أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب















المزيد.....



توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 16:24
المحور: الادب والفن
    


توماس مان Thomas Mann وطنٌ من لغة، وحياةٌ من كتابة

هناك كتّاب يغادرون أوطانهم، لكن أوطانهم لا تغادرهم، وهناك كتّاب يكتبون عن الحياة ثم تتحول حياتهم نفسها، مع مرور الزمن، إلى مادة للأدب. توماس مان جمع الأمرين معًا؛ حمل ألمانيا معه حين غادرها، وحمل لغته حين ابتعد عن المكان، وحوّل سنوات المنفى والحرب والقلق إلى أسئلة عن الإنسان والثقافة والضمير. لم يكن طريقه إلى الأدب طريقًا مستقيمًا نحو المجد، بل بدأ من أشياء تبدو صغيرة: بيت، وأسرة، ومدينة، وطفولة، وذاكرة، وعين أخذت تتعلم النظر إلى ما حولها قبل أن تعرف أن النظر نفسه يمكن أن يصبح يومًا أدبًا. فالكاتب لا يبدأ عندما يكتب أول كتاب، بل يبدأ حين يتعلم أن ينتبه. البيت الأول يدخل إليه قبل أن يعرف كيف يصفه، والأم تحفظ تفاصيل طفلها قبل أن يعرف الطفل أن هذه التفاصيل يمكن أن تصبح ذات يوم جزءًا من ذاكرته، والأب يترك في داخله صورة عن العمل والمسؤولية والمكانة، والإخوة يفتحون أمامه عالمًا من القرب والمنافسة والمودة والاختلاف، والمدينة تمنحه أول إحساس بالمكان، بالشوارع والبيوت والوجوه والأصوات. كل ذلك يبدو عاديًا في لحظته، لكن الأدب يعرف كيف يحفظ ما لا ننتبه إليه. ولد توماس مان في لوبيك عام 1875، في بيئة عائلية ميسورة ذات حضور اجتماعي وثقافي، وكان والده رجل أعمال وشخصية عامة في المدينة، لكن وفاة الأب المبكرة غيّرت مسار الأسرة، وانتقلت العائلة إلى ميونيخ، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياته. وقد يكون انتقال الطفل من مدينة إلى أخرى أكثر من مجرد حدث في السيرة؛ إنه أول درس في معنى المكان. فالإنسان لا يعرف قيمة المكان دائمًا وهو يعيش فيه، وقد يراه شيئًا طبيعيًا مثل الهواء، ثم يبتعد عنه فيكتشف أنه كان يحمل جزءًا منه في داخله. ولهذا ستعود فكرة المكان في أدب مان بأشكال مختلفة، كما ستعود الذاكرة والأسرة والزمن الذي يغير الناس من دون أن يستأذنهم. لم يكن الأدب عنده منفصلًا عن الحياة اليومية، بل كان طريقة أخرى للنظر إليها. فالطفل الذي يرى العائلة وهي تتغير، والبيت وهو يفقد استقراره القديم، والمدينة وهي تترك مكانها لمدينة أخرى، يبدأ دون أن يدري في اكتشاف واحدة من أهم حقائق الحياة: أن الأشياء لا تبقى كما هي، وأن الزمن يعمل في الإنسان قبل أن يشعر به. وهذا الوعي المبكر بالزمن سيصبح لاحقًا واحدًا من أسرار عالم مان الروائي؛ فالزمن عنده ليس ساعة تتحرك، بل قوة تدخل في العائلة والجسد والرغبة والمجتمع والتاريخ، وتغير الإنسان من الداخل. ولهذا حين نقرأ أعماله لا نجد الشخصيات واقفة أمام الزمن، بل نراها تعيش داخله، تكبر وتتغير وتخسر وتعيد النظر وتكتشف أن العالم الذي ورثته ليس العالم الذي ستتركه للأجيال التالية. ومن هذه العين خرج الكاتب، لكن الطريق إلى الكاتب لم يكن خاليًا من الحياة العادية؛ كان هناك العمل والقراءة والصحافة والأسرة والعلاقات والطموح والبحث عن المكان الذي يستطيع فيه أن يصبح نفسه. فالكاتب لا يعيش في برج منفصل عن الحياة، وحتى أكثر الكتاب تجريدًا يحملون معهم تفاصيل يومية لا تظهر في الكتب إلا بعد أن تتحول داخلهم. قد تكون نبرة أم، أو طريقة أب في الكلام، أو غرفة قديمة، أو شارعًا لا يعرف الإنسان لماذا بقي في ذاكرته، أو شعورًا غامضًا بأنه كان يومًا شخصًا آخر. ثم تأتي الكتابة فتلتقط هذه الأشياء، وتعيد ترتيبها، وتمنحها حياة جديدة. وهنا تبدأ العلاقة التي سترافق مان طوال عمره الكتابة. لم تكن مجرد مهنة، ولا وسيلة للشهرة، بل المكان الذي يستطيع الكاتب أن يعود إليه كلما تغيرت الأمكنة، وربما كانت بالنسبة إليه الحبيب الأول، الحبيب الذي يستطيع الإنسان أن يبتعد عنه لكنه لا يهجره حقًا. كلما أخذته الحياة بعيدًا عاد إليه، وكلما أثقلته الظروف وجد في الصفحة مكانًا يبدأ منه من جديد. ولهذا فإن قصة توماس مان ليست قصة كاتب كتب روايات عظيمة فقط، بل قصة إنسان وجد في الكتابة طريقة لكي يفهم ما يحدث له وللعالم من حوله. وحين كتب «بودنبروك» لم يكن يكتب تاريخ عائلة فحسب، بل كان يكتشف أن العائلة يمكن أن تكون صورة مصغرة لعالم كامل. فالبيت ليس جدرانًا وأثاثًا وأسماء، إنه ذاكرة، وفي داخله تتراكم عادات الأجيال وطموحاتها وخيباتها ومخاوفها وما تورثه من قيم وما تعجز عن توريثه. ولهذا أصبحت بودنبروك أكثر من رواية عن أسرة ألمانية؛ أصبحت رواية عن الزمن وهو يعمل ببطء داخل الناس. الجيل الذي بنى مكانته يرى العالم بطريقة، والجيل الذي يأتي بعده يراه بطريقة أخرى، وما كان يبدو للأب ضرورة قد يبدو للابن عبئًا، وما كان الأب يعدّه فضيلة قد يراه الابن قيدًا. ولا يحدث الانهيار فجأة، فالأشياء الكبيرة نادرًا ما تسقط دفعة واحدة؛ يبدأ التغير في التفاصيل الصغيرة، في طريقة التفكير، وفي العلاقة بالعمل، وفي معنى النجاح، وفي العلاقة بين الفرد والجماعة، وفي المسافة التي تكبر شيئًا فشيئًا بين ما يريده الإنسان وما ينتظره منه الآخرون. وهنا التقط مان مبكرًا أن التاريخ لا يدخل البيت دائمًا من الباب الكبير، بل قد يدخل من خلال شخص أو قرار أو زواج أو خسارة أو اختلاف بين أب وابن، ثم يتسع الاختلاف حتى يصبح علامة على أن زمنًا كاملًا بدأ يتغير. لذلك لم تكن الرواية العائلية عنده ضيقة، بل كانت نافذة على المجتمع؛ فالأسرة تحمل داخلها الطبقة الاجتماعية والاقتصاد والدين والأخلاق ونظرة الناس إلى العمل والنجاح والمكانة، وحين تتغير هذه الأشياء تتغير الأسرة معها. ولم يكن همه أن يقول للقارئ هذا جيد وهذا سيئ، بل أن يجعله يرى كيف تتشكل الأشياء وكيف يمكن للإنسان أن يصبح أسيرًا لقيم ورثها من غير أن يسأل نفسه إن كانت ما تزال صالحة لحياته. ومن هنا بدأ السؤال الذي سيكبر مع مان: هل يستطيع الإنسان أن يعيش وفق ما ورثه، أم أن عليه أن يعيد اكتشاف نفسه؟ وهذا السؤال لا يخص العائلة وحدها، بل يخص المجتمعات كلها، فكل مجتمع يرث لغة وتقاليد وقيمًا وصورًا عن نفسه، ثم يأتي زمن يتغير فيه العالم فيجد الإنسان نفسه أمام خيار صعب: هل يحافظ على كل شيء لأنه قديم، أم يتخلى عن كل شيء لأنه قديم، أم يبحث عن طريق ثالث؟ وهذا الطريق الثالث هو الأصعب أن تعرف ما الذي يستحق أن يبقى وما الذي يجب أن يتغير. وهنا تظهر قيمة الكاتب، فالكاتب الحقيقي ليس حارسًا أعمى للماضي ولا متمردًا أعمى عليه، بل ينظر إلى الماضي ويحاول أن يفهمه، ثم ينظر إلى الحاضر ويحاول أن يرى إلى أين يذهب. ومن هنا اتسعت عيون مان، فلم تعد العائلة وحدها كافية؛ كان هناك المجتمع والزمن والسؤال الأكبر عن أوروبا نفسها. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، فوجد نفسه أمام عالم يتغير بسرعة أكبر مما يستطيع الفرد أن يستوعب، ولم تعد أوروبا التي عرفها في شبابه هي أوروبا نفسها، والحرب كسرت أشياء كثيرة وأجبرت المثقف على إعادة التفكير في العلاقة بين الثقافة والسياسة والتاريخ. وهنا أصبح الأدب عند مان أكثر تعقيدًا، فلم يعد يكتفي بتسجيل الحياة، بل بدأ يسأل عن الأفكار التي تحركها، وعن العقل الذي يقف وراءها، وعن الإنسان الذي يجد نفسه فجأة داخل تاريخ أكبر منه. ومن هذه المرحلة تقدمت كتابته نحو أعمال أكثر اتساعًا، حتى وصل إلى الجبل السحري، حيث لم يعد البيت وحده هو العالم، بل أصبح العالم نفسه بيتًا كبيرًا يعيش داخله الإنسان محاطًا بالأفكار والمرض والخوف والموت وانتظار المستقبل. تدور الرواية في مصح جبلي في سويسرا، حيث يذهب الشاب هانس كاستورب لزيارة ابن عمه فيجد نفسه مقيمًا فترة أطول مما توقع، وهناك تبدأ لعبة الزمن. في الأسفل عالم الحياة اليومية، وفي الأعلى عالم آخر يبدو منفصلًا عن التاريخ، لكن المفارقة أن هذا المكان المعزول كان يحمل داخله أوروبا كلها: مرضى من طبقات وأفكار وبلدان مختلفة، وأحاديث عن السياسة والدين والفلسفة، وجدالًا حول العقل والإيمان والتقدم والتقاليد والحرب والسلام، وكأن مان وضع أوروبا داخل مصح ثم ترك شخصياته تتحدث حتى تكشف بنفسها ما الذي كان يحدث في القارة. المكان المعزول لا يبعدنا عن العالم، بل يجعل العالم أكثر وضوحًا، وحين يبتعد الإنسان قليلًا عن الضجيج يستطيع أن يسمع الأفكار التي كانت تختبئ داخله. وهكذا يصبح الجبل مختبرًا للإنسان الأوروبي، لكن مان لا يقدم أفكاره في صورة محاضرات مباشرة، بل يمنح الشخصيات أصواتها ويجعلها تختلف وتجادل وتتناقض وتدافع عن أفكار قد تبدو للقارئ متعارضة تمامًا. وهذه من علامات نضجه، فالكاتب في بداياته قد يريد أن يثبت للقارئ أنه يعرف، أما الكاتب الناضج فيعرف أن مهمته أحيانًا أن يجعل القارئ يرى بنفسه. لذلك كان الحوار الفكري في «الجبل السحري» جزءًا من بناء الشخصيات، لا مجرد زينة ثقافية، فكل شخصية تحمل تصورًا للعالم، وكل تصور يكشف شيئًا من الإنسان الذي يحمله. ويظهر الزمن مرة أخرى، لكن الزمن في الجبل ليس هو الزمن نفسه في الحياة اليومية؛ الأيام تتشابه، والأسابيع تمر، والإنسان الذي جاء ليبقى أيامًا قد يجد نفسه قد بقي أشهرًا ثم سنوات. وهنا يصبح الزمن تجربة نفسية، فقد تمر سنة على الإنسان وكأنها أسبوع، وقد تمر لحظة واحدة وكأنها عمر كامل. فالإنسان لا يقيس حياته بعدد الساعات فقط، بل بما حدث داخله خلالها، ولهذا يمكن لسنوات أن تمر بلا أثر، ويمكن للحظة واحدة أن تغير حياة كاملة. ومن هنا يتسع الأدب عند مان؛ لم يعد يهتم فقط بما يحدث للشخصيات، بل بما يحدث داخل الزمن نفسه، وكيف يشعر الإنسان به وكيف يختصره ويطيله وكيف يصبح الانتظار جزءًا من الحياة. لكن خلف كل هذا التأمل كانت أوروبا تتحرك نحو كارثة كبرى، وكانت الرواية تلتقط شيئًا من المناخ الروحي والفكري الذي سبق الانفجار. كانت القارة تتجادل حول المستقبل بينما كان المستقبل يقترب بسرعة، ولم يحتج مان إلى أن يكتب رواية سياسية مباشرة لكي يلتقط روح عصره، كان يكفي أن يجعل شخصياته تتحدث، فالزمن يتسرب من كلامهم، والقلق يظهر في أفكارهم، والاختلافات التي تبدو فلسفية تكشف في العمق عن أزمة حضارية. ولهذا تجاوز الجبل السحري مكانه وزمنه؛ فالمرض في الرواية ليس مرض الجسد فقط، هناك مرض آخر، مرض الأفكار حين تتحول إلى تعصب، ومرض المجتمع حين يفقد قدرته على رؤية الإنسان خارج الشعارات، ومرض الحضارة حين يصبح العقل قادرًا على تفسير كل شيء لكنه عاجز عن منع الكارثة. وهكذا يصبح الجبل، رغم ارتفاعه، مكانًا للرؤية لا للهروب. ومن أعلى الجبل يمكن أن يرى الإنسان ما لم يكن يراه في الأسفل، وهذا ما فعله مان؛ صعد من تفاصيل العائلة إلى رؤية أوروبا، لكنه لم ينس الإنسان الذي بدأ منه، وظل يرى الفرد داخل التاريخ والجسد داخل المجتمع والرغبة داخل الأخلاق والمرض داخل الثقافة والزمن داخل الإنسان. وهذه القدرة على الانتقال من الخاص إلى العام هي التي جعلت مان كاتبًا عالميًا، فهو لم يكتب عن الإنسان العالمي بوصفه فكرة مجردة، بل كتب عن أشخاص محددين في أماكن محددة وأزمنة محددة، لكن العمق الإنساني جعل القارئ في مكان آخر يجد نفسه بينهم. وهذه هي العالمية الحقيقية للأدب أن تكتب من مكانك لكن تصل إلى الإنسان في مكان آخر، وأن تكون شديد الخصوصية فتبلغ شيئًا مشتركًا، وأن تكتب بلغتك فتصل إلى لغات أخرى. وكلما اقترب الكاتب من جذوره الحقيقية استطاع أحيانًا أن يصل أبعد. لكن الشهرة لا تحمي الكاتب من التاريخ، وحين جاءت الحرب العالمية الأولى وجد مان نفسه أمام أوروبا مختلفة ثم أمام ألمانيا تتغير من الداخل. كان ذلك زمنًا أصبحت فيه الأسئلة الثقافية والسياسية متداخلة بصورة لم يعد معها المثقف قادرًا على التعامل مع السياسة وكأنها شيء يقع خارج الأدب. وفي البداية لم يكن مان بعيدًا عن المزاج القومي والثقافي الذي ساد ألمانيا في سنوات الحرب، وهذه نقطة لا ينبغي إخفاؤها، فالكاتب الكبير ليس بالضرورة صاحب موقف كامل منذ البداية، وقد يتغير وقد يراجع نفسه وقد تكشف له الأحداث ما لم يكن قادرًا على رؤيته من قبل. وهذا ما يجعل الإنسان أكثر أهمية من الأسطورة التي نصنعها عنه بعد موته؛ فالأسطورة تريد الكاتب كاملًا، أما الحياة فلا تعطي أحدًا هذه الراحة. ومع مرور السنوات بدأ مان يعيد النظر في كثير من أفكاره السياسية والثقافية، وكانت الجمهورية الألمانية الجديدة ثم الصراعات التي شهدتها البلاد تضعه أمام عالم يتغير بسرعة. لكن التحول الحاسم جاء مع صعود النازية، إذ لم يعد الأمر خلافًا فكريًا داخل وطن مألوف، بل أصبح الوطن نفسه يدخل مرحلة يصبح فيها السؤال عن الثقافة والحرية والإنسان سؤالًا مصيريًا. كان واضحًا أن السلطة الجديدة لا تريد فقط السيطرة على الدولة، بل تريد إعادة تشكيل المجتمع واللغة والذاكرة والثقافة. وهنا تظهر خطورة السلطة حين تحاول أن تصبح صاحبة الحقيقة الوحيدة، فحين تريد السلطة أن تحدد ما يجب أن يقرأه الناس وما يجب أن يسمعوه وما الذي ينبغي أن يقال عن الوطن، فإنها لا تسيطر على الحاضر فقط، بل تحاول السيطرة على ذاكرة المستقبل. غادر مان ألمانيا، وبدأت سنوات المنفى، وهنا أخذت كلمة الوطن معنى جديدًا في حياته. قبل المنفى كان الوطن مكانًا، وبعد المنفى أصبح سؤالًا: هل الوطن هو الأرض، أم اللغة، أم الذاكرة، أم الناس، أم القيم التي يؤمن بها الإنسان حتى حين يبتعد عن الأرض التي نشأ عليها؟ هذه الأسئلة لا تأتي عادة في حياة الإنسان وهو مرتاح، بل تأتي عندما يُجبر على الابتعاد، حين يصبح البيت خلفه والطريق أمامه ولا يعرف إلى أي مكان ينتمي بالضبط. لكن مان اكتشف أن الإنسان يستطيع أن يخرج من الوطن دون أن يخرج الوطن منه؛ كان يحمل ألمانيا في لغته وذاكرته وكتبه والصور التي بقيت معه. لذلك لم يكن المنفى قطعًا كاملًا مع ألمانيا، بل كان إعادة تعريف لها. أصبح مان يميز بصورة أوضح بين ألمانيا التي يحبها وألمانيا التي كانت السلطة الجديدة تدعي أنها تمثلها. فالوطن ليس النظام، والدولة ليست كل ما في الأمة، والثقافة لا يمكن اختزالها في السلطة السياسية. قد تنحرف الدولة، لكن هذا لا يعني أن اللغة تنحرف معها، وقد تسقط حكومة، لكن ذلك لا يمحو الموسيقى والفلسفة والأدب والذاكرة. وهنا كان على مان أن يدافع عن ألمانيا أخرى، ألمانيا التي عرفها من الكتب، ألمانيا غوته وشيلر، ألمانيا الموسيقى والفلسفة، ألمانيا التي لا تستطيع أيديولوجية سياسية واحدة أن تختصرها. وهكذا أصبح الكاتب المنفي، paradoxically، أكثر التصاقًا بجوهر وطنه؛ فالابتعاد أحيانًا يكشف للإنسان ما لم يكن يراه وهو قريب. حين يكون الوطن حولك قد تظنه شيئًا طبيعيًا، وحين يبتعد تبدأ في اكتشاف مكوناته: أصواتًا ووجوهًا وذكريات وأسماء ولغة وطريقة في رؤية العالم. ولهذا كان المنفى بالنسبة إلى مان خسارة، لكنه كان أيضًا امتحانًا للهوية، والامتحان لا ينجح فيه الإنسان لأنه لم يتألم، بل لأنه استطاع أن يحول الألم إلى معرفة. وهنا نعود إلى الكتابة فالكاتب حين يخسر المكان يستطيع أن يكتب عنه، وحين يفقد القرب يستطيع أن يستعيده في اللغة، وحين يعجز عن العودة بالجسد يستطيع أحيانًا أن يعود بالنص. ولهذا لم تصبح الكتابة عند مان مجرد استمرار لمهنته الأدبية، بل أصبحت وسيلته في مقاومة النفي. المنفى يقول للإنسان لقد فقدت مكانك، والكتابة تجيبه لكنني ما زلت أملك لغتي. فاللغة كانت ذاكرته، لغة الطفولة والبيت والكتب الأولى والمدن والأحلام والخوف والحب والعمل، وحين يكتب بها من بلد بعيد يصبح فعل الكتابة نفسه نوعًا من العودة. ويمكن للإنسان أن يغير عنوانه، وقد يضطر إلى تغيير جنسيته، وقد يعيش في مدينة لا يعرفها، لكن اللغة التي تشكل بها وعيه لا تتغير بسهولة. حتى حين يتعلم لغات أخرى تبقى اللغة الأولى طبقة عميقة في تفكيره، ولهذا كان مان في المنفى ألمانيًا أكثر وعيًا بألمانيته من أي وقت مضى، لا الألماني القومي الذي يرفع وطنه فوق الآخرين، بل الألماني الذي يسأل نفسه: ما الذي يعنيه أن أنتمي إلى هذه الثقافة؟ وهنا تظهر أهمية التمييز بين الانتماء والتعصب؛ الانتماء يمكن أن يكون حبًا، أما التعصب فيحتاج إلى عدو. مان كان يبحث عن الأول ويرفض الثاني. ومن هنا جاءت مواقفه ضد النازية، فقد عرف أن الدفاع عن ألمانيا لا يعني الدفاع عن السلطة التي تدعي تمثيلها، بل ربما يعني في بعض اللحظات الوقوف ضدها حفاظًا على صورة أخرى لألمانيا. وهذه نقطة مهمة في معنى الوطنية، فالوطنية ليست أن تصفق للسلطة حين تخطئ، وليست أن تعتبر نقد الوطن خيانة، بل قد تكون أن تقول الحقيقة حين تصبح الحقيقة مؤلمة، وأن تحافظ على القيم التي تجعل الوطن جديرًا بالحب. وهنا يتحول الكاتب إلى شاهد، والشاهد لا يملك دائمًا القدرة على تغيير الحدث، لكنه يستطيع أن يمنع الحدث من أن يمر بلا ذاكرة. ولهذا كان صوت مان في سنوات الحرب مهمًا، إذ كان يتحدث إلى الألمان من خارج ألمانيا، وكانت كلماته تعبر المحيط لتصل إلى بلد يعيش تحت نظام مغلق. في هذه اللحظة أصبح الكاتب جسرًا بين وطنه القديم ومكانه الجديد، وبين الماضي والحاضر، وبين الثقافة والواقع. فالناس في أوقات الخوف يحتاجون إلى أكثر من الأخبار، يحتاجون إلى من يقول لهم إنهم ما زالوا بشرًا، وإنهم ليسوا مجرد أرقام في دولة ولا أدوات في حرب ولا أفرادًا داخل خطاب سياسي، بل أصحاب حياة وذاكرة وأحلام. وهذا هو المجال الذي يستطيع الأدب أن يعمل فيه حتى حين يعجز عن إيقاف المدافع؛ يمكن للأدب أن يعيد للإنسان اسمه، وأن يذكره بأنه أكثر من الدور الذي فرضته عليه الظروف. ولذلك كانت الكتابة بالنسبة إلى مان مقاومة من نوع آخر، مقاومة لا تعتمد على القوة المادية بل على القدرة على الحفاظ على المعنى. والإنسان الذي يحافظ على المعنى وسط الانهيار لا يكون قد انتصر على التاريخ كله، لكنه يكون قد أنقذ جزءًا من نفسه منه. وبعد الحرب لم يعد ممكنًا أن يكتب توماس مان كما كان يكتب قبلها؛ لم تكن أوروبا هي نفسها، ولا ألمانيا، ولا صورة الإنسان عن نفسه. المدن التي كانت تتحدث عن الثقافة والحضارة أصبحت تحمل آثار الخراب، والإنسان الذي كان يعتقد أن التقدم كفيل بجعل العالم أكثر عقلانية اكتشف أن المعرفة والقوة يمكن أن تسيرا في اتجاهين مختلفين. قد يتقدم الإنسان في العلم ثم يتراجع في الأخلاق، وقد يصبح أكثر قدرة على السيطرة على الأشياء وأقل قدرة على السيطرة على نفسه. وهنا جاءت دكتور فاوستوس (Doktor Faustus)، إحدى أكثر روايات مان كثافة وتعقيدًا، وفيها عاد إلى أسطورة فاوست القديمة لكنه لم يستخدمها لكي يعيد الحكاية كما عرفها الناس، بل أراد أن يسأل سؤالًا جديدًا ماذا يحدث حين تصبح الرغبة في العبقرية أقوى من المسؤولية؟ فاوست في المخيال الأوروبي هو الإنسان الذي يريد أن يتجاوز حدوده، يريد المعرفة والقوة والوصول إلى ما لا يصل إليه الآخرون، وهذا الطموح في ذاته ليس شرًا، فالإنسان لم يتقدم إلا لأنه أراد أن يعرف أكثر، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الوصول إلى الهدف أهم من الثمن الذي يُدفع للوصول إليه، وعندها يمكن للعبقرية أن تتحول إلى خطر. وهذا ما يجعل فاوست عند مان أكثر من شخصية أدبية؛ إنه صورة للإنسان الحديث حين يريد أن يحصل على كل شيء. وكان مان يضع هذا السؤال في ظل كارثة يعرفها التاريخ جيدًا؛ ألمانيا لم تكن بلادًا بلا ثقافة، كانت بلد الموسيقى والفلسفة والجامعات والكتب، ومع ذلك حدثت الكارثة. وهنا يصبح السؤال أكثر إيلامًا: كيف يمكن للثقافة أن تتعايش مع الانحطاط الأخلاقي؟ وهل تكفي المعرفة وحدها لحماية الإنسان؟ لا يقدم مان إجابة بسيطة، لأنه يعرف أن الشر لا يأتي دائمًا من الجهل، بل قد يأتي من المعرفة حين تُفصل عن الضمير، ومن القوة حين تُفصل عن المسؤولية، ومن التنظيم حين يصبح الإنسان مجرد جزء في آلة. ولهذا تبدو الرواية كأنها محاكمة طويلة للروح الأوروبية، لكنها ليست محاكمة لألمانيا وحدها، بل تحذير أوسع؛ فالإنسان في كل مكان يستطيع أن يقع في الخطأ نفسه إذا اعتقد أن القوة تمنحه الحق. وتصبح الموسيقى في الرواية أكثر من فن، إنها رمز للعبقرية والتنظيم والبحث عن الشكل الكامل، لكن الفن نفسه يمكن أن يتحول إلى شيء بارد إذا انفصل عن الإنسان. وهذه الفكرة قريبة من جوهر مشروع مان كله؛ فالكاتب لا يريد جمالًا بلا ضمير، ولا ثقافة بلا مسؤولية، ولا عقلًا يستطيع أن يشرح كل شيء لكنه لا يعرف كيف يحمي الإنسان. ولهذا فإن «دكتور فاوستوس» ليست رواية عن الشيطان بالمعنى البسيط، بل عن الصفقة التي قد يعقدها الإنسان مع نفسه حين يقنعها بأن الغاية أهم من الإنسان. وقد تكون أخطر الصفقات هي التي لا نشعر أننا عقدناها؛ نبدأ بالتنازل عن شيء صغير، ثم آخر، ثم نعتاد، ثم يصبح ما كان مستحيلًا مقبولًا، ثم نجد أنفسنا في مكان لم نكن نتصور أننا سنصل إليه. وهذه هي المأساة الحقيقية، أن الكارثة لا تبدأ دائمًا بانفجار كبير، بل قد تبدأ بصمت، بقبول، بخوف، بتبرير، بجملة نقولها لأنفسنا كي نستطيع أن ننام. ولهذا فإن الأدب حين ينجح لا يمنحنا الماضي فقط، بل يمنحنا قدرة على التعرف إلى الخطر قبل أن يصبح كارثة، وتصبح الرواية ذاكرة وضميرًا تقول لنا إن هذا حدث من قبل وقد يحدث مرة أخرى. ومع ذلك لا ينتهي مان إلى التشاؤم، فحتى في أكثر أعماله قتامة يبقى هناك شيء من الإيمان بالإنسان، ليس الإيمان الساذج بأن الإنسان خير دائمًا، بل الإيمان بأنه يستطيع أن يفهم، وأن الفهم يمكن أن يفتح بابًا للتغيير، وأن اللغة تستطيع أن تجعل التجربة قابلة للرؤية، وأن الفن يستطيع أن يمنح الألم شكلًا بدل أن يتركه فوضى بلا معنى. وهنا نعود مرة أخرى إلى الكتابة؛ فالكاتب لا يستطيع أن يمنع كل الكوارث، لكنه يستطيع أن يمنح الإنسان مرآة يرى فيها نفسه، وهذه المرآة قد تكون مؤلمة لكنها ضرورية، لأن الإنسان الذي لا يريد أن يرى نفسه سيظل يكرر نفسه، أما الذي يجرؤ على النظر فقد يبدأ في التغير. وبعد كل ما مر به توماس مان يصبح من الصعب أن نراه مجرد اسم كبير في تاريخ الأدب الألماني، فالاسم الكبير قد يخفي أحيانًا حياة كاملة. وراء الكتب كان هناك رجل عاش وأحب واختلف وأخطأ وغيّر مواقفه وفقد وطنه وحمل عائلته معه وعاش سنوات من القلق ثم واصل العمل. وهذا ما يجعل مان قريبًا من القارئ فالكاتب العظيم لا يصبح عظيمًا لأنه يعيش فوق الحياة، بل لأنه يعيش فيها بكل ما فيها من ضعف وقوة وخوف وشجاعة وخسارة وإنجاز. ولذلك فإن نضج مان لم يكن نضج الأفكار وحدها، بل كان نضج الإنسان. والإنسان الناضج ليس من لم يخطئ، بل من يستطيع أن ينظر إلى ما كان عليه ثم يسأل نفسه: هل ما زلت أؤمن بما كنت أؤمن به؟ هذه القدرة على مراجعة الذات من أندر أشكال الشجاعة، فالإنسان قد يدافع عن رأيه سنوات طويلة لا لأنه ما زال مقتنعًا به، بل لأنه يخشى الاعتراف بأنه تغير، أما الكاتب الحقيقي فعليه أن يقبل أن يكون في حالة تغير دائم، لأن الكتابة نفسها لا تسمح له أن يبقى الشخص نفسه. كل كتاب يترك شيئًا منه خلفه ويأخذ منه شيئًا أيضًا، وكل تجربة تعيد ترتيب داخله. وهكذا كان مان يتقدم في العمر دون أن يكرر نفسه تمامًا، يحمل الماضي لكنه يعيد النظر إليه. والذاكرة ليست مخزنًا للماضي فقط، بل طريقة الإنسان في إعادة فهم نفسه قد يتذكر حادثة بعد عشرين عامًا فيفهمها بطريقة مختلفة، وقد يكتشف أن الشيء الذي ظنه خسارة كان بداية، وأن المكان الذي ظنه منتهيًا بقي حيًا في داخله، وأن الشخص الذي ظنه بعيدًا أصبح جزءًا من شخصيته. ولهذا فإن الكاتب يعيش أكثر من حياة واحدة: يعيش حياته عندما تحدث، ثم يعيشها مرة أخرى حين يكتبها، ثم تعيش مرة ثالثة حين يقرأها الآخرون. وهنا يصبح الأدب قادرًا على إعادة الماضي إلى الحاضر، ليس لكي نعيش فيه، بل لكي نفهمه. ومان وعائلته لا ينبغي أن يظهروا لنا بوصفهم أسماء في شجرة عائلية؛ كانوا حياة، أبًا وأمًا وأبناء وبيتًا ومدينة وأصدقاء وأحلامًا ومخاوف، وكل هذه الأشياء حين تمر عبر الكاتب يمكن أن تتحول إلى أدب. فالأدب لا يولد من الكتب وحدها، بل من الحياة، من البيت والشارع والخسارة والحب والعمل ومن تلك التفاصيل التي لا نعيرها اهتمامًا في لحظتها ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت تبني الإنسان فينا. ولهذا فإن مان في شيخوخته كان أكثر قربًا من بداياته؛ فكلما ابتعد الإنسان عن طفولته زمنيًا قد يقترب منها روحيًا، فيعود إلى الأشياء الأولى، إلى المكان الأول، إلى اللغة الأولى، إلى البيت الأول، إلى الحبيب الأول. والكتابة هي الحبيب الأول الذي ظل يعود إليه؛ قد تتغير المدن، وقد تتبدل الظروف، وقد يكبر الجسد، لكن العلاقة الأولى تبقى. لذلك يمكن القول إن مان لم يكن يكتب فقط لكي ينتج الأدب، بل كان يكتب لكي يبقى على صلة بالجزء الأعمق من نفسه. والعمل هنا يصبح شكلًا من أشكال النجاة، ليس النجاة من الموت، فالموت لا ينجو منه أحد، بل النجاة من أن تمر الحياة دون أن نترك فيها أثرًا. وهذا هو المعنى الأعمق للإنجاز ليس أن يصفق الناس لك، ولا أن تحصل على جائزة، ولا أن يصبح اسمك معروفًا، بل أن تعرف في لحظة هادئة أنك استطعت أن تفعل شيئًا لم تكن تظن أنك قادر على فعله. وكلما كان الطريق إلى الإنجاز أكثر قسوة كان الفرح به أعمق، لأن الإنسان لا يحتفل بالنتيجة فقط، بل يحتفل بأنه لم يستسلم. وهنا تلتقي الكتابة بالسمو فالسمو ليس أن يصبح الإنسان فوق الآخرين، بل أن يصبح أعمق من نفسه القديمة، وأن ينتصر على الروتين والضعف والخوف وعلى تلك اللحظة التي يقول فيها لنفسه: لا أستطيع، ثم يحاول ويعمل وينجز ويكتشف أن الفرح الحقيقي كان في الطريق نفسه. وربما كان هذا هو الفردوس الذي يبحث عنه الكاتب دون أن يسميه دائمًا، لا مكانًا كاملًا ولا حياة بلا ألم، بل لحظة يشعر فيها أن ما في داخله استطاع أن يجد شكله: فكرة أصبحت نصًا، وألم أصبح معرفة، وذاكرة أصبحت أدبًا، ومحنة أصبحت رغم قسوتها جزءًا من عمل بقي بعده. وهذا ما يجعل الكاتب الكبير لا ينتهي بانتهاء حياته؛ فالحياة الجسدية لها زمن، أما الكلمة فلها زمن آخر. قد يمر جيل ثم يأتي قارئ لا يعرف مان شخصيًا، ولا يعرف البيت الذي ولد فيه ولا الشوارع التي مشى فيها ولا تفاصيل حياته اليومية، يفتح كتابًا ويقرأ ثم يتوقف عند جملة ويشعر أن رجلًا عاش قبل عقود طويلة يتحدث إليه. في تلك اللحظة تبدأ حياة أخرى للكاتب، حياة لا تحتاج إلى جسده ولا إلى بيته ولا إلى وطنه، يكفيها الكتاب. وهنا لا يبقى من الكاتب ما قاله الناس عنه فقط، بل تبقى طريقته في النظر، والأسئلة التي تركها مفتوحة، والشخصيات التي عاشت بعده، وتلك الجملة التي يقرأها شخص بعد سنوات طويلة فيشعر أنها كُتبت له هو. وهذا ما يجعل توماس مان أكثر من روائي ألماني كبير؛ كان شاهدًا على زمن لم يكن سهلًا على أحد، رأى أوروبا وهي تنتقل من الثقة بالمستقبل إلى الخوف منه، ورأى الثقافة وهي تواجه السياسة، ورأى الوطن وهو يتحول من مكان إلى سؤال، وعاش المنفى واكتشف أن الإنسان قد يفقد الأرض ولا يفقد اللغة. ثم عاد إلى الكتابة، وكأن الكتابة كانت المكان الذي لا يستطيع التاريخ أن ينفيه منه. لم يكن مان معصومًا من التردد أو الخطأ، وهذا بالذات ما يجعل تجربته أكثر قيمة؛ فالكاتب الذي لا يتغير لا يعيش بما يكفي، أما الذي يراجع نفسه ويعيد النظر ويتعلم من الزمن فإنه لا يكتب فقط عن العالم، بل يسمح للعالم بأن يعيد تشكيله. ومن هنا كانت حياته الأدبية رحلة في اتجاهين: كان يراقب العالم، وكان العالم يغيره، وبين الاثنين ولدت أعماله. لذلك لا نحتاج ونحن نغادر مان إلى أن نحوله إلى تمثال، فالتماثيل لا تتغير، أما الإنسان فيتغير، والكاتب العظيم يظل حيًا في نصوصه لأنه كان إنسانًا قبل أن يكون اسمًا. وربما لهذا نعود إلى بدايته، إلى لوبيك، إلى البيت، إلى الأسرة، إلى الطفل الذي لم يكن يعرف أن التفاصيل التي يعيشها ستصبح يومًا مادة للذاكرة والأدب، ثم نعود إلى الرجل الذي حمل تلك التفاصيل معه طوال حياته، حمل المدينة واللغة والعائلة وأوروبا والمنفى، ثم وضع كل ذلك على الصفحة. وهنا يصبح الأدب شكلًا من أشكال الوفاء؛ وفاءً للمكان الذي صنعنا، وللناس الذين مروا في حياتنا، وللأزمنة التي غابت، وللألم الذي لم نستطع تغييره لكننا استطعنا أن نفهمه. ولهذا فإن الكتابة ليست دائمًا هروبًا من الحياة، بل قد تكون أعمق طريقة للعودة إليها؛ فالكاتب يعود إلى الماضي لكي يراه بعين الحاضر، ويعود إلى نفسه لكي يكتشف ما الذي بقي منها، ويعود إلى اللغة لكي يجد المكان الذي يستطيع أن يقول فيه ما لم يستطع قوله في الحياة اليومية. وهنا يصبح السمو أكثر وضوحًا: ليس سموًا فوق البشر، بل سمو الإنسان على ضعفه؛ أن يرى القسوة ولا يصبح قاسيًا، وأن يعرف الخسارة ولا يفقد القدرة على الحب، وأن يمر بالمحنة ولا يسمح لها أن تكون أقوى منه، وأن يحول الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى عمل، والعمل إلى أثر، والأثر إلى جمال. وهذه ربما هي السعادة الأعمق التي يمكن أن تمنحها الكتابة، ليست سعادة سهلة، بل سعادة جاءت بعد الطريق، بعد التعب والخوف والمحاولة، ولذلك تكون أكثر صدقًا. فالإنسان لا يفرح بالإنجاز وحده، بل يفرح لأنه يعرف كم كان من الممكن ألا يصل إليه، وكلما كان الطريق أكثر قسوة كان الفرح أعمق. وهنا يصبح الإنجاز جوابًا داخليًا عن سؤال بسيط وقاسٍ: هل كنت قادرًا؟ والكتابة حين تبلغ أجمل صورها تجيب: نعم. لقد استطعت أن ترى، وأن تفكر، وأن تعمل، وأن تصنع، وأن تترك شيئًا. ولذلك يمكن أن تكون الكتابة مقاومة للضعف قبل أن تكون مقاومة للواقع؛ إنها تقول للروتين: لن أكتفي بما هو جاهز، وللخوف: سأحاول، وللمحنة: لن تكوني الكلمة الأخيرة، وللنسيان سأترك أثرًا. وهكذا يعود مان إلى المكان الذي بدأنا منه: إلى الكتابة، إلى الحبيب الأول، ذلك الحبيب الذي لم يحتج إلى وطن ثابت لكي يبقى. فاللغة كانت معه، والصفحة كانت معه، والعمل كان معه، وكلما تغيرت الظروف استطاع أن يعود إلى ذلك المكان الداخلي الذي لا تستطيع الحدود السياسية أن تصل إليه. وطنٌ من لغة، وحياةٌ من كتابة. وربما تكفي هذه الجملة لتلخص رحلة كاملة؛ فالإنسان قد يفقد مكانًا، وقد يفقد زمنًا، وقد يفقد أصدقاء، وقد يرى عالمًا كاملًا يتغير أمام عينيه، لكنه إذا استطاع أن يحافظ على لغته وعلى قدرته على العمل وعلى شيء من إيمانه بالجمال، فإنه لا يخرج من الحياة خالي اليدين. يبقى شيء: كلمة، كتاب، ذكرى، أثر. وربما يأتي قارئ بعد سنوات طويلة، يفتح الصفحة، ويجد نفسه فجأة أمام إنسان لم يعرفه قط لكنه يفهمه. عندها لا يعود مان رجلًا من الماضي، بل يصبح حاضرًا. وهنا ينتصر الأدب، لا على الموت، فالموت أقوى من الجميع، بل على النسيان. وهذا هو الانتصار الذي يليق بالكاتب أن يرحل الإنسان وتبقى كلمته، أن يغيب الجسد ويبقى صوته، وأن يتغير العالم وتظل الصفحة قادرة على أن تفتح بابًا إلى إنسان آخر. وهكذا نترك توماس مان، لا بوصفه اسمًا في تاريخ الأدب الألماني، ولا بوصفه صاحب نوبل فقط، ولا بوصفه كاتبًا عاش المنفى والحرب، بل بوصفه إنسانًا حمل وطنه في اللغة، وحمل حياته إلى الكتابة، ثم ترك لنا شيئًا من ذلك كله؛ شيئًا لا يحتاج إلى وطن كي يعيش، ولا إلى زمن كي يكتمل، يكفيه قارئ وصفحة وضوء هادئ، ثم يبدأ من جديد.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان
- هنري برغسون الوعي الداخلي والتطور الخلاق
- الحياة
- غراتسيا ديليدا Grazia Deledda بعد مئة عام من نوبل، حين يتحول ...
- الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
- جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
- حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
- فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
- العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
- المحراث القديم
- أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية
- بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي
- العراق وطنٌ سيد... لا للتدخلات السعودية–الأمريكية في شؤونه.
- حاتم عباس بصيلة سكينة اللون بين خضرة الأرض وحضور الروح
- عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائنا ...
- روبرت ويلسون نحو مسرحٍ يرى الزمن ويكشف الإنسان
- تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان
- عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني ...
- يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
- يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال ...


المزيد.....




- مختبر الأفكار.. كيف تصنع الكتابة التفكير وتكشف حقائق ذواتنا؟ ...
- ديمة قندلفت تخوض -كواليس-.. حكاية غامضة بين الصحافة وعالم ال ...
- طرابيش ومكابس ورق.. فنان فلسطيني يوظّف أدوات يومية في صورغير ...
- حكايات شعوب روسيا تتحول إلى مسلسل رسوم متحركة جديد
- -موسكونسيرت- تختتم احتفالاتها بالذكرى الـ95 بحفل في قصر الكر ...
- من الخرافة إلى رمز الأولمبياد.. كيف أصبح الدب وجها لروسيا؟
- -وقال (ت) نسوة في المدينة- تقتنص جائزة يحيى الطاهر عبد الله ...
- -النورس- يحلّق من جديد.. تشيخوف برؤية مسرحية مختلفة في بطرسب ...
- لإضافة اسم ترمب.. مجلس إدارة مركز كينيدي يلتف على القضاء ويع ...
- غدا السبت .. افتتاح مهرجان القلعة الدولى للموسيقى


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب