهم الإنجازات الشعرية في الأدب الأوروبي الحديث. هنا لا يكتفي الكاتب بإعادة رواية الأساطير اليونانية، بل يعيد خلق الكون نفسه. تتحول الآلهة إلى قوى كونية ونفسية، وتصبح السماء والأرض مسرحاً لصراع الإرادات والأحلام والمصائر. وما يبدو للوهلة الأولى سرداً أسطورياً ليس في حقيقته سوى تأمل عميق في طبيعة السلطة والطموح والحرية والقدر.
إن الربيع الأولمبي ليس قصيدة عن الآلهة، بل قصيدة عن الإنسان. عن ذلك الكائن الذي يقف دائماً بين محدوديته وتطلعه إلى المطلق، بين ضعفه ورغبته في الخلود، بين واقعه اليومي وحلمه الأبدي بتجاوز هذا الواقع. ومن هنا جاءت القيمة العالمية لهذا العمل، إذ استطاع أن يحول مادة أسطورية قديمة إلى رؤية إنسانية تتجاوز الأزمنة والثقافات.
وحين منحت الأكاديمية السويدية شبيتلر جائزة نوبل للآداب لم تكن تكافئ شاعراً موهوباً فحسب، بل كانت تحتفي بمشروع أدبي كامل أعاد إلى الشعر الملحمي مكانته في عصر كانت الرواية قد استأثرت فيه بالصدارة. لقد رأت فيه نموذجاً للمبدع الذي استطاع أن يجمع بين قوة الخيال وعمق الفكر وجمال اللغة في بناء فني بالغ الإحكام.
لكن أهمية شبيتلر لا تقتصر على إنجازه الأدبي. فقد كان أيضاً ضميراً وطنياً في لحظة تاريخية مضطربة. فعندما اشتعلت الحرب العالمية الأولى وانجرفت أوروبا إلى موجة من التعصب القومي، وقف مدافعاً عن استقلال سويسرا ووحدتها الثقافية. وكان يدرك أن قيمة الوطن لا تكمن في الانغلاق، بل في قدرته على أن يكون فضاءً للحرية والتعدد والحوار. وهكذا تحول من شاعر كبير إلى رمز أخلاقي وثقافي في الوعي السويسري الحديث.
وإذا حاولنا أن نحدد مكانة شبيتلر في الخريطة الكبرى للثقافة الأوروبية، وجدناه يقف عند تقاطع طرق نادر. فهو يمتلك الطموح الإنساني الشامل الذي نجده عند غوته، والقوة الروحية التي تذكرنا بنيتشه، والوعي الرمزي العميق الذي سيبلغ ذروته عند يونغ. ومع ذلك يبقى مختلفاً عنهم جميعاً، لأن صوته يحمل نبرة خاصة لا تشبه إلا نفسها.
لقد كان شاعراً للحرية الداخلية، ومؤرخاً للأحلام البشرية، ومهندساً للرموز الكبرى التي تسكن الذاكرة الإنسانية منذ فجر التاريخ. وفي عالم يتغير باستمرار، تبقى أعماله شاهدة على حقيقة لا يطالها الزمن: أن الإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل يعيش أيضاً بالأساطير التي تمنحه معنى، وبالأحلام التي تمنحه القدرة على تجاوز حدوده.
لهذا كله لم يكن كارل شبيتلر مجرد حائز على جائزة نوبل، بل كان واحداً من آخر العمالقة الذين آمنوا بأن الأدب قادر على أن يكون معرفةً وجمالاً وحكمةً في آن واحد. لقد كتب للإنسان، لا لعصره فقط؛ ولذلك بقي حياً بعد أن انقضى عصره، وبقيت أعماله تنبض بالحياة لأنها تخاطب ما هو أبقى من التاريخ: الروح الإنسانية نفسها.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هنريك بونتوبيدان ملحمة الإنسان في العصر الحديث
- حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرا ...
- كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً
- الحرب في مخيلة فيصل لعيبي الدخان شاهداً على المصير الإنساني
- سيبيليوس وفنلندا قصة أمة كتبتها الموسيقى
- كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر م ...
- العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمت ...
- فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي ...
- رومان رولان مهنة الأدب لاتقتصر على إنتاج الجمال إنما تتمثل أ ...
- عبد الأمير الخطيب جماليات الكرسي وتحولات المعنى
- نحو فلسفة أعمق لمعنى الوطن
- قوة الردع الوطنية وحماية المجال الحيوي للدولة العراقية
- عبد الأمير الحصيري ليس حديثًا عن شاعرٍ عراقيٍّ عابر
- دولة منتجة وقوة اقتصادية مستقبلية
- أبندرانات طاغور جائزة نوبل للآداب عام 1913
- الاشتراكية بين الحرية والعدالة
- غيرهارد هاوبتمان Gerhart Hauptmann الفائز بجائزة نوبل للآداب ...
- الواجهة
- بين دجلة وفارس ليست المدينةُ جدرانًا تُرفع
- الملائكة الحزينة


المزيد.....




- انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم ...
- إسحاق دار: أعتقد أن ملف احتياطيات اليورانيوم يمكن حله من خلا ...
- الخارجية الإيرانية: انتهى عمل فرق التفاوض في هذه المرحلة لك ...
- د. سناء الشعلان: -نعيش زمن الانتحار الجماعيّ... ولا أحد يملك ...
- العمودالثامن: البحث عن وزير للثقافة
- الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الرابع.. -معارك سرية-
- معركة الأبيض وصراع الروايات في السودان
- بدراجة هوائية.. شاب سوري يقطع 5 آلاف كيلومتر لإنقاذ تعليم مل ...
- في 25 يوما فقط.. -7DOGS- يحقق رقما غير مسبوق في السينما العر ...
- نجل الفنان فضل شاكر يطالب بالإفراج عن والده بعد تدهور حالته ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير