أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاشم معتوق - العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمتلك كل أسباب النجاح















المزيد.....

العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمتلك كل أسباب النجاح


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 15:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمتلك كل أسباب الثراء

ليس الفساد في العراق مجرد مخالفة إدارية عابرة، ولا هو مجموعة من الرشاوى الصغيرة التي يتداولها الموظفون في المكاتب الحكومية، بل أصبح في نظر كثير من الباحثين والمراقبين منظومة متكاملة تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية، حتى غدا الفساد نفسه مؤسسة موازية للدولة، تمتلك أدواتها وشبكاتها وحماتها وآلياتها الخاصة في إعادة إنتاج النفوذ والثروة.
إن المأساة العراقية لا تكمن في ندرة الموارد أو ضعف الإمكانات، فالعراق من أغنى دول المنطقة بالثروات الطبيعية والموقع الجغرافي والطاقات البشرية والإرث الحضاري. لكن المفارقة المؤلمة أن بلداً يمتلك هذا الحجم الهائل من الثروة ما زال يعاني من أزمات الخدمات الأساسية والبطالة وتدهور البنية التحتية وغياب التنمية المستدامة. وهنا يبرز السؤال الكبير: أين ذهبت مئات المليارات من الدولارات التي دخلت خزائن الدولة خلال العقود الماضية؟
الجواب ليس بسيطاً، لأن الفساد في العراق لم يعد فعلاً فردياً، بل تحول إلى ظاهرة بنيوية تتغلغل في مفاصل الإدارة والاقتصاد والسياسة. فحين تصبح المناصب العامة غنائم سياسية، وتتحول المؤسسات إلى مناطق نفوذ، وتغيب المحاسبة الحقيقية، فإن المال العام يصبح فريسة سهلة لشبكات المصالح المنظمة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الفساد لا ينمو في البيئات التي يسود فيها القانون، بل ينمو حيث تضعف الدولة وتتراجع الرقابة وتختلط السلطات بالمصالح. وفي الحالة العراقية، يرى العديد من الباحثين أن نظام المحاصصة السياسية الذي نشأ بعد عام 2003 ساهم في تكريس هذا الواقع عبر توزيع المواقع الإدارية والوظائف العليا وفق اعتبارات الولاء والانتماء أكثر من اعتبارات الكفاءة والخبرة. ومع مرور الزمن، أصبحت بعض المؤسسات رهينة لتوازنات سياسية معقدة تجعل محاسبة الفاسدين عملية شاقة ومكلفة.
غير أن تحميل المحاصصة وحدها كامل المسؤولية قد لا يكون كافياً لفهم المشهد. فالتخلف الإداري المزمن يمثل وجهاً آخر للأزمة. فالإجراءات الورقية المعقدة، وتعدد الحلقات البيروقراطية، وضعف أنظمة الرقابة الإلكترونية، كلها عوامل توفر بيئة مثالية للرشوة والابتزاز والتلاعب. إن الموظف الذي يمتلك سلطة تعطيل معاملة أو تمريرها يملك في الوقت ذاته فرصة لتحويل تلك السلطة إلى منفعة شخصية ما لم توجد أنظمة صارمة للرقابة والمساءلة.
ومن أخطر أبواب الفساد في العراق ملف الأراضي والعقارات العامة. فالأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي أصل اقتصادي واستراتيجي يمثل جزءاً من ثروة الأجيال القادمة. وعندما تمنح أراضي الدولة تحت عناوين الاستثمار أو التنمية من دون منافسة شفافة أو تقييم عادل للقيمة الحقيقية، فإن الخطر لا يقتصر على خسارة مالية مؤقتة، بل يمتد إلى نقل الثروة الوطنية من الملكية العامة إلى دوائر ضيقة من المنتفعين. وفي كثير من الحالات تتحول عمليات التخصيص إلى شبكات معقدة من الوساطات والضغوط السياسية والعلاقات الشخصية، فتضيع الحدود بين الاستثمار المشروع والاستحواذ المقنع على المال العام.
أما الوجه الأكثر خطورة للفساد فهو تهريب الأموال إلى الخارج. فالأموال التي تخرج بطرق غير مشروعة لا تمثل مجرد أرقام تغادر المصارف، بل هي مشاريع ومدارس ومستشفيات ومصانع وفرص عمل تضيع من مستقبل البلاد. وعندما تتسرب الثروة الوطنية إلى حسابات خارجية أو عقارات أجنبية أو شركات وهمية، فإن الاقتصاد الوطني يفقد جزءاً من قدرته على النمو والتنمية والاستقرار.
وتشير الخبرات الدولية إلى أن شبكات الفساد الكبرى لا تعمل بمعزل عن البيئة المحيطة بها. فهناك دائماً مستفيدون في الداخل، وقد توجد أطراف خارجية تستغل الثغرات القانونية أو ضعف الرقابة أو حاجة بعض المسؤولين لتحقيق مكاسب خاصة. لكن الحقيقة الجوهرية تبقى أن أي عملية نهب منظمة لا يمكن أن تنجح من الخارج ما لم تجد لها أبواباً مفتوحة من الداخل.
لقد نجحت دول كانت غارقة في الفساد أكثر مما هو عليه الحال في كثير من الدول النامية اليوم. سنغافورة وهونغ كونغ وإستونيا وغيرها أثبتت أن القضاء على الفساد ليس حلماً مستحيلاً، بل مشروع دولة يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية ومؤسسات مستقلة وقوانين صارمة وشفافية كاملة.
الحل في العراق لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ بإعادة بناء مفهوم الدولة نفسها. فالدولة التي تريد الانتصار على الفساد يجب أن تجعل القانون أعلى من النفوذ، والكفاءة أعلى من الولاء، والمصلحة العامة أعلى من المصالح الحزبية والشخصية.
ويقتضي ذلك إطلاق مشروع وطني شامل للتحول الرقمي الكامل، بحيث تصبح العقود والأراضي والمناقصات والإنفاق الحكومي والتعيينات والإجراءات الإدارية خاضعة لأنظمة إلكترونية قابلة للتدقيق والتتبع. فكل معاملة تُنزع من الورق وتدخل إلى النظام الرقمي تُغلق معها نافذة جديدة من نوافذ الرشوة والتلاعب.
كما يتطلب الأمر قضاءً مستقلاً لا يخضع لأي ضغط سياسي أو اقتصادي، وهيئات رقابية تمتلك صلاحيات حقيقية للوصول إلى الملفات الكبرى دون خطوط حمراء أو حصانات غير مبررة. فالعدالة التي تتوقف عند صغار الموظفين ليست عدالة، بل إعادة إنتاج للفساد بأشكال جديدة.
إن المعركة ضد الفساد ليست معركة مالية فقط، بل هي معركة وجودية تتعلق بمستقبل الدولة العراقية نفسها. فالدول لا تسقط دائماً بالحروب والغزوات، بل قد تنهار من الداخل عندما تتحول مؤسساتها إلى أدوات لتوزيع الغنائم بدلاً من خدمة المواطنين. والتاريخ يعلمنا أن الحضارات العظيمة لا تفقد قوتها بسبب الفقر، وإنما بسبب تآكل منظومة النزاهة والعدالة فيها.
العراق اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي. فإما أن ينتصر مشروع الدولة والقانون والمؤسسات، وإما أن تستمر دوامة الهدر والفساد واستنزاف الثروة الوطنية. وبين هذين الطريقين تتحدد ملامح مستقبل وطن يمتلك من الإمكانات ما يؤهله ليكون في مقدمة الأمم، لو أن ثرواته أُديرت بعقل الدولة لا بمنطق الغنيمة، وبأخلاق المسؤولية لا بشهوة الاستحواذ، وبسيادة القانون لا بسطوة النفوذ.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي ...
- رومان رولان مهنة الأدب لاتقتصر على إنتاج الجمال إنما تتمثل أ ...
- عبد الأمير الخطيب جماليات الكرسي وتحولات المعنى
- نحو فلسفة أعمق لمعنى الوطن
- قوة الردع الوطنية وحماية المجال الحيوي للدولة العراقية
- عبد الأمير الحصيري ليس حديثًا عن شاعرٍ عراقيٍّ عابر
- دولة منتجة وقوة اقتصادية مستقبلية
- أبندرانات طاغور جائزة نوبل للآداب عام 1913
- الاشتراكية بين الحرية والعدالة
- غيرهارد هاوبتمان Gerhart Hauptmann الفائز بجائزة نوبل للآداب ...
- الواجهة
- بين دجلة وفارس ليست المدينةُ جدرانًا تُرفع
- الملائكة الحزينة
- الكتابة ذلك الجرح القديم
- موريس ميترلنك (Maurice Maeterlinck نوبل للآداب عام 1911
- الفنان فيصل لعيبي البعد الإنساني
- تجربة الفنان يونس العزاوي
- جفري إبستين الجريمة المنظمة داخل النخبة العالمية
- بول يوهان لودفيغ جائزة نوبل للآداب 1910
- جديث الشعر


المزيد.....




- فيديو لمستوطنين وجندي إسرائيلي يضربون فلسطينيين حتى فقد أحده ...
- ترامب: لم أعد بضمان عدم اندلاع حروب
- ترامب: المفاوضات مع إيران تركزت على سد -ثغرة- بشأن برنامجها ...
- -لغة القوة-.. قاليباف يعلق بعد قصف إسرائيل الضاحية الجنوبية ...
- إسرائيل تواجه ارتفاعاً غير مسبوق في عدد الإصابات النفسية بين ...
- لماذا تتزايد الانتقادات الأمريكية للسياسات الأوروبية؟
- ديفيد لامي يرد على فانس ويصف تصريحاته بشأن الهجرة بأنها -خطأ ...
- 10 قتلى فلسطينيين في غارات إسرائيلية على غزة بينهم مدنيون وض ...
- قبيل اجتماع لندن.. ضربات روسية قرب تشيرنوبل وموسكو تسقط مئات ...
- خبير عسكري: النبطية فخ إستراتيجي لإسرائيل ومعركة استنزاف مكل ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاشم معتوق - العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمتلك كل أسباب النجاح