أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان














المزيد.....

تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 10:09
المحور: الادب والفن
    


تاداشي سوزوكي حين يصبح الجسد ذاكرةً والمسرح طريقًا إلى الإنسان

كالدواء في الصيدلية حين يخفف ألم الإنسان لا يسأل المريض عن اسم مكتشفه، بل عن أثره في شفائه. كذلك الإبداع العظيم؛ لا يبقى لأنه يحمل اسم صاحبه فقط، بل لأنه يترك أثرًا نافعًا في حياة البشر.
هناك فنانون يصنعون أعمالًا جميلة، وهناك فنانون يصنعون طريقة جديدة لرؤية الجمال. وتاداشي سوزوكي ينتمي إلى الفئة الثانية فهو لم يكن مجرد مخرج مسرحي يضيف عرضًا إلى عروض المسرح العالمي، بل كان صاحب رؤية أعادت الإنسان إلى مركز الخشبة، وجعلت من المسرح بحثًا عميقًا في الجسد والذاكرة والوجود.
ولد تاداشي سوزوكي في اليابان عام 1939، في زمن كانت فيه بلاده تعيش واحدة من أكثر مراحل تاريخها تعقيدًا. فقد خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية وهي تواجه سؤالين كبيرين: كيف تعيد بناء نفسها؟ وكيف تحافظ على روحها وهويتها في عالم جديد سريع التحول؟ ومن هذه الأسئلة التاريخية نشأت حساسية سوزوكي الفنية؛ حساسية تبحث عن الصلة بين الماضي والمستقبل، وبين التراث والحداثة.
لم يرَ سوزوكي المسرح بوصفه وسيلة للترفيه فقط، بل اعتبره مكانًا لاختبار الإنسان. فالخشبة عنده ليست مساحة للحركة الخارجية، بل مجال تظهر فيه أعماق الإنسان: خوفه، وصراعه، ورغبته، وضعفه، وقوته. ولهذا جعل الممثل مركز العملية المسرحية، لأن الفن يبدأ عنده من الإنسان قبل أن يبدأ من الديكور أو التقنية.
كان يؤمن بأن الجسد هو اللغة الأولى للممثل. فقبل أن يتكلم الإنسان، يتحدث وقوفه، وإيقاعه، وتنفسه، وصمته. ومن هنا جاء منهجه الشهير في تدريب الممثل، الذي لم يكن مجرد مجموعة تمارين جسدية، بل فلسفة كاملة ترى أن السيطرة على الجسد طريق إلى اكتشاف الوعي الداخلي.
في عالم سوزوكي لا يكون الجسد أداة منفصلة عن الثقافة؛ إنه يحمل ذاكرة المكان والتاريخ والعادات والتجربة الإنسانية. ولذلك اهتم بالقدم والحركة والإيقاع والصوت، لأنه رأى أن الممثل الحقيقي لا يقلد الشخصية فقط، بل يعيد خلق وجودها من داخله.
وعندما تعامل مع النصوص الكبرى، مثل التراجيديا الإغريقية وأعمال شكسبير، لم يتعامل معها باعتبارها آثارًا مقدسة يجب نقلها حرفيًا، بل باعتبارها أرواحًا حية قابلة للحوار. كان يبحث فيها عن الإنسان المختبئ خلف الزمن، عن الصراعات التي لا تنتهي: السلطة، والخوف، والطموح، والمصير، والبحث عن الحقيقة.
وهنا تكمن فرادته فقد لم يكن شرقيًا منغلقًا على ذاته، ولا غربيًا مقلدًا للآخرين. لقد أثبت أن العالمية لا تعني التخلي عن الجذور، بل تعني أن تحمل جذورك بعمق حتى تستطيع مخاطبة العالم. فالفنان الذي يعرف مكانه يستطيع أن يصل إلى كل الأمكنة.
ومن أهم محطاته تأسيس مشروع توغا المسرحي، الذي حوّل منطقة ريفية يابانية إلى مركز عالمي للفن. لم يكن توغا مجرد مكان للعروض، بل تجربة ثقافية كاملة تقوم على التدريب والبحث والحوار. لقد أراد سوزوكي أن يعيد للمسرح شيئًا من روحه القديمة أن يكون لقاءً إنسانيًا حيًا، لا مجرد منتج ثقافي سريع الاستهلاك.
إن أهمية سوزوكي لا تكمن فقط في منهجه المسرحي، بل في موقفه من الإنسان. فهو يرى أن الفن لا يهرب من الواقع، لكنه لا يتحول إلى خطاب مباشر أيضًا. وظيفته الأعمق أن يجعل الإنسان يرى نفسه بوضوح، وأن يكتشف الأسئلة التي يخفيها خلف عاداته اليومية.
ولهذا يمكن وضعه إلى جانب كبار المجددين في المسرح الحديث أولئك الذين لم يغيروا شكل العرض فقط، بل غيروا طريقة التفكير في المسرح. فقد التقى مع غروتوفسكي في أهمية الممثل، ومع بيتر بروك في البحث عن المسرح الإنساني، ومع يوجينيو باربا في دراسة الجسد والأداء، لكنه بقي صاحب صوته الخاص صوتًا يربط الجسد بالهوية والذاكرة.
في عصر التكنولوجيا المتسارعة، تزداد قيمة تجربة سوزوكي؛ لأنها تذكر الإنسان بأن الفن لا يعيش بالوسائل وحدها. يمكن للتقنيات أن تتطور، لكن جوهر المسرح يبقى في اللقاء بين إنسان وإنسان، في حضور الجسد، وفي قوة الكلمة، وفي لحظة الصدق التي لا يمكن للآلة أن تستبدلها.
لقد ترك تاداشي سوزوكي للمسرح العالمي أكثر من أسلوب إخراج أو طريقة تدريب ترك سؤالًا مفتوحًا عن معنى وجود الإنسان في هذا العالم. ولهذا سيبقى أثره لأن الأعمال الكبرى لا تعيش داخل أسماء أصحابها فقط، بل تتحول إلى جزء من الذاكرة الإنسانية.
وكما لا يسأل المريض عن اسم مكتشف الدواء حين يستعيد عافيته، لا يسأل الإنسان أمام الجمال الحقيقي عن حدود صاحبه، بل يشعر بما تركه فيه من نور ومعنى. فالإبداع العظيم هو الدواء الروحي للبشرية قد يحمل اسم صاحبه، لكنه في النهاية يصبح ملكًا لكل من يجد فيه حياةً وجمالًا وحقيقة.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني ...
- يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
- يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال ...
- عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا ...
- جيرزي غروتوفسكي إعادة اكتشاف الإنسان عبر المسرح قراءة في فلس ...
- أريان منوشكين Ariane Mnouchkine ومسرح الشمس Théâtre du Solei ...
- ويليام بتلر ييتس (William Butler Yeats): شاعر الأمة الأيرلند ...
- فيصل لعيبي من جماليات الرمز إلى تشكلات الوعي الحضاري.
- خاسينتو بينافينتي Jacinto Benavente رائد المسرح الإسباني الح ...
- أناتول فرانس الإنسان أولًا... والأديب الخالد
- كنوت هامسون سيد الجوع والقلق والوعي الإنساني
- كارل شبيتلر أسطورة الشعر والبحث عن معنى المصير
- هنريك بونتوبيدان ملحمة الإنسان في العصر الحديث
- حسنين العزاوي سيمياء الهوية وإيقاعات الزمن بين المرجعية الرا ...
- كريم سعدون الوجه بوصفه أثراً روحياً
- الحرب في مخيلة فيصل لعيبي الدخان شاهداً على المصير الإنساني
- سيبيليوس وفنلندا قصة أمة كتبتها الموسيقى
- كارل أدولف غيليروب (Karl Adolph Gjellerup) الأديب الذي عبر م ...
- العراق بين دولة القانون وإمبراطورية الفساد كيف يُنهب وطن يمت ...
- فيرنر فون هايدنستام شاعر الروح القومية وباني الخيال السويدي ...


المزيد.....




- موسكو تستضيف ملتقى سينمائيا دوليا بمشاركة شباب من 8 دول
- فيلم -أرض الخرسانة- الوثائقي الأردني يفوز بجائزة مهرجان لندن ...
- الوطن الذي نحمله معنا.. الهجرة والمنفى في أفلام الأنيميشن
- بشار المصري يبحث مع اتحاد الكتاب والأدباء تعزيز الهوية الثقا ...
- السنن الكونية في النظام القرآني
- مجلة “سينماتيك” في عندها 6.. من ذاكرة الأرشيف إلى رهانات الر ...
- مصرع مقاتل في الفنون القتالية المختلطة في هجوم تراب الإرهابي ...
- كوميديا سوداء أرجنتينية تستعيد أجواء هتشكوك في فيلم العلاج ع ...
- مهرجان لوميير بمدينة ليون يستحضر روائع السينما العالمية في د ...
- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان