أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعات... ك















المزيد.....

عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعات... ك


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 17:32
المحور: الادب والفن
    


ثمة دواوين شعرية تُقرأ فتمنح القارئ متعة اللغة وجمال الصورة، ثم تنتهي مهمتها عند الصفحة الأخيرة، وثمة دواوين أخرى لا تكتفي بأن تُقرأ، بل تدعو قارئها إلى إعادة النظر في علاقته بالعالم، وتغدو القراءة فيها نوعًا من التأمل الوجودي الذي يتجاوز حدود النص إلى أسئلة الحياة نفسها. ومن هذا الصنف الأخير ينهض ديوان توقيعات...ك للشاعر عدنان الصائغ؛ فهو ليس مجموعة من الومضات الشعرية كما قد توحي هيئته الطباعية للوهلة الأولى، ولا كتابًا يجمع خواطر متناثرة أو تأملات عابرة، وإنما بناء شعري بالغ الإحكام، تتساند نصوصه الصغيرة لتؤلف في مجموعها قصيدة كبرى، لا بطل لها سوى الإنسان وهو يعبر الزمن، ويصغي إلى صمت الأشياء، ويقاوم النسيان بالكلمات.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا الديوان أن الشاعر لا يدخل إلى القصيدة من أبوابها التقليدية. فلا مقدمات تمهد للمعنى، ولا سرد يهيئ للمشهد، ولا انفعال لغوي يعلن عن نفسه منذ السطر الأول، وإنما يبدأ النص غالبًا من نقطة تبدو عادية إلى حد الإيهام بأنها لا تصلح لأن تكون شعرًا؛ باب يُفتح، مقهى، نافذة، حقيبة، مقعد، مرآة، يد، ظل، شارع، أو وجه عابر. غير أن هذه التفاصيل التي تمر في حياتنا اليومية من غير أن تستوقفنا، تدخل مختبر الشاعر فتفقد عاديتها، وتتحول إلى إشارات كثيفة تختزن طبقات من المعنى، حتى يشعر القارئ أن العالم الذي كان يظنه مألوفًا لم يكن كذلك قط، وأن الأشياء الصغيرة كانت تخفي، بصمتها الطويل، أسئلة أكبر من حجمها.
وهنا تتجلى إحدى أهم خصائص التجربة الشعرية عند عدنان الصائغ في هذا الديوان فهو لا يبحث عن الإدهاش في غرابة الصورة، ولا في تعقيد المجاز، وإنما في إعادة اكتشاف الواقع نفسه. الأشياء لا تتغير، وإنما تتغير طريقة النظر إليها. والقصيدة لا تصنع عالمًا موازيًا للعالم، بل تكشف العالم الذي كان حاضرًا أمامنا ولم ننتبه إليه. وهذه القدرة على استعادة دهشة الأشياء هي، في تقديري، واحدة من أنبل وظائف الشعر، لأن الشعر العظيم لا يضيف إلى الواقع أشياء جديدة، بل يعيد إلينا القدرة على رؤيته.
ذلك أن عدنان الصائغ، في هذا الديوان، لا يكتب القصيدة بوصفها حدثًا لغويًا، بل بوصفها تجربة في الرؤية. والفرق بين الأمرين بعيد. فالحدث اللغوي قد يدهش القارئ بمهارة الصياغة أو غرابة الاستعارة، أما الرؤية فتبقى تعمل في داخله بعد أن يفرغ من القراءة، لأنها لا تضيف إلى ذاكرته عبارة جميلة فحسب، بل تضيف إليها طريقة جديدة في تأمل العالم. ومن هنا لا يبدو التكثيف الذي تقوم عليه نصوص توقيعات...ك خيارًا شكليًا، ولا استجابة لميل معاصر نحو قصيدة الومضة، بل هو ثمرة وعي شعري بلغ من النضج ما جعله يؤمن بأن القصيدة لا تُقاس بعدد أسطرها، وإنما بمقدار ما تتركه من أثر في الوعي والوجدان.
ومن الظلم أن تُقرأ هذه النصوص بوصفها قصائد قصيرة؛ فهي ليست اختصارًا لقصائد أطول، ولا مقاطع مبتورة من بناء أكبر، وإنما قصائد كاملة العناصر، اكتفت من اللغة بما لا غنى عنه، وتخلت عن كل ما عداه. وكأن الشاعر، بعد رحلة طويلة مع الكتابة، أدرك أن الشعر لا يولد من تراكم الكلمات، بل من قدرتها على حمل أثقال التجربة الإنسانية. لذلك تبدو كل ومضة في هذا الديوان وكأنها نهاية عملية طويلة من التنقية، حتى لا يبقى في النص إلا ما يشبه العصب الحي للقصيدة، وما عدا ذلك يتركه الشاعر للصمت، لأنه يعرف أن البياض أحيانًا أكثر بلاغة من امتلاء الصفحة.
وهنا تتجلى خبرة شاعر قضى عمره في مرافقة اللغة، حتى لم يعد يحتاج إلى أن يثبت قدرته عليها. فالقصيدة لا تستعرض مهارتها، ولا تتباهى ببلاغتها، ولا تسعى إلى إقناع القارئ بأنها شعر، لأنها مطمئنة إلى جوهرها. وهذه الطمأنينة الفنية لا يبلغها إلا شاعر تحرر من هاجس الزينة اللفظية، وأصبح يرى أن الكلمة الجميلة ليست تلك التي تلفت الانتباه إلى نفسها، وإنما التي تنجح في إخفاء جهدها، حتى تبدو وكأنها الكلمة الوحيدة الممكنة في موضعها.
ولعل هذه الثقة العميقة باللغة هي التي جعلت عدنان الصائغ ينقل مركز الثقل في القصيدة من القول إلى الإيحاء، ومن العبارة إلى المسافة التي تفصل عبارة عن أخرى. فالقارئ لا يواجه نصوصًا تشرح نفسها، بل نصوصًا تدعوه إلى مشاركتها في إنتاج معناها. إن القصيدة هنا لا تكتمل عند نهاية السطر، وإنما تبدأ هناك؛ تبدأ في ذهن القارئ، وفي خبرته، وفي ذاكرته الخاصة. ولذلك فإن كل قراءة جديدة تكشف طبقة أخرى من الدلالة، وكأن النص يرفض أن يمنح نفسه دفعة واحدة، ويصر على أن يبقى مفتوحًا على احتمالات التأويل.
وليس من قبيل المصادفة أن تتجاور في هذا الديوان أمكنة متباعدة، وأزمنة متباينة، وثقافات متعددة، من غير أن يشعر القارئ بأي نشاز. فالمدن التي يثبتها الشاعر في ذيول قصائده ليست علامات جغرافية بقدر ما هي محطات في سيرة الروح. بغداد، ولندن، والقاهرة، ومراكش، وستوكهولم، وليما، وأكسفورد، وغيرها، لا تحضر بوصفها خرائط، بل بوصفها حالات شعورية، حتى يغدو المكان أقل أهمية من الإنسان الذي يمر فيه، ويصبح السفر انتقالًا في طبقات الذات أكثر مما هو انتقال بين القارات.
ولعل هذا ما يمنح المكان في شعر عدنان الصائغ خصوصيته. فهو لا يصف المدن، ولا يكتب انطباعات سائح، ولا يفتتن بالمشهد الخارجي، وإنما يصغي إلى ما تفعله المدينة في داخله. ولذلك قد تبدو مدينة بعيدة أقرب إلى بغداد من مدينة مجاورة، لأن المقياس ليس المسافة، بل مقدار ما توقظه الأمكنة من ذاكرة، وما تثيره من أسئلة. إن الجغرافيا، في هذا الديوان، تفقد حدودها السياسية، لتدخل في جغرافيا أخرى أكثر عمقًا، هي جغرافيا الروح.
ومن هنا أيضًا يتجاوز المنفى معناه السياسي المباشر. لقد كتب عدنان الصائغ عن المنفى طويلًا في أعماله السابقة، لكنه يبلغ هنا مرحلة مختلفة؛ لم يعد المنفى حادثة تاريخية، ولا مجرد سيرة شخصية، بل أصبح شرطًا إنسانيًا عامًا. فالإنسان، في هذه النصوص، غريب حتى وهو بين أشيائه، ومسافر حتى وهو مقيم، وباحث عن بيت لا تحدده الخرائط، بل تحدده الطمأنينة التي كثيرًا ما تتأخر عن الوصول. ولهذا لا يرفع الشاعر صوته بالرثاء، ولا يغرق في خطاب الحنين، لأن الحنين عنده لم يعد بكاءً على مكان مفقود، بل تأملًا هادئًا في معنى الانتماء نفسه، وفي قدرة الذاكرة على أن تكون وطنًا حين تعجز الجغرافيا عن ذلك.
وهنا يكمن، في تقديري، أحد أهم تحولات تجربة عدنان الصائغ. لقد غادر الاحتجاج إلى الحكمة، وغادر الصرخة إلى التأمل. وليس معنى ذلك أن الألم قد غاب، بل إن الألم نفسه أصبح أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على التحول إلى معرفة. فالشاعر لا يكتب جرحه ليطلب التعاطف، وإنما يكتبه لأنه يرى فيه نافذة لفهم الإنسان، ولهذا تخرج التجربة من خصوصيتها لتصبح قابلة لأن يتعرف القارئ فيها إلى شيء من حياته هو، مهما اختلفت لغته أو بلده أو تاريخه الشخصي.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس ...
- أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei ...
- ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند ...
- فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
- خاسينتو بينافينتي Jacinto Benavente رائد المسرح الإسباني الح ...
- أناتول فرانس الإنسان أولًا... والأديب الخالد
- كنوت هامسون سيد الجوع والقلق والوعي الإنساني
- كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير
- هنريك بونتوبيدان ملحمة الإنسان في العصر الحديث
- حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرا ...
- كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً
- الحرب في مخيلة فيصل لعيبي الدخان شاهداً على المصير الإنساني
- سيبيليوس وفنلندا قصة أمة كتبتها الموسيقى
- كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر م ...
- العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمت ...
- فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي ...
- رومان رولان مهنة الأدب لاتقتصر على إنتاج الجمال إنما تتمثل أ ...
- عبد الأمير الخطيب جماليات الكرسي وتحولات المعنى
- نحو فلسفة أعمق لمعنى الوطن
- قوة الردع الوطنية وحماية المجال الحيوي للدولة العراقية


المزيد.....




- مصر.. تحرك برلماني لتفعيل -حق الأداء العلني- يثير خلافًا بين ...
- العراق والثقافة.. مسيرة الإبداع في الجمهورية العراقية الأولى ...
- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعات... ك