أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً














المزيد.....

كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 15:04
المحور: الادب والفن
    


كريم سعدون حين لا يعود الوجه وجهاً بل يصير أثراً للروح

في تجربة الفنان العراقي كريم سعدون لا يعود الوجه موضوعاً للرسم بالمعنى التقليدي الذي عرفه تاريخ البورتريه، ولا يعود الرأس مركزاً للتشخيص أو التعريف بالشخصية، بل يتحول إلى حقل وجودي كثيف تتقاطع فيه الذاكرة مع المنفى، والروح مع الجسد، والحضور مع الغياب. إن المتأمل لهذه الأعمال لا يشعر أنه أمام معرض للوجوه، بل أمام أرشيف إنساني هائل لما تبقى من الإنسان بعد أن عبرت عليه الحروب والأزمنة والهجرات والانكسارات. هنا لا يرسم الفنان الملامح، بل يرسم ما تتركه الحياة فوق الملامح، ولا يوثق الهيئة الخارجية للكائن، بل ينقب في طبقاته الداخلية بحثاً عن أثر الروح وهي تواجه هشاشتها الوجودية.
تتأسس هذه التجربة على قلب المفهوم التقليدي للبورتريه رأساً على عقب. فمنذ عصر النهضة الأوروبية كان الوجه مرآة الهوية الفردية وعلامة الحضور الشخصي، وكانت مهمة الرسام أن يلتقط أدق التفاصيل التشريحية وأكثرها خصوصية. أما عند كريم سعدون فإن الوجه يفقد وظيفته التعريفية تماماً. لا يعود مهماً أن نعرف من هو هذا الشخص أو إلى أي زمن ينتمي أو ما هي ملامحه الحقيقية. كل ما يتبقى هو أثر إنساني مجرد، صورة للكائن في حالته الوجودية الأولى، قبل الأسماء والصفات والانتماءات. لهذا تبدو الرؤوس في أعماله وكأنها خرجت من ذاكرة بعيدة أو من حلم قديم لم تكتمل تفاصيله، وكأن الفنان يصر على تجريد الإنسان من كل ما هو عرضي ليكشف جوهره الأكثر هشاشة وعمقاً.
ومن هنا يمكن فهم تلك النزعة التشويهية التي تهيمن على البناء التشكيلي للعمل. فالتشويه عند كريم سعدون ليس خروجاً على المعرفة الأكاديمية، وليس تمرداً شكلياً على قوانين الرسم، بل هو موقف جمالي وفلسفي في آن واحد. فالحقيقة النفسية عنده أكثر أهمية من الحقيقة البصرية. ولذلك تتضخم الرؤوس على نحو غير طبيعي، وتتقلص الأجساد إلى إشارات مختزلة، وتختفي العيون أو تنكمش إلى خطوط بسيطة، فيما تتلاشى الأفواه وتفقد قدرتها على الكلام. إننا أمام تشريح مضاد، لا يدرس الجسد كما هو، بل كما يشعر به الإنسان من الداخل. الرأس يصبح خزينة للألم والذاكرة، والرقبة تتحول إلى عمود هش يحمل عبء الوجود، أما الجسد فيكاد ينسحب من المشهد تاركاً الروح وحدها في مواجهة العالم.
ويكتسب الخط في هذه الأعمال أهمية استثنائية، لأنه لا يؤدي وظيفة وصفية بقدر ما يؤدي وظيفة تحليلية تتنفس هواء الطبقات العليا للسماء البعيدة. فالخطوط المرتجفة والمتكسرة والمترددة تبدو كأنها تسجل حركة الوعي نفسه وهو يحاول الإمساك بصورة الإنسان داخل الحياة وعوالمها الدفينة. إنها خطوط لا تبحث عن اليقين، بل عن الاحتمال. لا تثبت الشكل بل تشكك فيه. ولهذا تبدو الرؤوس في حالة تشكل دائم، كأنها تولد وتختفي في اللحظة نفسها. إن الخط هنا يشبه نبضاً داخلياً أو ارتعاشة ذاكرة، ويمنح العمل ذلك التوتر التعبيري الذي يجعل المشاهد يشعر بأن الصورة لم تنته بعد، وأنها ما زالت تتكون أمام عينيه.
أما اللون فلا يحضر بوصفه عنصراً زخرفياً أو جمالياً خالصاً، وإنما بوصفه لغة شعورية مستقلة. الأزرق الذي يتكرر في عدد كبير من الأعمال لا يوحي بصفاء السماء بقدر ما يستدعي مساحات الحنين والبعد والمنفى. إنه لون الذاكرة حين تتحول إلى مكان. والأحمر لا يظهر كلون للحياة بقدر ما يظهر كجرح مفتوح داخل السطح التصويري، كندبة زمنية أو أثر صراع طويل. أما الأصفر فيحمل طابع الضوء المتآكل، الضوء الذي فقد براءته الأولى وتحول إلى بقايا إشراق قديم. ويأتي الأسود ليشكل العمود الفقري النفسي للعمل، بوصفه لون الغياب والظل والعمق واللاوعي. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الألوان لا تكمن في دلالاتها الرمزية فقط، بل في طريقة بنائها؛ إذ تتراكم فوق بعضها بعضاً في طبقات متلاحقة من الإضافة والمحو والخدش والطمس، حتى تبدو اللوحة نفسها كأنها ذاكرة مادية تراكمت عليها آثار الزمن.
وإذا كان من الصعب حصر تجربة كريم سعدون داخل مدرسة فنية واحدة، فإنها تقف عند نقطة التقاء نادرة بين التعبيرية الجديدة والتجريد التعبيري والفن الوجودي المعاصر. فهي تستعير من التعبيرية قدرتها على الكشف النفسي، ومن التجريد حريته الشكلية، ومن الفكر الوجودي انشغاله الدائم بأسئلة الإنسان الكبرى. ولهذا تبدو أعماله قريبة روحياً من بعض التجارب العالمية التي تعاملت مع الوجه بوصفه ساحة للقلق الإنساني، لكنها تحتفظ في الوقت ذاته بخصوصيتها العراقية الواضحة. فالتشظي الذي نراه هنا ليس مفهوماً فلسفياً مجرداً، بل هو أيضاً صدى لتاريخ طويل من الحروب والاقتلاع والمنفى والتحولات العنيفة التي عاشها الإنسان العراقي خلال العقود الأخيرة.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذه الأعمال هو تكرار الرأس الإنساني عشرات المرات. غير أن هذا التكرار لا يحمل أي معنى زخرفي أو شكلي. إنه أشبه بمحاولة متواصلة للإجابة عن سؤال واحد: من هو الإنسان؟ كل رأس يمثل احتمالاً مختلفاً للإجابة، وكل وجه يفتح باباً جديداً للتأمل. وكأن الفنان يدرك استحالة الوصول إلى صورة نهائية للكائن البشري، فيعود إلى الموضوع نفسه مرة بعد أخرى، لا ليكرره، بل ليكتشف فيه طبقات جديدة من المعنى. وهكذا تتحول اللوحة إلى سجل بصري للأرواح لا للأشخاص، وإلى خريطة داخلية للهشاشة الإنسانية في أكثر تجلياتها صدقاً.
في النهاية يمكن القول إن أهمية كريم سعدون لا تكمن في أنه أعاد رسم الوجه الإنساني، بل في أنه أعاد تعريفه بالكامل. لقد حرر البورتريه من وظيفته التقليدية بوصفه تمثيلاً للشكل، وحوله إلى أداة للتأمل في الوجود نفسه. لذلك لا يشعر المتلقي أمام هذه الأعمال بأنه يتعرف إلى شخص ما، بل يشعر بأنه يواجه شيئاً من ذاته. إنها أعمال لا تتحدث عن أفراد بعينهم، بل عن الإنسان بوصفه كائناً عابراً يحمل داخله ذاكرة ثقيلة وأسئلة لا تنتهي. ولهذا فإن كريم سعدون لا يرسم الوجوه كما تُرى، ولا كما تُعرف، بل كما تبقى بعد أن يعبر الزمن فوقها. إنه يرسم الأثر الأخير للروح، حين يتلاشى كل شيء آخر.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب في مخيلة فيصل لعيبي الدخان شاهداً على المصير الإنساني
- سيبيليوس وفنلندا قصة أمة كتبتها الموسيقى
- كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر م ...
- العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمت ...
- فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي ...
- رومان رولان مهنة الأدب لاتقتصر على إنتاج الجمال إنما تتمثل أ ...
- عبد الأمير الخطيب جماليات الكرسي وتحولات المعنى
- نحو فلسفة أعمق لمعنى الوطن
- قوة الردع الوطنية وحماية المجال الحيوي للدولة العراقية
- عبد الأمير الحصيري ليس حديثًا عن شاعرٍ عراقيٍّ عابر
- دولة منتجة وقوة اقتصادية مستقبلية
- أبندرانات طاغور جائزة نوبل للآداب عام 1913
- الاشتراكية بين الحرية والعدالة
- غيرهارد هاوبتمان Gerhart Hauptmann الفائز بجائزة نوبل للآداب ...
- الواجهة
- بين دجلة وفارس ليست المدينةُ جدرانًا تُرفع
- الملائكة الحزينة
- الكتابة ذلك الجرح القديم
- موريس ميترلنك (Maurice Maeterlinck نوبل للآداب عام 1911
- الفنان فيصل لعيبي البعد الإنساني


المزيد.....




- متحف بوشكين يحتفي بالانطباعية.. جولة ثقافية كبرى في أربع مدن ...
- مناصفة مع ممثلة مغربية.. نيللي كريم تفوز بجائزة في مهرجان -ا ...
- رفضت كلمة -تابت-.. آثار الحكيم تتحدث عن اعتزالها وتنتقد فيلم ...
- سيمونيان تُطلق كتابها -ليس الحب الأول- وتوظف الذكاء الاصطناع ...
- جراحة عاجلة لإنقاذ فنان مصري بعد حادث مروع
- -الباشا الأحمر- السعودي في مسرح فاختانغوف الروسي
- روسيا وسوريا تتفقان على إعادة فتح -البيت الروسي- في دمشق
- 90 عاما على ميلاد أيقونة الكوميديا السوفيتية الراحل ميخائيل ...
- صراع الرؤية والتمويل: كيف يصنع إيمان المخرج نجوم السينما؟
- معضلة الاستبداد بالرأي: لماذا يخشى البعض ثقافة الاختلاف وتجد ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً