أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني في الخطاب الشعري














المزيد.....

عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني في الخطاب الشعري


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 20:12
المحور: الادب والفن
    


عرش بغداد حين تتحول المدينة إلى ذاكرة شعرية وفضاء للإنسان

يمثل ديوان عرش بغداد تجربة شعرية تستعيد علاقة الإنسان بالمكان بوصفها علاقة تتجاوز الجغرافيا لتصل إلى أعماق الذاكرة والهوية والوجود. فالشاعر لا يتعامل مع بغداد باعتبارها مدينة فحسب، بل باعتبارها كيانًا حيًا تتداخل فيه الطفولة والتاريخ والحلم والجراح. ومن خلال قصائده تتشكل صورة مدينة تحمل مجدها وآلامها، وتبقى حاضرة في الوعي رغم المسافات والتحولات.
إن قراءة هذا الديوان تكشف عن حساسية شعرية تجعل من المكان منطلقًا للتأمل في مصير الإنسان، حيث يتحول الحنين إلى فعل إبداعي، وتتحول التجربة الشخصية إلى خطاب إنساني واسع. فبغداد ليست مجرد ذكرى تستعاد، بل تصبح رمزًا للانتماء وللجذور وللبحث عن المعنى في عالم تتغير ملامحه باستمرار. ومن هنا تأتي أهمية الديوان في قدرته على المزج بين جماليات الصورة الشعرية وعمق التجربة الإنسانية، إذ يلتقي فيه الخاص بالعام، وتتحول سيرة الذات إلى مرآة تعكس أسئلة جيل كامل عاش التحولات والحروب والاغتراب.
لا تظهر بغداد في ديوان عرش بغداد بوصفها مكانًا جغرافيًا عابرًا، بل تتجسد بوصفها كائنًا شعريًا حيًا، يحمل ذاكرة الشاعر ووجدان الإنسان العراقي بكل ما فيه من حنين وألم وأسئلة. فالمكان في هذا الديوان ليس خلفية للأحداث، وإنما هو جوهر التجربة الشعرية؛ إنه البيت الأول، والطفولة البعيدة، والذاكرة التي تقاوم التلاشي أمام تحولات الزمن وقسوة الواقع.
يحمل عنوان الديوان دلالة رمزية عميقة؛ فـالعرش لا يشير إلى السلطة بقدر ما يشير إلى المكانة الروحية والجمالية التي تحتلها بغداد في قلب الشاعر. إنها مدينة متربعة على عرش الذاكرة، لا تفقد حضورها مهما ابتعدت المسافات، لأن المدن الكبرى لا تسكن الجغرافيا فقط، بل تسكن الأرواح التي عاشت فيها وتركت فيها جزءًا من وجودها.
تتجلى تجربة المنفى في القصائد بوصفها حالة إنسانية تتجاوز حدود الرحيل المكاني. فالشاعر لا يغادر بغداد تمامًا، بل يحملها معه في تفاصيله الصغيرة، في الصور التي تستعيد الشوارع والوجوه والبيوت والأصوات القديمة. وهنا يصبح المنفى حوارًا داخليًا بين حاضر مختلف وذاكرة لا تهدأ، بين عالم جديد يحاول أن يفرض حضوره، ووطن قديم يستمر في تشكيل الوعي والهوية.
أما الحرب، فتظهر في الديوان بوصفها جرحًا عميقًا أصاب الإنسان قبل أن تصيب المكان. فالشاعر لا يكتفي برصد آثار الخراب الخارجي، بل ينفذ إلى الخراب الداخلي الذي تتركه الحروب في النفس: فقدان الأحبة، انكسار الأحلام، وشعور الإنسان بأنه يحمل تاريخًا من الألم لا يمكن محوه بسهولة. ومع ذلك لا تتحول القصيدة إلى مجرد رثاء، بل تصبح فعل مقاومة جمالية، حيث تتحول المعاناة إلى لغة، والذاكرة إلى طاقة تحفظ للإنسان إنسانيته.
إن بغداد في هذا الديوان تتجاوز صورتها الواقعية لتصبح رمزًا للحضارة والهوية والطفولة والبحث عن المعنى. إنها ليست مدينة مفقودة فقط، بل حضور دائم في الوعي، وكلما ابتعد عنها الشاعر ازدادت قربًا في اللغة والصورة والإحساس. فالمكان هنا لا يُستعاد بوصفه ماضيًا جامدًا، بل بوصفه حياة متجددة داخل النص.
وتكمن أهمية التجربة الشعرية في عرش بغداد في قدرة الشاعر على تحويل الخاص إلى عام؛ إذ تتحول تجربته الشخصية في الفقد والاغتراب إلى تجربة إنسانية مشتركة تمس كل من عرف معنى الانتماء والرحيل والبحث عن الجذور. فالشعر لا يصبح تسجيلًا للسيرة الذاتية، بل مساحة تتقاطع فيها ذاكرة الفرد مع ذاكرة الجماعة.
أما اللغة الشعرية في الديوان فتقوم على التوازن بين البساطة والعمق، وبين التفاصيل اليومية والإيحاء الرمزي. فالصورة الشعرية لا تأتي للزخرفة، بل تكشف حالات داخلية عميقة، حيث تتحول الأشياء العادية إلى علامات تحمل دلالات واسعة. ومن خلال هذا الاقتصاد الجمالي في التعبير، يمنح الشاعر للقصيدة قدرتها على الإيحاء وفتح فضاءات متعددة للتأويل.
ويؤكد ديوان عرش بغداد أن الشعر قادر على إعادة بناء الأمكنة بعد أن تهددها التحولات والنسيان، فبغداد التي يقدمها الشاعر ليست مدينة من الماضي، بل حضور متجدد في الذاكرة واللغة والوجدان. إنها صورة للإنسان الذي يبحث عن جذوره، ويحاول أن يحفظ معنى الانتماء وسط عالم تتبدل فيه الأمكنة والوجوه.
لقد استطاع الديوان أن يحول التجربة الفردية إلى أفق إنساني واسع، وأن يجعل من الحنين قوة إبداعية لا حالة انكسار. فالكلمة هنا لا تبكي الغياب فقط، بل تستعيد الحضور، والشعر لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يمنحه معنى وجمالًا.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
- يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال ...
- عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا ...
- جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس ...
- أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei ...
- ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند ...
- فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
- خاسينتو بينافينتي Jacinto Benavente رائد المسرح الإسباني الح ...
- أناتول فرانس الإنسان أولًا... والأديب الخالد
- كنوت هامسون سيد الجوع والقلق والوعي الإنساني
- كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير
- هنريك بونتوبيدان ملحمة الإنسان في العصر الحديث
- حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرا ...
- كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً
- الحرب في مخيلة فيصل لعيبي الدخان شاهداً على المصير الإنساني
- سيبيليوس وفنلندا قصة أمة كتبتها الموسيقى
- كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر م ...
- العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمت ...
- فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي ...
- رومان رولان مهنة الأدب لاتقتصر على إنتاج الجمال إنما تتمثل أ ...


المزيد.....




- مزيد من دور السينما تسعى للحصول على تراخيص لتقديم المشروبات ...
- الجمهور الياباني يحتفي بنجوم الباليه الروس في يوكوهاما
- مهرجان فينيسيا يكشف أفلام دورته الـ83.. وروبرت ميردوخ في فيل ...
- التخشبوش: رواية تاريخية من العصر المملوكي
- تركي آل الشيخ ينتشل نادر نور من -النسيان- بأغنية في ألبوم عم ...
- ماجدة الرومي تفتتح حفلات مهرجان جرش على المسرح الجنوبي
- إقبال قياسي ومعارض جديدة.. المتحف الروسي للفنون الزخرفية يحت ...
- فنان مصري يفاجئ ياسر جلال بنومه في الشارع.. وتحرك لإنقاذه
- قانون جديد للفنانين في مصر يوصف بـ-التاريخي-
- -أنا روسي-.. أغنية شامان التي تحولت إلى ظاهرة وطنية تعود بنس ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني في الخطاب الشعري