أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلندية ورائد الحداثة الشعرية العالمية















المزيد.....

ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلندية ورائد الحداثة الشعرية العالمية


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 20:45
المحور: الادب والفن
    


ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر أيرلندا الذي منح الشعر الحديث روحه الخالدة

ليس من اليسير الحديث عن ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats، 1865–1939)، لأننا لا نقف أمام شاعر كبير فحسب، بل أمام ظاهرة أدبية وفكرية وحضارية أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي لأيرلندا الحديثة، وترك أثرًا بالغًا في الشعر العالمي حتى غدا اسمه مقرونًا بأسماء كبار المبدعين الذين غيّروا مسار الأدب في القرن العشرين. وقد تُوِّجت هذه المكانة بمنحه جائزة نوبل في الأدب عام 1923، ليكون أول أديب أيرلندي ينال هذا التكريم، بعد أن رأت الأكاديمية السويدية أن شعره يمتلك جمالًا فنيًا رفيعًا، ويجسد الروح القومية في صورة إنسانية ذات قيمة عالمية.
وُلِد ييتس في مدينة دبلن (Dublin) في الثالث عشر من يونيو سنة 1865، ونشأ في أسرة تنتمي إلى الطبقة المثقفة؛ فكان والده جون بتلر ييتس (John Butler Yeats) رسامًا معروفًا، بينما كانت والدته سوزان ماري بولكسفين (Susan Mary Pollexfen) تنتمي إلى أسرة ميسورة من مقاطعة سليغو (Sligo)، تلك الأرض التي ستصبح فيما بعد القلب النابض لشعره ومصدرًا دائمًا لخياله وصوره وأسطورته الخاصة. وقد عاش متنقلًا بين دبلن ولندن (London) وسليغو، فجمع منذ طفولته بين الثقافة الإنجليزية والتراث الأيرلندي، وبين المدنية الحديثة والطبيعة الريفية، وهو التوازن الذي سيظل ظاهرًا في جميع أعماله.
لم يكن ييتس شاعرًا يولد من الكلمات وحدها، بل من التاريخ والأسطورة والذاكرة الشعبية. فقد نشأ في زمن كانت فيه أيرلندا تبحث عن هويتها السياسية والثقافية تحت الحكم البريطاني، وكانت الحركة القومية تسعى إلى استعادة اللغة والتراث والأدب المحلي. ومن هنا وجد ييتس أن الشعر ليس مجرد فن للغناء أو التعبير الذاتي، بل رسالة حضارية تحفظ ذاكرة الأمة وتعيد إليها ثقتها بنفسها. ولذلك انخرط في مشروع النهضة الأدبية الأيرلندية، وسعى إلى إحياء الأساطير الكلتية (Celtic Mythology)، والحكايات الشعبية، والشخصيات التاريخية، وجعلها جزءًا من الأدب الحديث.
وكان من أبرز إنجازاته مشاركته في تأسيس المسرح الأدبي الأيرلندي الذي تطور لاحقًا إلى مسرح آبي (Abbey Theatre)، أول مسرح وطني في أيرلندا، حيث تعاون مع الليدي أوغستا غريغوري (Lady Augusta Gregory) وجون ميلينغتون سنغ (John Millington Synge) وغيرهما من رواد النهضة الأدبية، مؤمنًا بأن المسرح لا يقل أهمية عن الشعر في تشكيل وجدان الأمة.
أما حياته الاجتماعية فقد اتسمت بالهدوء والتأمل، وإن كانت لا تخلو من أحداث تركت آثارًا عميقة في نفسه. فقد أحب المناضلة الأيرلندية مود غون (Maud Gonne) حبًا استثنائيًا استمر سنوات طويلة، وطلب الزواج منها مرارًا، لكنها رفضته، فتحولت في شعره إلى رمز للجمال المستحيل، والوطن، والثورة، والمرأة المثالية. وليس من المبالغة القول إن جانبًا كبيرًا من شعر الحب عند ييتس إنما وُلد من هذه التجربة الإنسانية العميقة التي امتزج فيها العشق بالقومية، والجمال بالحلم السياسي.
وفي سنة 1917 تزوج جورجي هايد-ليز (Georgie Hyde-Lees)، التي كانت ذات ثقافة واسعة واهتمام بالفلسفة والروحانيات، وقد أسهمت في استقرار حياته الفكرية والعائلية، وشجعته على تدوين أفكاره الميتافيزيقية التي ظهرت لاحقًا في كتابه الفلسفي الشهير رؤية (A Vision)، وهو من أكثر أعماله تعقيدًا، إذ حاول فيه تفسير التاريخ الإنساني بوصفه حركة دورية تتكرر عبر الزمن وفق نظام رمزي خاص.
ولم يكن ييتس بعيدًا عن الحياة السياسية، فقد آمن بحق أيرلندا في الاستقلال، غير أنه رفض التعصب والعنف الأعمى، وكان يرى أن النهضة الثقافية تسبق النهضة السياسية. وبعد تأسيس الدولة الأيرلندية الحرة عُيّن عضوًا في مجلس الشيوخ الأيرلندي (Irish Senate)، فدافع عن حرية الفكر والتعليم والفنون، مؤكدًا أن بناء الدولة لا يتحقق بالقوانين وحدها، وإنما ببناء الإنسان والثقافة.
تُقسم تجربته الشعرية عادة إلى ثلاث مراحل كبرى؛ ففي المرحلة الأولى ظهر شاعرًا رومانسيًا متأثرًا بويليام بليك (William Blake)، وبيرسي بيش شيلي (Percy Bysshe Shelley)، وبالخيال والأسطورة والموسيقى الداخلية. ثم انتقل إلى مرحلة أكثر نضجًا، مزج فيها بين الرمز والتاريخ والسياسة، حتى بلغ في مرحلته الأخيرة ذروة الحداثة، حيث أصبحت لغته أكثر تكثيفًا، وصوره أكثر جرأة، وتأملاته أكثر عمقًا، فكتب قصائد تُعد من روائع الشعر العالمي مثل المجيء الثاني (The Second Coming)، والإبحار إلى بيزنطة (Sailing to Byzantium)، وعيد الفصح 1916 (Easter 1916)، والبجع البري في كول (The Wild Swans at Coole)، وبين أطفال المدارس (Among School Children).
ويكاد النقاد يجمعون على أن قصيدة المجيء الثاني (The Second Coming) تمثل ذروة رؤيته الفلسفية، إذ يصور فيها عالمًا يفقد توازنه، وتنهار فيه المراكز الأخلاقية والسياسية، حتى أصبحت عبارته الشهيرة: «الأشياء تتداعى، والمركز لا يستطيع أن يصمد» من أكثر العبارات الشعرية حضورًا في الفكر والسياسة والنقد الأدبي في القرن العشرين.
ومن السمات الكبرى التي تميز شعر ييتس مزجه الفريد بين الموسيقى والرمز والأسطورة والتاريخ، حتى أصبحت قصيدته تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تنفتح على مستويات لا تنتهي من التأويل. وقد أفاد من الميثولوجيا الكلتية، والأساطير اليونانية، والتراث المسيحي، والفلسفات الشرقية، والتصوف، والروحانيات، وصاغ منها جميعًا عالمًا شعريًا خاصًا لا يشبه أحدًا.
ولم يقتصر تأثيره على الأدب الأيرلندي، بل امتد إلى الشعر الإنجليزي والعالمي، فأثر في شعراء الحداثة مثل توماس ستيرنز إليوت (T. S. Eliot)، وإزرا باوند (Ezra Pound)، ووستان هيو أودن (W. H. Auden)، كما أصبحت أعماله موضوعًا دائمًا للدراسة في الجامعات، وترجمت إلى عشرات اللغات، وألهمت أجيالًا من الشعراء والنقاد والباحثين.
لقد جاءت جائزة نوبل سنة 1923 اعترافًا عالميًا بمشروع أدبي كامل، لا بمجموعة قصائد فحسب؛ فقد استطاع ييتس أن يحول التجربة الأيرلندية الخاصة إلى تجربة إنسانية شاملة، وأن يجعل الشعر جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين الأسطورة والواقع، وبين الوطن والإنسانية. ولذلك ظل اسمه حاضرًا بين كبار شعراء العالم، وأصبح رمزًا لقدرة الأدب على بناء الهوية وصيانة الذاكرة ومقاومة النسيان.
وهكذا يقف ويليام بتلر ييتس في تاريخ الأدب العالمي بوصفه شاعرًا جمع بين عبقرية الخيال، وعمق الفكر، ورهافة الموسيقى، وقوة الرؤية التاريخية، حتى أصبح شعره وثيقةً فنيةً وفكريةً عن الإنسان في صراعه مع الزمن، والوطن، والحب، والموت، والحقيقة، وهي القضايا التي تجعل أدبه حيًا ومتجددًا مهما تعاقبت الأجيال.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
- خاسينتو بينافينتي Jacinto Benavente رائد المسرح الإسباني الح ...
- أناتول فرانس الإنسان أولًا... والأديب الخالد
- كنوت هامسون سيد الجوع والقلق والوعي الإنساني
- كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير
- هنريك بونتوبيدان ملحمة الإنسان في العصر الحديث
- حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرا ...
- كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً
- الحرب في مخيلة فيصل لعيبي الدخان شاهداً على المصير الإنساني
- سيبيليوس وفنلندا قصة أمة كتبتها الموسيقى
- كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر م ...
- العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمت ...
- فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي ...
- رومان رولان مهنة الأدب لاتقتصر على إنتاج الجمال إنما تتمثل أ ...
- عبد الأمير الخطيب جماليات الكرسي وتحولات المعنى
- نحو فلسفة أعمق لمعنى الوطن
- قوة الردع الوطنية وحماية المجال الحيوي للدولة العراقية
- عبد الأمير الحصيري ليس حديثًا عن شاعرٍ عراقيٍّ عابر
- دولة منتجة وقوة اقتصادية مستقبلية
- أبندرانات طاغور جائزة نوبل للآداب عام 1913


المزيد.....




- ليلى علوي تكشف إمكانية دخول نجلها الوسط الفني
- وزارة الثقافة تكلف الفنانة هند كامل مستشارة للشؤون الثقافية ...
- الرسام والشاعر موسى الخافور.. حين ينطق اللون شعراً
- في ذكرى رحيلها منتدى المسرح يؤبن الفنانة إقبال نعيم
- -يوم الكشف-.. هل نجح الفيلم في استعادة سحر الخيال العلمي؟
- الثقافة الإيطالية تنتقد خطة الاتحاد الأوروبي لوقف تمويل بينا ...
- معارض إيطالي: نية المفوضية الأوروبية وقف تمويل بينالي البندق ...
- المسرح المغربي يودع محمد الزيات بعد مسيرة امتدت لأكثر من 4 ع ...
- الطب الشرعي يكشف سبب وفاة الممثلة التركية إيجي أرتيم ويحسم ل ...
- مجلس الشعب السوري يعقد أولى جلساته بعد سقوط الأسد، والشرع يد ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلندية ورائد الحداثة الشعرية العالمية