أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج















المزيد.....

يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 15:29
المحور: الادب والفن
    


يوجينيو باربا (Eugenio Barba): المسرح بوصفه معرفةً بالإنسان وحواراً بين الحضارات
دراسة في الحياة والفكر وجماليات الإخراج والأنثروبولوجيا المسرحية وأثره في المسرح العالمي

ليس كل فنان يمر في تاريخ الإبداع يترك أثراً عابراً فهناك أسماء تتحول مع الزمن إلى علامات مضيئة، لأنها لا تضيف أعمالاً جديدة فقط، بل تغير الطريقة التي ننظر بها إلى الفن نفسه. ومن بين هذه الأسماء يبرز يوجينيو باربا بوصفه واحداً من أهم رواد المسرح العالمي المعاصر، ذلك الفنان والمفكر الذي لم يتعامل مع المسرح باعتباره مجرد صناعة للعرض أو وسيلة للترفيه، بل اعتبره بحثاً عميقاً في الإنسان، وفي علاقته بالجسد والذاكرة والثقافة والوجود.
لقد جاء مشروع باربا في مرحلة كان المسرح العالمي فيها يعيش تحولات كبرى مرحلة خرج فيها الفنانون من القوالب التقليدية، وبدأوا يبحثون عن لغة جديدة تتجاوز حدود النص المكتوب، وتعيد اكتشاف قيمة الممثل بوصفه مركز العملية المسرحية. وفي هذا السياق ظهر باربا لا كمخرج يبحث عن أسلوب شخصي فحسب، بل كباحث يسأل عن جوهر الفعل المسرحي ما الذي يجعل حضور الممثل فوق الخشبة مختلفاً عن حضوره في الحياة اليومية؟ وكيف يمكن للجسد الإنساني أن يتحول إلى لغة قادرة على التعبير قبل الكلمات وبعدها؟
ولد يوجينيو باربا في التاسع والعشرين من تشرين الأول عام 1936 في مدينة برينديزي الإيطالية، في بيئة بحرية تحمل تاريخاً من التواصل بين الثقافات والحضارات. وربما كان لهذا المكان أثر رمزي في تكوين شخصيته فقد ظل طوال حياته مرتبطاً بفكرة العبور بين العوالم، والبحث عن المشترك الإنساني خلف الاختلافات الظاهرة.
كانت سنوات طفولته وشبابه الأولى مرحلة تشكل نفسي وفكري عميق، فقد واجه مبكراً تجربة الفقد بعد وفاة والده، وهي تجربة تركت أثراً في نظرته إلى الحياة والذاكرة والغياب. ولم تكن هذه التجربة مجرد حدث شخصي، بل أصبحت جزءاً من حساسيته الفنية اللاحقة، حيث ظل المسرح عنده محاولة لاستعادة ما يضيع من الإنسان، وتحويل التجربة الفردية إلى معنى جماعي.
انتقل باربا إلى النرويج، وهناك بدأت مرحلة جديدة في حياته؛ فقد وجد نفسه في بيئة ثقافية مختلفة، وهو ما جعله يعيش تجربة الاختلاف بوصفها فرصة لاكتشاف الذات. فالغربة بالنسبة إليه لم تكن انفصالاً عن الجذور، بل كانت طريقاً لفهم أوسع للهوية، ولإدراك أن الإنسان لا يعرف نفسه إلا عبر علاقته بالآخر.

في هذه المرحلة اتسعت قراءاته واهتماماته، فانفتح على الفلسفة والأدب والتاريخ والأنثروبولوجيا، وبدأ يتشكل لديه ذلك السؤال الذي سيلازمه طوال حياته كيف يمكن للفن أن يكشف الإنسان، لا أن يكتفي بتصويره؟
وكان اللقاء الحاسم في مسيرته هو لقاؤه بالمخرج البولندي الكبير جيرزي غروتوفسكي، الذي ترك تأثيراً عميقاً في تفكيره المسرحي. فقد وجد باربا في تجربة غروتوفسكي بحثاً قريباً من هواجسه؛ مسرحاً يضع الممثل في المركز، ويجعل التدريب وسيلة لاكتشاف الطاقات الخفية داخل الإنسان، لا مجرد إعداد تقني لأداء دور معين.
غير أن باربا لم يكن مقلداً لغروتوفسكي، بل كان فناناً يمتلك استقلاله الفكري. لقد أخذ منه أهمية الممثل والجسد والتدريب، لكنه وسع هذه الرؤية باتجاه أكثر انفتاحاً على الثقافات العالمية، حتى أصبح مشروعه الخاص واحداً من أهم المشاريع التي أعادت تعريف المسرح في القرن العشرين.
ومن هنا جاءت ولادة أودين تياتريت (Odin Teatret) عام 1964 في النرويج، وهي الفرقة التي أصبحت لاحقاً إحدى أبرز التجارب المسرحية في العالم. فلم تكن الفرقة مجرد مؤسسة لإنتاج العروض، بل كانت مختبراً دائماً للبحث في الممثل، وفي العلاقة بين الفن والحياة، وفي إمكانية بناء جماعة فنية تقوم على الحوار والانضباط والتجربة المشتركة.
كان باربا يؤمن بأن الممثل لا يصنع حضوره في لحظة العرض فقط، بل خلال سنوات طويلة من التدريب والبحث. فالمسرح عنده يبدأ قبل الخشبة، يبدأ من علاقة الفنان بجسده، وبوعيه، وبقدرته على اكتشاف إمكاناته غير الظاهرة.
إن أهم إضافة قدمها يوجينيو باربا إلى الفكر المسرحي المعاصر تمثلت في مفهوم الأنثروبولوجيا المسرحية، وهو المفهوم الذي لم يكن مجرد مصطلح نظري، بل كان خلاصة سنوات طويلة من البحث والملاحظة والتجربة. فقد انطلق باربا من سؤال أساسي: هل توجد مبادئ مشتركة في أداء الإنسان عبر مختلف الثقافات؟ وهل يمكن اكتشاف القوانين العميقة التي تجعل الجسد البشري قادراً على إنتاج الحضور والمعنى، مهما اختلفت اللغات والتقاليد؟
ومن خلال هذا السؤال بدأ باربا يدرس الممثل لا بوصفه مؤدياً لشخصية مكتوبة فقط، بل بوصفه ظاهرة إنسانية وثقافية. فالممثل في نظره يمتلك جسداً مختلفاً عن الجسد اليومي؛ جسداً أعيد تشكيله عبر التدريب، وتحرر من العادات الطبيعية للحركة، وأصبح قادراً على التعبير من خلال الإيقاع والتنفس والطاقة والتوازن.
لقد كان يميز بين الجسد اليومي والجسد المسرحي. ففي الحياة اليومية يتحرك الإنسان وفق عادات اجتماعية مكتسبة، أما الممثل فإنه يعمل على إعادة اكتشاف جسده، وعلى بناء حضور خاص يجعله قادراً على جذب انتباه المتلقي حتى قبل أن ينطق بكلمة واحدة. فالحركة عنده ليست حركة عادية، والصمت ليس فراغاً، والنظرة ليست مجرد فعل بصري، بل كلها عناصر تحمل طاقة ومعنى.
ولهذا لم يكن التدريب عند باربا مجرد مجموعة من التمارين الجسدية، بل كان طريقاً للمعرفة واكتشاف الذات. فالممثل لا يتعلم كيف يؤدي فقط، بل يتعلم كيف يرى نفسه والعالم بطريقة جديدة. إن التدريب يصبح هنا رحلة داخلية، يلتقي فيها الجسد بالوعي، والتقنية بالتجربة الإنسانية.
وقد ساعدت رحلات باربا واحتكاكه بثقافات مختلفة على توسيع رؤيته. فقد درس أشكال الأداء التقليدية في آسيا، ولا سيما في الهند واليابان، ولم يكن هدفه نقل هذه الفنون إلى المسرح الغربي بشكل سطحي، بل البحث عن المبادئ الكامنة خلفها عن علاقة الجسد بالإيقاع، وعن قدرة الطقوس القديمة على إنتاج حضور فني عميق.
كان باربا يرفض فكرة أن ثقافة واحدة تمتلك النموذج الكامل للفن، ويرى أن تاريخ المسرح العالمي هو حوار مستمر بين تجارب الشعوب. ولهذا أصبح مشروعه دفاعاً عن التعدد الثقافي، وعن ضرورة تجاوز النظرة المركزية التي تجعل بعض الفنون في موقع الهيمنة وبعضها الآخر في موقع الهامش.
لقد كان يؤمن بأن الفنان لا يغني إذا أغلق أبوابه على ثقافته الخاصة، بل يزداد غنى عندما يدخل في حوار مع الآخرين. فالاختلاف بين الحضارات ليس عائقاً أمام الفن، بل هو مصدر من مصادر الإبداع، لأن الإنسان يكتشف ذاته بصورة أعمق عندما يلتقي بإنسان آخر مختلف عنه.
وفي هذا الإطار تطورت تجربة أودين تياتريت لتصبح أكثر من فرقة مسرحية أصبحت مجتمعاً فنياً قائماً على البحث المشترك. فقد اعتمدت على التدريب الطويل، وعلى العلاقة اليومية بين أفراد الفرقة، وعلى الإيمان بأن العمل الجماعي ليس مجرد وسيلة لإنتاج عرض، بل هو جزء من فلسفة الحياة الفنية نفسها.
وكان باربا يرى أن المخرج ليس حاكماً مطلقاً للعمل، وأن الممثل ليس أداة لتنفيذ رؤية جاهزة، بل إن المسرح الحقيقي يولد من الحوار بين الطاقات المختلفة. ولذلك منح ممثليه مساحة واسعة للبحث والمشاركة، لأن الإبداع لا ينشأ من السيطرة الكاملة، بل من التفاعل الخلاق.
ومن هنا جاءت عروضه المسرحية بوصفها تجارب مفتوحة على الرمز والشعر والصورة والحركة. فهو لم يكن يبحث عن المسرح الذي يقدم قصة فقط، بل عن المسرح الذي يخلق تجربة؛ تجربة يعيشها المتفرج بحواسه وفكره، ويشارك في بناء معناها.
ومن أهم أعماله التي كشفت عن هذه الرؤية عرض إنجيل أوكسيرينخوس (The Gospel According to Oxyrhincus)، الذي مزج فيه بين التاريخ والأسطورة والذاكرة الإنسانية. لم يكن العرض إعادة بناء للماضي، بل محاولة لفهم الحاضر من خلال الماضي، وطرح أسئلة تتعلق بالإيمان والسلطة والإنسان والبحث عن الخلاص.
كما جاء عرض كوسموس (Kaosmos) بوصفه تأملاً في علاقة الإنسان بالعالم، وفي الصراع بين الفوضى والرغبة في إيجاد نظام ومعنى. أما عرض بيت أبي (My Father s House) فقد حمل بعداً شخصياً عميقاً، حيث تحولت الذاكرة الخاصة إلى مادة فنية تتجاوز حدود السيرة الذاتية لتصبح تجربة إنسانية مشتركة.
وفي مجال الكتابة النظرية، ترك باربا مؤلفات مهمة أصبحت مراجع أساسية في دراسة الأداء المسرحي، ومن أبرزها كتاب القارب الورقي (The Paper Canoe)، الذي قدم فيه خلاصة أفكاره حول الممثل والجسد والأنثروبولوجيا المسرحية. وفي هذا الكتاب يؤكد أن الممثل لا يبدأ من الشخصية، بل يبدأ من ذاته، ومن اكتشاف أدواته الجسدية والصوتية والداخلية.
كما يمثل كتاب الجزر العائمة (The Floating Islands) جانباً تأملياً من تجربته، حيث يتناول فيه علاقة الفنان بالعالم والثقافات المختلفة، بينما يكشف كتاب إحراق البيت (Burning the House) عن ضرورة التجديد المستمر، ورفض تحول النجاح السابق إلى قيد يمنع التطور.
وهكذا أصبح مشروع باربا قائماً على فكرة مركزية أن الفن الحقيقي لا يعيش في القوالب المغلقة، بل في البحث الدائم. فالمسرح عنده ليس مكاناً لإعادة إنتاج ما هو معروف، بل مساحة لاكتشاف ما لم يُكتشف بعد.
إن مكانة يوجينيو باربا في تاريخ المسرح الحديث لا يمكن فهمها إلا من خلال علاقته بالتحولات الكبرى التي عرفها هذا الفن خلال القرن العشرين. فقد جاء بعد أجيال من المجددين الذين سعوا إلى تحرير المسرح من الجمود، لكنه لم يكتفِ بتكرار أفكارهم، بل أعاد صياغتها ضمن رؤية خاصة جعلت من الإنسان محوراً لكل بحث فني.
فهو يلتقي مع قسطنطين ستانسلافسكي في الإيمان العميق بأهمية الممثل، وفي اعتبار الأداء عملية داخلية تحتاج إلى الصدق والوعي، غير أن باربا ذهب أبعد من البحث النفسي في بناء الشخصية، لينتقل إلى دراسة الجسد بوصفه حاملاً للثقافة والتاريخ والطاقة التعبيرية. فالممثل عند ستانسلافسكي يبحث عن حقيقة الشخصية، أما عند باربا فإنه يبحث أيضاً عن حقيقة حضوره الإنساني فوق الخشبة.
كما يلتقي مع برتولت بريشت في رفض المسرح السلبي الذي يترك المتفرج خارج التجربة، لكنه يختلف عنه في طبيعة الهدف؛ فبريشت ركز على الوعي الاجتماعي والسياسي وإثارة التفكير النقدي، بينما جعل باربا هدفه الأوسع هو إعادة اكتشاف الإنسان عبر الجسد والذاكرة والعلاقة الحية بين المؤدي والمتلقي.
أما علاقته الفكرية بأنطونان آرتو فتظهر في الاهتمام بتحرير المسرح من هيمنة الأدب وحده، وفي البحث عن قوة الصورة والصوت والجسد، لكنه لم يتجه إلى الفوضى الطقسية أو الانفجار الغريزي، بل اختار طريق التدريب والانضباط، حيث تتحول الطاقة الجسدية إلى لغة فنية منظمة.
وكانت علاقته بجيرزي غروتوفسكي من أكثر العلاقات تأثيراً في تكوينه، فقد جمعهما الإيمان بأن المسرح يبدأ من الممثل، وأن جوهر الفن المسرحي لا يكمن في كثرة الوسائل، بل في اللقاء العميق بين إنسان وإنسان. لكن باربا وسّع هذا الأفق حين نقل البحث من مختبر الممثل الفرد إلى فضاء أوسع يضم الثقافات والتقاليد الإنسانية المختلفة، فأسس بذلك رؤيته الخاصة في الأنثروبولوجيا المسرحية.
أما بيتر بروك، فقد التقى معه في الإيمان بضرورة العودة إلى جوهر المسرح، وإلى بساطة اللقاء المسرحي بعيداً عن الزوائد، لكن بروك اتجه أكثر نحو فكرة المسرح العالمي والبحث عن المشترك بين البشر، بينما ركز باربا على بناء جماعة فنية طويلة الأمد، وعلى دراسة الممثل بوصفه كائناً ثقافياً وجسدياً.
ومن خلال هذه المقارنات تظهر فرادة باربا فهو لم يكن صاحب مدرسة مغلقة، بل كان نقطة التقاء بين تيارات متعددة، أخذ منها ما يناسب رؤيته، ثم صنع مشروعاً مستقلاً يحمل اسمه. لقد لم يجمع التقنيات فقط، بل جمع الأسئلة الكبرى التي طرحتها التجارب المسرحية الحديثة حول الإنسان والفن والحضور.
وعلى المستوى الاجتماعي والفكري، عاش باربا حياة بعيدة عن مظاهر النجومية التقليدية. فرغم شهرته العالمية والجوائز والتكريمات التي حصل عليها، ظل قريباً من العمل اليومي مع الممثلين، ومن قاعات التدريب، ومن الحوار المستمر مع الفنانين الشباب. فقد كان يرى أن قيمة الفنان لا تكمن في موقعه، بل في استمراره في التعلم والبحث.
ولم يكن باربا سياسياً بالمعنى الحزبي، لكنه كان صاحب موقف ثقافي واضح. فقد دافع عن حرية التعبير، وعن استقلال الفن، وعن حق الثقافات المختلفة في الظهور والحضور. وكان يرى أن مقاومة الهيمنة الثقافية جزء أساسي من مسؤولية الفنان، لأن الفن الذي يفقد حريته يفقد جوهره.
لقد جعل من المسرح مساحة للحوار بين الشعوب، ولذلك رفض فكرة وجود مركز ثقافي واحد يحدد معنى الجمال والفن. فكل ثقافة، في نظره، تمتلك معرفة خاصة بالإنسان، وكل تجربة فنية صادقة تضيف شيئاً إلى الفهم المشترك للبشرية.
ومن هنا جاءت أهمية تجربته بالنسبة للمسرح العربي أيضاً؛ فهي لا تقدم نموذجاً جاهزاً للتقليد، بل تقدم منهجاً في التفكير. فالمسرحي العربي يستطيع أن يستفيد من باربا حين يبحث في تراثه الخاص، وفي أشكال الأداء الموجودة في ثقافته، لا لكي يعيدها كما هي، بل لكي يكتشف طاقتها الإبداعية المعاصرة.
إن درس باربا الأساسي هو أن الهوية لا تعني الانغلاق، وأن الانفتاح لا يعني فقدان الخصوصية. فالفنان الحقيقي يقف بين جذوره والعالم، ويحاور الاثنين معاً، ومن هذا الحوار يولد الفن الحي.
ومع ذلك، فإن القراءة النقدية الموضوعية لتجربته تكشف بعض الصعوبات أيضاً. فالكثافة الرمزية لبعض عروضه، واعتمادها الكبير على اللغة الجسدية والإشارات، قد تجعلها بعيدة عن بعض الجماهير التي اعتادت السرد التقليدي. كما أن التركيز الكبير على التدريب وعلى استقلالية الأداء قد يجعل بعض أعماله أكثر قرباً من المختبر الفني منها إلى المسرح الجماهيري.
لكن هذه الملاحظات لا تقلل من قيمة مشروعه، لأن التجارب الكبرى غالباً ما تحمل معها تحدي المألوف. فالفنان المجدد لا يكتفي بإرضاء الذوق السائد، بل يدفع المتلقي إلى توسيع رؤيته واكتشاف إمكانات جديدة للفن.
لقد ظل يوجينيو باربا طوال مسيرته مؤمناً بأن المسرح فعل إنساني قبل أن يكون شكلاً جمالياً. ولهذا بقي وفياً للسؤال الأول الذي رافقه منذ بداياته: كيف يمكن للفن أن يعيد الإنسان إلى ذاته؟
إن الإجابة التي قدمها يوجينيو باربا عن سؤال المسرح والإنسان لم تكن نظرية مجردة، بل كانت حياة كاملة قضاها في البحث والتجربة. فقد أثبت أن المسرح ليس فناً قائماً على العرض وحده، بل هو فعل وجودي تتقاطع فيه الذاكرة بالجسد، والفكر بالحركة، والثقافة بالتجربة الإنسانية المشتركة.
لقد كان أعظم إنجازاته أنه أعاد للممثل مكانته المركزية، وجعل منه أكثر من منفذ لتعليمات المخرج أو ناقل لكلمات النص جعله باحثاً ومبدعاً وصانعاً للمعنى. فالممثل عند باربا لا يقدم شخصية فقط، بل يقدم حضوراً إنسانياً كاملاً، حضوراً يتكون من سنوات التدريب، ومن المعرفة بالجسد، ومن القدرة على تحويل التجربة الداخلية إلى طاقة فنية مرئية.
كما أن أهميته تكمن في أنه وسّع مفهوم المسرح نفسه. فلم يعد المسرح عنده مرتبطاً بحدود المكان أو اللغة أو الشكل التقليدي، بل أصبح فضاءً للحوار بين الثقافات، ومختبراً لاكتشاف القوانين العميقة التي تربط أشكال التعبير الإنساني المختلفة. ومن هنا أصبحت الأنثروبولوجيا المسرحية واحدة من أهم مساهماته الفكرية، لأنها فتحت الطريق أمام دراسة الأداء بوصفه ظاهرة ثقافية وإنسانية واسعة.
لقد ترك باربا وراءه إرثاً لا يتمثل فقط في عروضه وكتبه، بل في الأجيال التي تأثرت به، وفي الطريقة الجديدة التي جعل بها الفنانين ينظرون إلى عملهم. فقد علّمهم أن الإبداع ليس لحظة إلهام عابرة، بل مسار طويل من البحث والانضباط والتجربة. وعلمهم أيضاً أن الفنان الحقيقي لا يبحث عن الإجابات النهائية، بل يحافظ على قدرة السؤال.
ومن أبرز مؤلفاته التي أصبحت مراجع أساسية في الدراسات المسرحية:
- القارب الورقي (The Paper Canoe): دراسة عميقة في أسرار الأداء، وجسد الممثل، ومبادئ الأنثروبولوجيا المسرحية.
- الجزر العائمة (The Floating Islands): تأملات في الفن والثقافات والبحث المسرحي.
- إحراق البيت (Burning the House): أفكار حول التجديد، وضرورة تجاوز القوالب التي تعيق الإبداع.
- أرض الرماد والماس (Land of Ashes and Diamonds): كتاب يحمل جانباً من تجربته الفكرية والعملية وعلاقته بالمسرح والبحث.
ومن أبرز المحطات في مسيرته تأسيسه فرقة أودين تياتريت (Odin Teatret) التي أصبحت من أهم التجارب المسرحية العالمية، وإطلاقه المدرسة الدولية للأنثروبولوجيا المسرحية (ISTA) التي جمعت فنانين وباحثين من ثقافات مختلفة لدراسة الأداء وطرقه المتعددة.
وقد حظي باربا بتقدير عالمي واسع، ونال العديد من الجوائز والتكريمات تقديراً لإسهامه في تطوير المسرح المعاصر، لكن أهم تكريم له بقي هو التأثير العميق الذي تركه في أجيال من الفنانين والباحثين.
وفي الخلاصة، فإن يوجينيو باربا ليس مجرد اسم في تاريخ الإخراج المسرحي، بل هو ظاهرة فكرية وفنية أعادت طرح السؤال الأساسي ما الإنسان؟ وكيف يستطيع الفن أن يكشف أعماقه الخفية؟
لقد جعل من المسرح رحلة للبحث عن المعنى، ومن الممثل جسراً بين الثقافات، ومن الجسد لغة تتجاوز حدود الكلمات. ولهذا فإن حضوره سيبقى مستمراً ما دام هناك فنانون يؤمنون بأن المسرح ليس مجرد مكان للعرض، بل مساحة للقاء الإنساني الحقيقي.
إن قيمة باربا الكبرى أنه لم يقدم لنا مسرحاً جاهزاً، بل قدم لنا طريقة في النظر إلى المسرح. لم يترك وصفة، بل ترك منهجاً. لم يغلق الطريق أمام الآخرين، بل فتح طرقاً جديدة للبحث والاكتشاف.
وهكذا يبقى يوجينيو باربا واحداً من كبار رواد المسرح العالمي؛ الفنان الذي جعل الخشبة مكاناً للحوار بين الإنسان وذاته، وبين الثقافات بعضها مع بعض، وبين الماضي والحاضر، مؤكداً أن الفن العظيم لا يعيش لأنه يكرر ما نعرفه، بل لأنه يكشف لنا دائماً ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال ...
- عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا ...
- جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس ...
- أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei ...
- ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند ...
- فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
- خاسينتو بينافينتي Jacinto Benavente رائد المسرح الإسباني الح ...
- أناتول فرانس الإنسان أولًا... والأديب الخالد
- كنوت هامسون سيد الجوع والقلق والوعي الإنساني
- كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير
- هنريك بونتوبيدان ملحمة الإنسان في العصر الحديث
- حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرا ...
- كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً
- الحرب في مخيلة فيصل لعيبي الدخان شاهداً على المصير الإنساني
- سيبيليوس وفنلندا قصة أمة كتبتها الموسيقى
- كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر م ...
- العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمت ...
- فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي ...
- رومان رولان مهنة الأدب لاتقتصر على إنتاج الجمال إنما تتمثل أ ...
- عبد الأمير الخطيب جماليات الكرسي وتحولات المعنى


المزيد.....




- 80 عاماً على تفجير فندق الملك داود: الجريمة التي هزت القدس و ...
- جسور بطرسبورغ تُرفع على أنغام الموسيقى البحرية احتفالا بيوم ...
- متحف النصر في موسكو يستضيف معرض -معركة القوقاز- في ذكراها ال ...
- ممثلة إيطالية شهيرة وابنتها تتقدمان بطلب للحصول على الجنسية ...
- وفاة الفنان المصري محمد الشرشابي
- زادونسك.. -القدس الروسية- التي ترك قديسها أثرا في عالم دوستو ...
- مدير مهرجان جرش لـCNN: المهرجان في دورته الـ40 يحتفي بجذوره ...
- ماريا فولكونسكايا.. الأم التي لم يعرفها تولستوي وخلّدها في ر ...
- عشرات الشخصيات الأردنية الوطنية والسياسية والثقافية والعشائر ...
- وفاة الممثلة الصماء كايلي هوتل بطلة سلسلة -غودزيلا- في حادث ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج