أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - الكتابة ذلك الجرح القديم














المزيد.....

الكتابة ذلك الجرح القديم


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


الكتابة بوصفها ولادةً ثانية للعالم

الكتابة ليست مهنةً للغة، ولا لعبةً من ألعاب البلاغة، بل هي ذلك الجرح القديم الذي يحاول الإنسان عبره أن يترك أثرًا ضد العدم. فمنذ اللحظة التي خطّ فيها الإنسان الأول رمزه المرتبك على جدار كهفٍ بارد، لم يكن يريد أن يدوّن يومه فقط، بل أن يقول للزمن لقد كنت هنا، وخفتُ، وأحببتُ، وتأملتُ السماء.
ولهذا لا تولد النصوص الأدبية من الكلمات وحدها، بل من حاجةٍ داخلية تشبه الحاجة إلى التنفس. فالنص الحقيقي لا يُكتب لأن الكاتب يريد الكتابة فقط، بل لأنه لم يعد قادرًا على الصمت. هناك دائمًا شيء ما يفيض في الداخل فكرة، ذكرى، ألم، سؤال، صورة، نداء غامض، أو ذلك الإحساس العجيب بأن العالم أوسع من أن يُعاش دون لغة.
لكن الكتّاب لا يدخلون إلى النص من الباب نفسه. بعضهم يبدأ بالفكرة، وآخرون يبدأون بالإحساس، وغيرهم يبدأون بالصوت، أو بالإيقاع، أو بصورةٍ لا يفهمونها تمامًا لكنها تظل تطاردهم حتى تتحول إلى كتابة. ولهذا اختلفت طرائق الكتابة عبر العصور، واختلفت معها طبيعة النصوص، ودرجة بقائها، وقدرتها على الوصول إلى القارئ.
هناك من يكتب كما يبني مهندسٌ معبدًا. تبدأ الكتابة عنده بفكرة واضحة، ثم تتشكل الشخصيات والمشاهد والجمل لخدمة تلك الفكرة. هذا النوع من الكتابة نجده كثيرًا في الروايات الفكرية والفلسفية، حيث يكون النص محاولةً لفهم الإنسان أو التاريخ أو السلطة أو الخير والشر. في هذه الكتابة تكون اللغة عقلًا يفكر، لا قلبًا يرتجف. وهي كتابة تمنح النص عمقًا ووضوحًا، لكنها أحيانًا تقع في خطرٍ خفي؛ إذ يتحول العمل الأدبي إلى خطبة طويلة، وتتحول الشخصيات إلى أدواتٍ تشرح أفكار الكاتب بدل أن تعيش حياتها الخاصة.
وفي المقابل، هناك كتابة لا تبدأ بالفكرة أصلًا، بل تبدأ برجفة. قد تكون رائحة بيت قديم، أو خوفًا مفاجئًا، أو حزنًا بلا سبب، أو لحظة صمت طويلة أمام نافذة ممطرة. هنا لا يعرف الكاتب إلى أين يذهب النص، بل يذهب معه. اللغة في هذا النوع ليست وسيلة لنقل الشعور، بل تصبح هي الشعور نفسه. ولهذا يشعر القارئ أحيانًا أن بعض النصوص لا تُقرأ، بل تُعاش من الداخل. غير أن هذا الطريق أيضًا محفوف بالخطر لأن الكاتب قد يغرق في غموضه الخاص، فيكتب نصًا لا يفتح بابًا للقارئ بل يغلقه عليه.
وربما كانت أعمق الكتابات في التاريخ هي تلك التي تعاملت مع اللغة بوصفها كشفًا لا صناعة. في النصوص النبوية والمقدسة لم تكن الكلمة مجرد أداة تعبير، بل كانت حدثًا روحيًا يهزّ الوعي الإنساني. اللغة هنا لا تصف العالم فقط، بل تعيد خلق العلاقة بين الإنسان والوجود. ولهذا بقيت النصوص المقدسة حية عبر القرون؛ لأنها لا تعطي معنى واحدًا مغلقًا، بل تمنح كل عصر فرصةً جديدة لاكتشافها من جديد. إن سرّ خلود هذه النصوص ليس في قداستها وحدها، بل في قدرتها العجيبة على الجمع بين البساطة والعمق، بين الموسيقى والمعنى، بين الرمز والوضوح.
ومن هذه النقطة بالذات تعلّم الأدب العظيم كيف يعيش طويلًا. فالنصوص الخالدة لا تُستهلك في قراءة واحدة، لأنها لا تكشف كل شيء دفعةً واحدة. إنها تترك فراغات صغيرة يدخل منها القارئ، فيصبح شريكًا في خلق المعنى لا مجرد متلقٍ له. القارئ لا يحب النص الذي يشرح له العالم بالكامل، بل النص الذي يسمح له بأن يرى نفسه داخله. ولهذا تبقى بعض الروايات والقصائد حيّة رغم مرور القرون، بينما تموت آلاف الكتب فور انتهائها؛ لأن النص الحي ليس هو النص الذي يقول كل شيء، بل النص الذي يوقظ شيئًا نائمًا في قارئه.
ولعل الخطأ الأكبر في فهم الكتابة هو الاعتقاد أن جمال النص يكمن في زخرفته اللغوية فقط. فاللغة الجميلة وحدها لا تصنع أدبًا حيًا. هناك نصوص مليئة بالاستعارات لكنها بلا روح، كتماثيل متقنة الصنع لكنها باردة. إن ما يجعل النص حيًا حقًا هو ذلك النبض الخفي الذي لا يُدرَّس في كتب البلاغة: الصدق. ليس الصدق بمعناه الأخلاقي البسيط، بل الصدق الوجودي أي أن يشعر القارئ أن الكاتب كتب لأنه كان مضطرًا للكتابة، لا لأنه أراد أن يبدو ذكيًا أو بليغًا.
ولهذا فإن أكثر النصوص نضوجًا ليست بالضرورة الأكثر تعقيدًا، بل الأكثر قدرةً على الجمع بين الفكر والإحساس، بين الموسيقى والمعنى، بين العمق والبساطة. النص العظيم يشبه الكائن الحي؛ له جسد هو اللغة، وله روح هي التجربة الإنسانية التي تسكنه. وإذا انفصل الجسد عن الروح مات النص مهما بلغت فصاحته.
وحين ننظر إلى الكتابة عبر التاريخ، من الملاحم القديمة إلى الرواية الحديثة، ومن الحكمة الشرقية إلى الشعر الصوفي، ومن النصوص المقدسة إلى اليوميات الشخصية، نجد أن هناك شيئًا واحدًا يجمع كل الكتابات العظيمة: محاولة الإنسان مقاومة الفناء. فالإنسان يكتب لأنه يدرك هشاشته، ولأنه يعرف أن الزمن يمحو كل شيء، فيحاول أن يختبئ داخل اللغة قليلًا.
إن الكاتب، في النهاية، لا يخلق الكلمات فقط، بل يخلق طريقةً جديدة لرؤية العالم. وكل نص حقيقي هو ولادة ثانية للحياة داخل اللغة. ولذلك تبقى الكتابة أعظم محاولة بشرية لتحويل الألم إلى معنى، والغياب إلى حضور، والزمن العابر إلى أثر لا يزول.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- موريس ميترلنك (Maurice Maeterlinck نوبل للآداب عام 1911
- الفنان فيصل لعيبي البعد الإنساني
- تجربة الفنان يونس العزاوي
- جفري إبستين الجريمة المنظمة داخل النخبة العالمية
- بول يوهان لودفيغ جائزة نوبل للآداب 1910
- جديث الشعر
- سلمى لاغرلوف نوبل للآداب 1909
- جوزيه ساراماغو نوبل للأدب عام 1998
- رودولف كريستوف أوكن جائزة نوبل للأدب 1908
- المجتمع العراقي من أكثر المجتمعات تعقيدًا
- قراءة في تجربة الشاعرة نجاة عبدالله
- روديارد كبلينغ الحائز على نوبل للأدب 1907
- الشاعر بدر شاكر السياب والسيدة بلقيس شرارة
- جوزويه كاردوتشي جائزة نوبل للأدب سنة 1906
- المسافة الدافئة
- لشاعر أحمد مطر شعر الاحتجاج في القصيدة العربية الحديثة
- الشاعر أحمد مطر شعر الاحتجاج والضمير السياسي في القصيدة
- هربرت سبنسر فكره وسياقه الاجتماعي والسياسي
- هنريك سينكيفيتش نوبل للأدب سنة 1905
- فريدريك ميسترال جائزة نوبل للأدب سنة 1904


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - الكتابة ذلك الجرح القديم