أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائناً حيًّا.














المزيد.....

عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائناً حيًّا.


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 11:04
المحور: الادب والفن
    


ليست اللوحة عند الفنانة عطاف سَلَم سطحاً تُوزَّع عليه الألوان، ولا مجالاً لاستعراض المهارة التقنية أو براعة الصنعة، بل هي حدثٌ بصري يولد من احتكاك الذاكرة بالوجدان، ومن الحوار العميق بين المادة والروح. ومنذ النظرة الأولى تدرك أن هذه التجربة لا تستعير جماليتها من الواقع، بل تبتكر واقعها الخاص واقعاً لا تحكمه قوانين التشابه، وإنما تحكمه قوانين الإحساس والإيقاع والزمن.
إننا أمام تجربة تجريدية لا تنتمي إلى التجريد بوصفه انفصالاً عن العالم، بل بوصفه عودةً إلى جوهره. فالفنانة لا تلغي الأشياء، وإنما تجرّدها من تفاصيلها العابرة، لتبقي على نبضها الداخلي. لذلك لا نجد شجرةً أو مدينةً أو نهراً، لكننا نشعر بكل ذلك وهو يتخلق داخل وعينا عبر العلاقات اللونية والحركة والإيقاع.
في هذه الأعمال لا يعود اللون تابعاً للشكل، بل يصبح هو الشكل نفسه، وتتحول الكتلة اللونية إلى كيان حي يمتلك ذاكرته الخاصة. فاللون عند عطاف سالم ليس مادة صامتة، وإنما لغة كاملة تمتلك نحوها وموسيقاها وبلاغتها. إنه يتقدم بوصفه بطلاً رئيساً في اللوحة، بينما تتراجع الحدود والخطوط التقليدية لتفسح المجال أمام انفعالاته الحرة.
في اللوحة الأولى، يتسع فضاء التركواز حتى يبدو كفضاءٍ كوني يحتضن ولادة الضوء. ومن قلب هذا الامتداد ينهض الأصفر بقوة مدهشة، كأنه شعلة حياة أو محور كوني يجمع حوله جميع الحركات. أما الأسود والبني والأبيض فلا تؤدي دور التضاد اللوني فحسب، بل تشكل طبقات من الزمن، وكأن اللون نفسه يحمل آثار الاحتراق والتكوين والانبعاث. هنا لا ينفصل الضوء عن العتمة، بل يولد منها، ولا يستقيم المعنى إلا عبر هذا الحوار الخلاق بين النقيضين.
أما اللوحة الثانية فتغوص في عالم أكثر تأملاً ووجدانية. البنفسجيات الكثيفة، المشبعة بإيحاءات الغموض والحدس، لا تبدو مجرد خلفية، وإنما فضاء نفسي تتكثف فيه الذاكرة الإنسانية. وفي القلب تتجمع الكتلة البيضاء كأنها بقايا نور نجت من العتمة، أو بذرة حياة تقاوم الفناء. إن هذا المركز المضيء لا يفرض نفسه بعنف، بل يتنفس بهدوء، فيمنح اللوحة بعداً روحياً يجعلها أقرب إلى التأمل الصوفي منها إلى التمثيل البصري.
وفي اللوحة الثالثة تبلغ التجربة ذروة اختزالها. البنيات الداكنة والسواد العميق والخطوط المحفورة في سطح اللون تستحضر إحساساً بطبقات الأرض أو بجدران المدن القديمة التي راكمت عليها القرون آثارها. لكن هذه العتمة ليست نهاية المشهد، إذ تتناثر فوقها بقع صفراء مضيئة كأنها شظايا نجوم أو بذور ضوء صغيرة تؤكد أن الحياة لا تنطفئ تماماً، وأن الزمن مهما تراكم يبقي نافذة مفتوحة على الأمل.
ولعل أكثر ما يميز تجربة عطاف سلم هو هذا الإيمان الواضح بأن سطح اللوحة ليس مساحة ملساء، بل ذاكرة مادية. فالخدوش، وآثار السكين، وتراكم الطبقات، وانكسارات اللون، كلها تتحول إلى عناصر دلالية لا تقل أهمية عن اللون نفسه. إن الفنانة لا ترسم فوق القماش، بل تحاور القماش، وتترك أثر الزمن ظاهراً كما يترك البحر آثاره على الصخور.
وتكشف البنية التشكيلية لهذه الأعمال عن وعي رفيع بالإيقاع. فلا شيء موضوع اعتباطاً، رغم الإحساس الظاهري بالحرية. فهناك توازن دقيق بين الكتل الثقيلة والمساحات المفتوحة، وبين الخطوط الرأسية التي تمنح اللوحة طاقة الصعود، والخطوط الأفقية التي تمنحها السكينة والاستقرار. ولهذا تبدو اللوحة وكأنها تتحرك باستمرار، دون أن تفقد اتزانها الداخلي.
إن هذه الأعمال تستدعي المتلقي ولا تستسلم له. فهي لا تقدم معنى جاهزاً، ولا تفرض قراءة واحدة، وإنما تدعوه إلى المشاركة في بناء الدلالة. وكل قراءة جديدة تضيف طبقة أخرى من المعنى، لأن اللوحة هنا ليست جواباً، بل سؤال مفتوح وليست وصفاً لشيء معروف، بل اكتشافاً مستمراً لما لا يمكن تسميته بسهولة.
وهذا هو جوهر الفن الكبير أن يبقى قابلاً لإعادة الاكتشاف كلما أعدنا النظر إليه.
تقترب تجربة عطاف سلم، في جوهرها، من روح التجريد التعبيري المعاصر، لكنها لا تقلد مدارس بعينها، ولا تنشغل بإثبات انتمائها إلى اتجاه فني محدد. إنها تبني لغتها الخاصة، لغة تقوم على الاقتصاد في الشكل، والثراء في الإحساس، والجرأة في التعامل مع اللون، والوعي العميق بقيمة الفراغ والملمس والإيقاع.
إنها تجربة تؤمن بأن الرسم ليس إعادة إنتاج للعالم، بل إعادة خلق له. وأن اللون ليس زينة بصرية، بل طاقة فكرية وشعورية قادرة على اختزال الأزمنة والأمكنة والذكريات في لحظة واحدة.
وهكذا تضع عطاف سلم المتلقي أمام لوحات لا تُشاهَد فحسب، بل تُعاش. فكل عمل منها يشبه قصيدة بصرية مفتوحة، أو مقطوعة موسيقية صامتة، تتبدل نغماتها كلما تبدلت زاوية النظر. وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي تجربة تشكيلية ناضجة: أن يبقى أثرها في الذاكرة بعد مغادرة المعرض، وأن تستمر اللوحة في النمو داخل العين، حتى بعد أن يغيب حضورها المادي.
ومن هنا يمكن القول إن تجربة عطاف سلم ليست احتفاءً باللون وحده، بل احتفاءٌ بطاقة الفن على تحويل المادة إلى معنى، والضوء إلى ذاكرة، والسطح إلى فضاءٍ تتجدد فيه أسئلة الإنسان والجمال دون نهاية.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روبرت ويلسون نحو مسرحٍ يرى الزمن ويكشف الإنسان
- تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان
- عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني ...
- يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
- يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال ...
- عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا ...
- جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس ...
- أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei ...
- ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند ...
- فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
- خاسينتو بينافينتي Jacinto Benavente رائد المسرح الإسباني الح ...
- أناتول فرانس الإنسان أولًا... والأديب الخالد
- كنوت هامسون سيد الجوع والقلق والوعي الإنساني
- كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير
- هنريك بونتوبيدان ملحمة الإنسان في العصر الحديث
- حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرا ...
- كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً
- الحرب في مخيلة فيصل لعيبي الدخان شاهداً على المصير الإنساني
- سيبيليوس وفنلندا قصة أمة كتبتها الموسيقى
- كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر م ...


المزيد.....




- لوحتان نادرتان لروريخ وأيفازوفسكي تُباعان بملايين الروبلات ف ...
- 125 متحفا ومعرضا في موسكو تتيح زيارات مجانية للأطفال والشباب ...
- -كأنه فيلم رعب-: الأميبا الآكلة للدماغ التي قد تنتشر حول الع ...
- مهرجان مولانا في السليمانية.. الثقافة والفنون رافعة للسياحة ...
- كريستيانو رونالدو يخوض تجربة التمثيل ويكشف أسرار -الميركاتو- ...
- قداسة البابا يلتقي الممثلين القانونيين ومديري المدارس القبطي ...
- توم هولاند يكشف عن نصائح آن هاثاوي له خلال الترويج لفيلم -Th ...
- رايان غوسلينغ ينضم لعالم مارفل السينمائي بشخصية -غوست رايدر- ...
- عالم السينما.. ظهور مفاجئ لرايان رينولدز يشعل تكهنات عن مشار ...
- الجرح والتعديل في عصر البودكاست.. باحث يدعو إلى تدقيق الرواي ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائناً حيًّا.