أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرافدينية والتجريد المعاصر















المزيد.....

حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرافدينية والتجريد المعاصر


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 22:17
المحور: الادب والفن
    


حسنين العزاوي Hasanein AL-AZZAWI بين الذاكرة الرافدينية والتجريد المعاصر قراءة نقدية معمقة في لوحتين من خطاب الهوية والزمن

يُعد الفن العراقي الحديث واحداً من أكثر التجارب التشكيلية العربية ثراءً وتعقيداً، لأنه نشأ في أرضٍ تتجاور فيها أقدم الحضارات الإنسانية مع أكثر الأسئلة المعاصرة إلحاحاً. وفي هذا السياق يبرز اسم الفنان حسنين العزاوي بوصفه واحداً من الفنانين الذين سعوا إلى بناء لغة بصرية تستمد جذورها من الذاكرة الرافدينية العميقة، دون أن تقع في أسر النقل الأثري أو الاستعادة الحرفية للماضي. إن تجربته، كما تنعكس في هاتين اللوحتين، تمثل محاولة جادة لإعادة إنتاج التاريخ بوصفه طاقة تشكيلية حيّة، وليس مجرد موضوع للحنين أو الاستذكار.
تبدو اللوحة الأولى للوهلة الأولى وكأنها صفحة مقتطعة من ذاكرة العراق القديمة. فالفنان لا يرسم مشهداً تاريخياً بقدر ما يستحضر روح التاريخ ذاته. يقوم البناء التشكيلي على تقسيم أفقي ثلاثي يذكرنا بالسجلات السردية في الفن السومري والآشوري، حيث تتجاور العلامة والرمز والحكاية ضمن نظام بصري متماسك. ويهيمن اللون الطيني البرتقالي المحروق على السطح، وهو لون لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يستحضر مادة الحضارة نفسها: الطين الذي خرجت منه الكتابة الأولى، والمسلة الأولى، والمدينة الأولى.
في مركز اللوحة تظهر العربة بوصفها القلب البصري والفكري للعمل. ليست العربة هنا وسيلة نقل، بل استعارة حضارية كبرى. إنها رمز للحركة التاريخية، ولرحلة الإنسان العراقي عبر آلاف السنين. أما الحصان الذي يجر العربة فلا يُقدَّم بوصفه دراسة تشريحية واقعية، بل بوصفه طاقة ديناميكية مختزلة. إن الفنان يتعمد إلغاء التفاصيل العضلية الدقيقة لصالح الإيقاع الخطي العام، فيقترب بذلك من روح النقوش الرافدينية التي كانت تبحث عن الجوهر الرمزي أكثر من بحثها عن الوصف الطبيعي.
وتقف الشخصية البشرية على يسار العربة باعتبارها نقطة البداية في السرد البصري. الرأس أكبر من النسبة الطبيعية، والعين بارزة، والأطراف مختزلة. هذه المبالغات ليست ضعفاً تشريحياً، بل خياراً جمالياً واعياً يستلهم المنطق البنائي للفنون القديمة حيث كانت أهمية العنصر تحدد حجمه ومكانته داخل التكوين. وهكذا تتحول الشخصية إلى علامة إنسانية عامة، لا إلى فرد بعينه، وكأنها تمثل الإنسان العراقي عبر العصور.
أما من الناحية اللونية فإن اللوحة تحقق توازناً بالغ الحساسية بين الأسود والأبيض والألوان الترابية. فالأسود لا يعمل هنا كظل، بل كفضاء زمني عميق تنبثق منه الأشكال البيضاء. ويؤدي التضاد الحاد بين الأبيض والأسود إلى خلق توتر بصري يمنح العناصر قوة أيقونية تذكرنا بالأختام الأسطوانية والرقم الطينية القديمة. أما البرتقالي والأوكر والبني فتشكل معاً ذاكرة لونية كاملة للبيئة العراقية، حيث يصبح اللون نفسه حاملاً للهوية.
وعلى النقيض الظاهري من هذه النزعة السردية في اللوحة الأولى، تأتي اللوحة الثانية بوصفها انتقالاً نحو فضاء أكثر تجريداً وتأملاً. هنا يتخلى الفنان عن الحكاية المباشرة لصالح بنية مركبة من الشظايا والطبقات والقصاصات البصرية. يتكون العمل من كتل رمادية وسوداء وبيضاء تتراكب فوق بعضها بعضاً في نظام يشبه آثار المدن بعد تعاقب الأزمنة عليها. لا يعود المشاهد أمام صورة لشيء معروف، بل أمام أثر لذاكرة متكسرة تبحث عن إعادة تركيب نفسها.
تكمن قوة هذه اللوحة في قدرتها على تحويل المادة التشكيلية إلى خطاب فلسفي. فالسطوح الممزقة والمتداخلة توحي بالزمن أكثر مما توحي بالمكان. والفراغات السوداء لا تبدو فراغات حقيقية، بل مناطق صمت بصري تختزن ما لم يُقَل. أما الخط الأبيض المائل والعلامة الحمراء الصغيرة فتمثلان نقاط ارتكاز بصرية دقيقة تكسر هيمنة الرماديات وتعيد تنظيم حركة العين داخل العمل. إن هذه التفاصيل المحدودة تؤدي دوراً بالغ الأهمية؛ فالأحمر هنا لا يمثل لوناً بقدر ما يمثل نبضة حياة وسط عالم من الذكريات الباهتة.
ومن الناحية التقنية تكشف اللوحتان عن وعي عميق بقيمة الملمس. فسطوح اللون ليست ملساء أو مغلقة، بل تبدو وكأنها تعرضت لعوامل التعرية والزمن. وهذا الأسلوب يمنح الأعمال بعداً أثرياً واضحاً، حتى عندما تكون تجريدية بالكامل. إن الفنان لا يرسم الأثر، بل يجعل اللوحة نفسها أثراً. وهذه واحدة من أكثر السمات نضجاً في التجربة التشكيلية المعاصرة، لأنها تنقل المشاهد من رؤية الموضوع إلى معايشة الزمن الكامن داخله.
وإذا أردنا تحديد الموقع الجمالي لهذين العملين فإنهما يقعان عند نقطة التقاء بين التجريد الرمزي، والتعبيرية الحديثة، واستلهام التراث الرافديني. وهما ينتميان إلى ذلك الاتجاه الذي سعى إليه عدد من رواد الفن العراقي الحديث حين حاولوا تأسيس حداثة محلية لا تستعير نماذجها بالكامل من الغرب، بل تبني مشروعها على استثمار الموروث الحضاري العميق. غير أن ما يميز هذه التجربة هو أن التراث لا يظهر فيها بوصفه زينة شكلية أو اقتباساً سطحياً، بل يتحول إلى بنية فكرية وتنظيم بصري كامل.
وتتجلى القيمة الفنية الكبرى للعملين في نجاحهما في تحقيق معادلة نادرة الجمع بين المحلية والكونية. فمن جهة تنتمي الأشكال والرموز والألوان بوضوح إلى البيئة العراقية وذاكرتها الحضارية، ومن جهة أخرى تستطيع هذه الأعمال أن تخاطب أي متلقٍ في العالم لأنها تتناول موضوعات إنسانية كبرى: الزمن، الذاكرة، الهوية، الحركة، والانتماء.
إن الرسالة العميقة التي تحملها اللوحتان ليست الاحتفاء بالماضي فحسب، بل الدفاع عن استمراريته داخل الحاضر. فالتاريخ هنا ليس زمناً منتهياً، بل مادة حية تتجدد باستمرار. والعربة الرافدينية في اللوحة الأولى ليست سوى استعارة لمسيرة الحضارة، بينما تمثل الشظايا الرمادية في اللوحة الثانية آثار تلك المسيرة بعد أن عبرت قروناً طويلة من التحولات والانكسارات. وبين الحركة في الأولى والتأمل في الثانية ينجح الفنان في بناء حوار بصري معقد بين الذاكرة والزمن.
ولهذا يمكن القول إن هذين العملين يقدمان نموذجاً متقدماً للفن العراقي المعاصر الذي لا يكتفي بإنتاج الجمال، بل يسعى إلى إنتاج المعنى. فهما لا يعرضان صوراً جاهزة، بل يفتحان أبواب التأويل أمام المشاهد، ويحولانه من متلقٍ سلبي إلى شريك في بناء الدلالة. وهذه هي السمة التي تميز الأعمال الفنية الكبرى: أنها لا تنتهي عند حدود النظر إليها، بل تبدأ حياتها الحقيقية داخل عقل المتلقي ووجدانه.
إن القيمة الحقيقية لهاتين اللوحتين تكمن في قدرتهما على تحويل الذاكرة الحضارية العراقية إلى لغة تشكيلية معاصرة، وفي نجاحهما في بناء جسر متين بين الأثر القديم والحساسية الفنية الحديثة. ومن هنا تنبع أهميتهما ليس بوصفهما عملين فنيين فحسب، بل بوصفهما وثيقتين بصريتين تشهدان على قدرة الفن العراقي على تجديد نفسه باستمرار، وعلى تحويل التاريخ إلى مستقبل، والرمز إلى رؤية، والذاكرة إلى فن خالد.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً
- الحرب في مخيلة فيصل لعيبي الدخان شاهداً على المصير الإنساني
- سيبيليوس وفنلندا قصة أمة كتبتها الموسيقى
- كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر م ...
- العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمت ...
- فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي ...
- رومان رولان مهنة الأدب لاتقتصر على إنتاج الجمال إنما تتمثل أ ...
- عبد الأمير الخطيب جماليات الكرسي وتحولات المعنى
- نحو فلسفة أعمق لمعنى الوطن
- قوة الردع الوطنية وحماية المجال الحيوي للدولة العراقية
- عبد الأمير الحصيري ليس حديثًا عن شاعرٍ عراقيٍّ عابر
- دولة منتجة وقوة اقتصادية مستقبلية
- أبندرانات طاغور جائزة نوبل للآداب عام 1913
- الاشتراكية بين الحرية والعدالة
- غيرهارد هاوبتمان Gerhart Hauptmann الفائز بجائزة نوبل للآداب ...
- الواجهة
- بين دجلة وفارس ليست المدينةُ جدرانًا تُرفع
- الملائكة الحزينة
- الكتابة ذلك الجرح القديم
- موريس ميترلنك (Maurice Maeterlinck نوبل للآداب عام 1911


المزيد.....




- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة
- من أفلام بوند إلى اتفاق إيران.. ماذا يخفي جبل بورغنشتوك؟


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرافدينية والتجريد المعاصر