أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - بين دجلة وفارس ليست المدينةُ جدرانًا تُرفع














المزيد.....

بين دجلة وفارس ليست المدينةُ جدرانًا تُرفع


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 16:13
المحور: الادب والفن
    


بين دجلة وفارس سيرةُ المدينة الأولى وصراعُ البقاء

ليست المدينةُ جدرانًا تُرفع، ولا طرقًا تُعبد، ولا أسواقًا تمتلئ بالباعة والعابرين.
المدينةُ، في معناها العميق، هي اللحظة التي انتصر فيها الإنسان على خوفه الأول.
هي اللحظة التي قرّر فيها أن يبقى.
أن يبني بيتًا بدل أن يطارد الكهوف، وأن يزرع بدل أن يهرب، وأن يكتب بدل أن ينسى.
ومنذ أن بدأ التاريخ البشري يفتح عينيه على الأرض، وقفت منطقتان في قلب هذا الميلاد العظيم:
أرضُ الرافدين، والهضبةُ الإيرانية.
هناك، بين طين دجلة والفرات، وبين جبال فارس وسهولها، لم تولد دول فقط، بل وُلدت فكرة “المدينة” نفسها؛ فكرة النظام، والحرفة، والسلطة، والذاكرة، والقانون، والإنسان الذي يرى نفسه جزءًا من جماعة أكبر من القبيلة والخيمة والنجاة اليومية.
العراق: حين اخترع الإنسان المدينة
العراق
في العراق لم تبدأ الحضارة بوصفها رفاهية، بل بوصفها ضرورة.
فالنهران العظيمان، دجلة والفرات، كانا يمنحان الحياة ويهددانها في الوقت نفسه.
ومن أجل السيطرة على الماء، تعلّم الإنسان التنظيم.
ومن أجل التنظيم، ظهرت السلطة.
ومن أجل السلطة، ظهرت المدينة.
هكذا خرجت إلى العالم مدن لم تكن البشرية قد رأت مثلها من قبل:
أوروك
أور
بابل
نينوى
كانت تلك المدن معجزةً بشرية كاملة.
فيها ارتفعت الأسوار للمرة الأولى دفاعًا عن النظام لا عن القبيلة فقط.
وفيها وقف الحراس على الأبراج يراقبون الليل والبوابات والأنهار.
وفيها ظهرت الأسواق التي لا تبيع الطعام وحده، بل تبيع الأفكار واللغات والأساطير.
هناك أيضًا تعلّم الإنسان أن يحوّل الطين إلى بيت، والقصب إلى سقف، والكتابة إلى خلود.
من الطين خرج الخلود
لم يكن العراقي القديم يبني بيتًا فحسب، بل كان يبني ذاكرة.
في تلك المدن ظهرت:
أول كتابة مسمارية،
وأول قانون مكتوب،
وأول أرشيف إداري،
وأول مكتبات العالم.
وفي مكتبة آشور بانيبال
حُفظت آلاف الألواح التي حملت أحلام البشر الأولى، وخوفهم الأول، وشعرهم الأول.
ومن هناك خرجت ملحمة جلجامش،
النص الذي لم يكن مجرد أسطورة، بل صرخة الإنسان الأولى في وجه الموت.
لقد أعطى العراق البشرية أعظم اختراعين:
المدينة،
والذاكرة المكتوبة.
ولهذا لا يمكن الحديث عن الحضارة الإنسانية دون المرور ببلاد الرافدين كما يمر النهر من قلب الأرض.
لكن العراق كان أيضًا أرض الانكسارات الكبرى
العراق عبقريٌ في الولادة، لكنه جريحٌ في الاستمرار.
فكما كانت مدنه تُولد عظيمة، كانت تُستهدف عظيمة أيضًا.
تعاقبت عليه الإمبراطوريات والجيوش والحرائق والطوفانات، حتى بدا تاريخه أحيانًا كأنه معركة لا تنتهي بين البناء والخراب.
وحين سقطت بغداد في كارثة سقوط بغداد سنة 1258، لم تسقط مدينة فقط، بل سقط قلب العالم الإسلامي ومركزه العلمي والثقافي.
أُحرقت المكتبات، وغرقت الكتب، وتحولت مدينة كانت تُشبه الشمس إلى رماد.
ومنذ ذلك الزمن، ظل العراق ينهض ثم يُكسر، ويبني ثم يُستنزف، كأن قدره أن يظل عظيمًا ومجروحًا في آنٍ واحد.
إيران: حضارة البقاء الطويل
إيران
أما إيران، فلم تكن غالبًا أول من اخترع، لكنها كانت من أكثر الحضارات قدرةً على الاستمرار.
المدينة الإيرانية ليست انفجارًا حضاريًا مفاجئًا مثل بعض مدن العراق القديمة، بل بناءٌ طويل النفس، شديد الصبر، يعرف كيف يعيد تشكيل نفسه عبر القرون.
في:
برسبوليس،
أصفهان،
شيراز،
تبدو المدينة الإيرانية كأنها مشروع للاستمرار أكثر من كونها لحظة ولادة أولى.
فالشوارع بقيت، والأسواق بقيت، والحدائق بقيت، والعمارة ظلّت تحمل روحها رغم تغير الدول والسلالات.
لقد امتلكت إيران قدرة نادرة على ترميم نفسها بعد الهزائم، وعلى الحفاظ على الشخصية المدنية عبر الزمن.
بين بغداد وأصفهان
إذا كانت بغداد قد مثّلت ذروة العبقرية الفكرية للمدينة الشرقية، فإن أصفهان مثّلت ذروة الاستقرار الجمالي لها.
بغداد كانت عقل الحضارة.
وأصفهان كانت هندستها الهادئة.
بغداد مدينةٌ تشتعل بالفكر والترجمة والفلسفة.
وأصفهان مدينةٌ تتأمل نفسها في الماء والحدائق والقباب الزرقاء.
الأولى كانت أشبه بثورة عقلية.
والثانية كانت أشبه بفن طويل العمر.
من الأكثر مدنية؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة شديد التعقيد.
إذا كانت المدنية تعني:
الاختراع الأول،
والابتكار الأول،
والكتابة الأولى،
والقانون الأول،
فإن العراق يقف في المقدمة بوصفه الأب الأقدم للمدينة البشرية.
أما إذا كانت المدنية تعني:
الاستمرار،
والثبات،
والقدرة على النجاة،
وإعادة البناء بعد الانهيار،
فإن إيران تمتلك تجربة أكثر استقرارًا عبر الزمن.
ولهذا فإن المقارنة الحقيقية ليست بين حضارة عظيمة وأخرى أقل شأنًا، بل بين نوعين مختلفين من العبقرية التاريخية:
عبقرية الولادة في العراق،
وعبقرية البقاء في إيران.
ربما كانت المدن العراقية تُشبه الشعر:
مضيئة، عميقة، مذهلة، لكنها معرّضة دائمًا للاحتراق.
أما المدن الإيرانية فتُشبه العمارة:
هادئة، متماسكة، تعرف كيف تقاوم الزمن.
لكن الحضارة الإنسانية لم تكن لتصبح ما هي عليه دون الاثنين معًا.
فالعراق منح العالم بداية الحلم.
وإيران منحت الحلم قدرةً أطول على البقاء.
وبين النهر والجبل، وبين الطين والحجر، وبين الزقورة والقبة الفارسية، كُتب فصلٌ هائل من قصة الإنسان؛
قصة الإنسان حين قرّر ألا يعيش فقط… بل أن يتحضّر.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الملائكة الحزينة
- الكتابة ذلك الجرح القديم
- موريس ميترلنك (Maurice Maeterlinck نوبل للآداب عام 1911
- الفنان فيصل لعيبي البعد الإنساني
- تجربة الفنان يونس العزاوي
- جفري إبستين الجريمة المنظمة داخل النخبة العالمية
- بول يوهان لودفيغ جائزة نوبل للآداب 1910
- جديث الشعر
- سلمى لاغرلوف نوبل للآداب 1909
- جوزيه ساراماغو نوبل للأدب عام 1998
- رودولف كريستوف أوكن جائزة نوبل للأدب 1908
- المجتمع العراقي من أكثر المجتمعات تعقيدًا
- قراءة في تجربة الشاعرة نجاة عبدالله
- روديارد كبلينغ الحائز على نوبل للأدب 1907
- الشاعر بدر شاكر السياب والسيدة بلقيس شرارة
- جوزويه كاردوتشي جائزة نوبل للأدب سنة 1906
- المسافة الدافئة
- لشاعر أحمد مطر شعر الاحتجاج في القصيدة العربية الحديثة
- الشاعر أحمد مطر شعر الاحتجاج والضمير السياسي في القصيدة
- هربرت سبنسر فكره وسياقه الاجتماعي والسياسي


المزيد.....




- سناء الشعلان: سيرةٌ لا تُختزل في هوامش -قراءة في مشوار امرأة ...
- بميزانية 250 مليون دولار.. ملحمة -الأوديسة- تستعد لاجتياح ال ...
- نقابة الفنانيين الأردنيين: قرار شطب صبا مبارك نهائي
- من السينما إلى الريشة.. جوني ديب يجدد الجدل حول قيمة -فن الن ...
- مشاهير من هوليوود يهاجمون إدارة ترامب في فيديو بمناسبة عيد ا ...
- قرار بإخلاء البيت العربي بمدريد.. باهرة عبد اللطيف: يأخذون ا ...
- -تساؤلات- مفتوحة على قيم جمالية متنوعة في -الآرت هاوس- بدمشق ...
- تصدّع في الرواية الإسرائيلية.. الاستخبارات رفضت جزم نتنياهو ...
- اختتام مشروع -القطار المسرحي- في موسكو بعد جولة ثقافية شملت ...
- شاهد.. آلة بيع تعرض أعمال فنانين جدد مقابل دولار واحد فقط


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - بين دجلة وفارس ليست المدينةُ جدرانًا تُرفع