أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي الحديث















المزيد.....

فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي الحديث


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 18:24
المحور: الادب والفن
    


فيرنر فون هايدنستام Verner von Heidenstam شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي الحديث

في تاريخ الآداب العالمية أسماءٌ تكتب الكتب، وأسماءٌ تصنع العصور. وإذا كان الأدب السويدي الحديث قد عرف خلال القرنين التاسع عشر والعشرين عدداً من المبدعين الكبار، فإن قلة منهم استطاعت أن تتحول إلى ظاهرة ثقافية وتاريخية شاملة كما تحول فيرنر فون هايدنستام (Verner von Heidenstam). لقد كان شاعراً وروائياً ومفكراً وصانع ذاكرة قومية، ورجلاً جمع في شخصه بين حساسية الفنان ورؤية المؤرخ ووعي الفيلسوف. ولهذا لم يكن حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 1916 مجرد تكريم لكاتب بارز، بل اعترافاً رسمياً بدوره في تأسيس عصر جديد في الأدب السويدي وإعادة تعريف العلاقة بين الأمة وتاريخها ومخيلتها.
وُلد كارل غوستاف فيرنر فون هايدنستام (Carl Gustaf Verner von Heidenstam) في السادس من يوليو عام 1859 في أولشامار (Olshammar) وسط السويد، في أسرة نبيلة عريقة ارتبطت بالتقاليد الأرستقراطية والثقافة الرفيعة. غير أن المرض الذي رافقه في طفولته أبعده عن الحياة التقليدية، ودفعه نحو عالم التأمل والقراءة والسفر. ومنذ شبابه المبكر أخذ يجوب أوروبا والشرق الأدنى والبحر المتوسط، فزار إيطاليا وفرنسا واليونان وإسبانيا ومصر وتركيا، وهناك تشكلت رؤيته الكبرى للحياة والفن.
كان يرى في الحضارات القديمة أكثر من مجرد آثار حجرية؛ كان يرى فيها ذاكرة الإنسانية ذاتها. وحين كان معاصروه ينشغلون بوصف المدن الصناعية ومشكلات الطبقات الاجتماعية، كان هو يتأمل المعابد الإغريقية، والقباب الشرقية، وأشجار الزيتون الممتدة على سواحل المتوسط، والبحر الذي حمل الأساطير والحضارات منذ آلاف السنين. ولهذا جاءت كتاباته الأولى مشبعة بروح السفر والبحث والاكتشاف.
في عام 1888 أصدر عمله الشهير الحج وسنوات الترحال (Vallfart och vandringsår)، وهو الكتاب الذي أعلن ولادة صوت جديد في الأدب السويدي. لم يكن ديواناً بالمعنى التقليدي، بل سيرة روحية لشاعر يبحث عن الجمال في العالم. وفي إحدى الصور المتكررة في هذا العمل يبدو الإنسان كأنه مسافر أبدي، يعبر المدن والبحار لا ليصل إلى مكان معين، بل ليكتشف نفسه. فالطريق عند هايدنستام ليس انتقالاً بين نقطتين، بل تجربة وجودية. والبحر ليس مساحة مائية، بل رمز للحرية والمجهول. والشرق ليس جغرافيا، بل استعارة للحلم البشري القديم.
ومن خلال هذا العمل أعلن ثورته على المدرسة الطبيعية (Naturalism) التي كانت مهيمنة في عصره. فقد رأى أن الأدب فقد شيئاً من جوهره حين تحول إلى تسجيل ميكانيكي للواقع. كان يؤمن أن الإنسان أكبر من بيئته، وأن الروح الإنسانية لا يمكن اختزالها في الاقتصاد أو السياسة أو الوراثة. ولهذا دعا إلى إعادة الاعتبار للخيال والجمال والبطولة والتاريخ. لقد أراد أن يعيد إلى الأدب حقه في الحلم.
وتجلت هذه الرؤية بصورة أكثر نضجاً في قصائده الوطنية التي أصبحت جزءاً من الوجدان السويدي. غير أن الوطنية عند هايدنستام لم تكن خطاباً سياسياً مباشراً، بل كانت إحساساً عميقاً بالانتماء إلى سلسلة طويلة من الذكريات والأبطال والأغاني والأساطير. كان يؤمن أن الأمة ليست حدوداً مرسومة على الخريطة، وإنما كائن روحي يعيش في اللغة والذاكرة الجماعية.
ومن أجمل ما يمكن استخلاصه من عالمه الشعري أن الوطن عنده لا يسكن الأرض فقط، بل يسكن الإنسان نفسه. ولذلك تبدو قصائده وكأنها حوار مستمر بين الفرد والتاريخ. إنه يستحضر الملوك والمحاربين والبحارة والفلاحين لا باعتبارهم شخصيات ماضية، بل بوصفهم أصواتاً ما تزال تتحدث داخل الحاضر.
ثم جاءت تحفته النثرية الكبرى الكارولينيون (Karolinerna) لتضعه في مصاف كبار الروائيين التاريخيين في أوروبا. في هذا العمل يستعيد عصر الملك كارل الثاني عشر (Charles XII) وجنوده الذين خاضوا الحروب الكبرى في شمال أوروبا. غير أن ما يلفت النظر هنا هو أن هايدنستام لا يكتب التاريخ بوصفه مؤرخاً، بل بوصفه شاعراً يرى في الأحداث تجليات للمصير الإنساني.
في أحد أكثر المشاهد تأثيراً يصور جندياً سويدياً عائداً من الحروب الطويلة. لقد أرهقه البرد والجوع وطول المسير، وضاعت منه أحلام الشباب، لكنه ما يزال متمسكاً بكرامته. هنا لا تعود الحرب موضوع النص الحقيقي، بل الإنسان نفسه. فالكاتب يريد أن يقول إن البطولة لا تكمن في الانتصار دائماً، بل في القدرة على الحفاظ على الشرف والوفاء وسط الهزيمة والمعاناة.
ومن هذه الرؤية تنبع عظمة الكارولينيون. فالشخصيات التاريخية تتحول إلى رموز إنسانية كبرى. والوقائع العسكرية تصبح تأملاً في الزمن والموت والولاء والمصير. ولهذا السبب بقي الكتاب جزءاً من الذاكرة الثقافية السويدية لأكثر من قرن.
أما مشروعه التاريخي الأوسع فقد تجسد في رواية «شجرة الفولكونغ» (Folkungaträdet)، حيث عاد إلى العصور الوسطى السويدية مستحضراً الملوك والنبلاء والمحاربين والصراعات التي أسهمت في تشكيل الأمة. لكن التاريخ عنده لا يُستدعى من أجل تمجيد الماضي فحسب، بل لفهم الحاضر أيضاً. إنه يرى أن الأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من روحها.
ومع مرور الزمن أخذ صوته الأدبي يزداد عمقاً وتأملاً. ففي مجموعته المتأخرة «قصائد جديدة» (Nya Dikter) الصادرة عام 1915، يظهر هايدنستام وقد تجاوز حماسة الشباب إلى حكمة الشيخوخة. لم يعد يتحدث كثيراً عن الرحلات والبطولات، بل عن الزمن نفسه. عن الأعوام التي تمضي، والأحلام التي تتغير، والوجوه التي تختفي، والذكريات التي تبقى.
هناك نبرة هادئة تسري في هذه القصائد، نبرة رجل نظر طويلاً إلى الحياة وأدرك أن المجد الحقيقي ليس في الانتصارات الخارجية وحدها، بل في ما يتركه الإنسان من أثر روحي وجمالي في العالم. ولهذا تقترب بعض قصائده المتأخرة من التأمل الفلسفي الخالص، حيث يصبح التاريخ الخارجي تاريخاً داخلياً للنفس البشرية.
وعلى المستوى الفني، يتميز هايدنستام بقدرة نادرة على تحويل الكلمات إلى صور. لقد أراد في شبابه أن يكون رساماً، ويبدو أن الرسام لم يغادره أبداً. فالقارئ يشعر وهو يقرأه بأنه أمام لوحات متحركة: سماء شمالية مضيئة، بحر متوسطي أزرق، جنود يسيرون في الثلوج، قلاع قديمة تتحدى الزمن، وأشجار زيتون تتمايل فوق أطلال الحضارات. ولهذا اكتسب أدبه طابعاً بصرياً فريداً جعل النقاد يتحدثون عن الرسم بالكلمات عند هايدنستام.
كما يتميز أسلوبه بموسيقى داخلية عميقة. فالجمل تتدفق بانسياب شعري حتى في كتاباته النثرية، وكأن الشعر كان اللغة الأصلية التي يفكر بها. ولهذا يصعب الفصل بين الشاعر والروائي فيه؛ فكلاهما يعمل داخل النسيج ذاته.
وقد كان تأثيره هائلاً في الثقافة السويدية. فمع معاصريه الكبار مثل أوغست ستريندبرغ (August Strindberg) وسلمى لاغرلوف (Selma Lagerlöf) وغوستاف فرودينغ (Gustaf Fröding)، أسهم في تشكيل العصر الذهبي للأدب السويدي الحديث. غير أن مكانته بقيت مختلفة، لأنه لم يكن مجرد كاتب كبير، بل مهندساً للخيال القومي نفسه.
وعندما منحته الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب عام 1916، قالت إنها تكرمه بوصفه «الممثل الأبرز لعصر جديد في الأدب السويدي». وهي عبارة دقيقة للغاية، لأن هايدنستام لم ينجح فقط في كتابة أعمال عظيمة، بل نجح في تغيير اتجاه الأدب كله. لقد أعاد الاعتبار للجمال في مواجهة الجفاف الفكري، وللخيال في مواجهة الاختزال الواقعي، وللتاريخ في مواجهة النسيان.
واليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على تتويجه، ما يزال فيرنر فون هايدنستام واحداً من الرموز المؤسسة للثقافة الإسكندنافية الحديثة. لقد رأى أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا بالسياسة وحدها، ولا حتى بالعلم وحده، بل يعيش أيضاً بالذاكرة والجمال والحلم. ولهذا بقي أدبه حياً، لأنه يتحدث عن حاجة إنسانية خالدة: حاجة الإنسان إلى أن يجد نفسه في قصة أكبر من حياته الفردية، وفي تاريخ أعمق من زمنه الشخصي، وفي جمال يتجاوز حدود الواقع العابر.
إن فيرنر فون هايدنستام ليس مجرد شاعر سويدي فاز بجائزة نوبل، بل هو أحد أولئك الأدباء النادرين الذين استطاعوا أن يجعلوا الأدب وطناً موازياً، والتاريخ قصيدة كبرى، والإنسان كائناً يسافر بين الذاكرة والحلم بحثاً عن المعنى.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رومان رولان مهنة الأدب لاتقتصر على إنتاج الجمال إنما تتمثل أ ...
- عبد الأمير الخطيب جماليات الكرسي وتحولات المعنى
- نحو فلسفة أعمق لمعنى الوطن
- قوة الردع الوطنية وحماية المجال الحيوي للدولة العراقية
- عبد الأمير الحصيري ليس حديثًا عن شاعرٍ عراقيٍّ عابر
- دولة منتجة وقوة اقتصادية مستقبلية
- أبندرانات طاغور جائزة نوبل للآداب عام 1913
- الاشتراكية بين الحرية والعدالة
- غيرهارد هاوبتمان Gerhart Hauptmann الفائز بجائزة نوبل للآداب ...
- الواجهة
- بين دجلة وفارس ليست المدينةُ جدرانًا تُرفع
- الملائكة الحزينة
- الكتابة ذلك الجرح القديم
- موريس ميترلنك (Maurice Maeterlinck نوبل للآداب عام 1911
- الفنان فيصل لعيبي البعد الإنساني
- تجربة الفنان يونس العزاوي
- جفري إبستين الجريمة المنظمة داخل النخبة العالمية
- بول يوهان لودفيغ جائزة نوبل للآداب 1910
- جديث الشعر
- سلمى لاغرلوف نوبل للآداب 1909


المزيد.....




- بيت المدى يستذكر -أبو سرحان- ابرز شعراء الاغنية السبعينية
- -7 دوجز-.. فيلم استثنائي أم نسخة معربة من هوليوود؟
- رحلة سلمان بونعمان لفهم النهضة اليابانية.. مصالحة الهوية وال ...
- هيلين ميرين.. مسيرة سينمائية في خدمة السردية الإسرائيلية من ...
- -مدينة من ورق-.. مكتبة في نيويورك تضم 3.5 ملايين صفحة من ملف ...
- فنانة أمريكية تواجه بلوحاتها إقصاء الأمريكيين السود
- 6 شهداء و4 جرحى جراء غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية جنوب ل ...
- تفاصيل صادمة حول حريق حاملة الطائرات -جيرالد فورد-: دمار واس ...
- تضارب الروايات حول انفجار تل أبيب: -حنظلة- تزعم اغتيال ضابط ...
- بسبب جدارية تاريخية.. فنان أمريكي يقاضي -فيفا- ويطالب بـ 25 ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي الحديث