أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان















المزيد.....


سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 15:10
المحور: الادب والفن
    


سيغريد أوندست حين يصبح التاريخ ذاكرةً حيّة للإنسان والمكان والضمير.

تحتل سيغريد أوندست Sigrid Undset مكانة خاصة في الأدب الأوروبي في القرن العشرين؛ فهي ليست مجرد روائية نرويجية حازت جائزة نوبل، ولا مجرد كاتبة للرواية التاريخية، ولا مجرد أديبة كاثوليكية أو صوت وطني ظهر في زمن الحرب، بل هي شخصية أدبية وفكرية تشكلت عند تقاطع التاريخ والمدينة والمرأة والأسرة والعمل والدين والأخلاق والوطن والمنفى. بدأت من مكان شديد الخصوصية، ثم اتسعت رؤيتها حتى أصبحت قادرة على مخاطبة الإنسان خارج المكان والزمن، ولهذا فإن كونيّتها لم تأت من التخلي عن جذورها، بل من قدرتها على تحويل هذه الجذور إلى تجربة إنسانية عامة. وُلدت سيغريد أوندست في 20 مايو 1882 في كالوندبورغ Kalundborg بالدنمارك، وكانت الابنة الكبرى لثلاث شقيقات. كان والدها عالم الآثار النرويجي إنغفالد مارتن أوندست (Ingvald Martin Undset، وكانت أمها الدنماركية شارلوت غيث Charlotte Gyth)، وانتقلت الأسرة إلى كريستيانا Kristiania، أوسلو الحالية، وهي في الثانية من عمرها. كان والدها متخصصًا في عصور ما قبل التاريخ والعصر الحديدي في شمال أوروبا، وكان شديد الاتصال بالآثار والمتاحف والمصادر التاريخية، كثير السفر في أوروبا، ومن هنا دخل التاريخ بيت أوندست قبل أن يدخل رواياتها. لم يكن الماضي بالنسبة إليها مادة أدبية اكتشفتها في منتصف حياتها، بل كان جزءًا من بيئتها الأولى، وكانت الآثار والمجموعات المتحفية والأحاديث العائلية حول التاريخ جزءًا من تكوينها المبكر، وقد عادت لاحقًا إلى طفولتها وبيتها الأول في كتابها السيري Elleve aar أحد عشر عامًا. كانت نشأتها مدينية لا ريفية، وهذا مهم جدًا لفهمها؛ فقد عاشت في كريستيانا في زمن كانت فيه المدينة تتوسع وتتغير، ورأت الفقر والتفاوت الاجتماعي وحياة الطبقة الوسطى الصغيرة والنساء العاملات والبيوت التي تكافح من أجل الاستقرار، وهنا التقى في تكوينها عالمان سيظلان يرافقانها الأب أعطاها الماضي، والمدينة أعطتها الحاضر، التاريخ من جهة والمجتمع من جهة أخرى، الآثار من ناحية والحياة اليومية من ناحية ثانية، ومن هذا اللقاء خرج لاحقًا أدب يستطيع أن يذهب إلى القرن الرابع عشر لكنه يحمل معه عين المرأة التي عرفت المدينة الحديثة وعالم العمل. تلقت أوندست تعليمها في مدرسة راغنا نيلسن Ragna Nielsen، وهي مدرسة ذات توجهات إصلاحية وتقدمية، لكنها لم تتحول إلى تلميذة تردد الأفكار السائدة فيها، فقد كان لديها ميل مبكر إلى مقاومة الأفكار الجاهزة والحفاظ على استقلالها الداخلي. ثم توفي والدها سنة 1893 وهي في الحادية عشرة، فتغير الوضع الاقتصادي للأسرة، وانتقلت في سن مبكرة إلى التعليم التجاري، وفي السابعة عشرة بدأت العمل في مكتب هندسي وبقيت نحو عشر سنوات في الوظيفة. وكان العمل بالنسبة إليها أكثر من مصدر دخل؛ كان مدرسة اجتماعية، عاشت فيه عالم الموظفين والنساء العاملات والطبقة الوسطى الصغيرة والعمل والمال والروتين والمسؤولية اليومية، وكانت تعمل نهارًا وتكتب ليلًا، وقبل أن تترك الوظيفة كانت قد بدأت بالفعل نشر أعمالها. ولم يكن الأدب التاريخي غائبًا عنها في البداية، فقد كتبت مشروعًا تاريخيًا مبكرًا، لكن الناشر بيتر نانسن (Peter Nansen) رفض المخطوط ونصحها بأن تجرب الكتابة عن الحياة الحديثة، فكان عليها أن تمر بالحاضر أولًا، مع أن التاريخ ظل موجودًا في داخلها، وهذه مفارقة مهمة: لم تترك أوندست التاريخ عندما كتبت عن الحاضر، ولم تهرب من الحاضر عندما عادت إلى التاريخ، بل كانت تنقل سؤال الإنسان من زمن إلى آخر. صدرت روايتها الأولى Fru Marta Oulie سنة 1907، ثم Den lykkelige alder سنة 1908، وبعد ذلك عادت مبكرًا إلى العالم الإسكندينافي القديم في Fortællingen om Viga-Ljot og Vigdis سنة 1909، قبل أن تأتي Jenny سنة 1911 وتمنحها مكانة كبيرة في الأدب النرويجي الحديث. في Jenny تظهر امرأة فنانة شابة مستقلة وموهوبة تعيش في روما وتريد الحب والأسرة إلى جانب حريتها، ولا تقدمها أوندست بوصفها بطلة تحررية بسيطة ولا بوصفها امرأة مذنبة ينبغي إدانتها، بل تضعها داخل شبكة من الرغبة والاختيار والندم والبحث عن المعنى. كانت الرواية جريئة في تناول الحياة الجنسية للمرأة، لكنها كانت أعمق من الجرأة الموضوعية؛ فقد كانت تسأل ماذا يفعل الإنسان بما يرغب فيه، وهل يستطيع أن يريد الحرية دون أن يتحمل ثمنها، وهل يكفي الحب لكي يمنح الحياة تماسكًا، ومن هنا يمكن أن نفهم شيئًا أساسيًا في مسيرة أوندست: اهتمامها بالمرأة لم يكن منفصلًا عن اهتمامها بالأخلاق، كانت المرأة عندها إنسانًا كاملًا لها رغباتها وطموحاتها وأخطاؤها، لكن حريتها لا تعفيها من نتائج اختياراتها، وهذا ما جعلها تختلف عن الكتابة التي تجعل المرأة مجرد ضحية أو مجرد رمز للتحرر. لقد كانت أوندست تكتشف منذ البداية أن الإنسان يعيش داخل إطار اجتماعي لا يمكن تجاهله الأسرة والزواج والعمل والمال والسمعة والجسد والضمير كلها تتحرك معه، ومن هنا جاءت حاجتها اللاحقة إلى التاريخ بوصفه مجالًا أوسع لاختبار السلوك الإنساني. لم تتجه أوندست إلى العصور الوسطى لأنها أرادت الهروب من الحاضر، ولم تستخدمها لمجرد استعادة الرومانسية والفروسية، ولم تكن الرواية التاريخية عندها غاية لذاتها، بل كانت تستعيد مجتمعًا كاملًا الأسرة والأرض والعمل والكنيسة والقانون والدين والملكية والزواج والشرف والرغبة والخطيئة والتوبة والموت. لكن ينبغي تحديد أي شمال نتحدث عنه فعصر الفايكنغ ليس كل العصور الوسطى في الشمال، والفايكنغ ليسوا اسمًا لكل سكان المنطقة. كانت النواة الأساسية لعالم الفايكنغ في الدنمارك والنرويج والسويد، بينما امتدت حركة الفايكنغ بالتجارة والغزو والاستيطان والاستكشاف إلى بريطانيا وأيرلندا وآيسلندا وغرينلاند وشمال الأطلسي، وإلى شرق أوروبا والبلطيق وطرق الأنهار الروسية وصولًا إلى بيزنطة، أما Kristin Lavransdatter فتجري بعد ذلك بزمن طويل في النرويج المسيحية في القرن الرابع عشر، أي بعد انتهاء عصر الفايكنغ بعدة قرون، ولهذا فإن عالم كريستين ليس عالم الفايكنغ بل عالم نرويجي وسيط لاحق تشكلت فيه الملكية والقانون والأسرة والكنيسة والمجتمع المسيحي بصورة أكثر رسوخًا. وهذا التمييز مهم لأن أوندست لم تكن تكتب عن الشمال بوصفه كتلة واحدة، بل عن طبقات تاريخية متعاقبة من النرويج والإسكندنافيا القديمة إلى النرويج المسيحية في العصور الوسطى، وكان التاريخ عندها سلسلة استمرارية لا مجموعة أزمنة منفصلة. الحاضر أعطاها الأسئلة، والتاريخ أعطاها المسافة اللازمة لرؤية الأسئلة. صدرت ثلاثية Kristin Lavransdatter بين 1920 و1922 بأجزائها Kransen وHusfrue وKorset، ثم جاءت ثنائية Olav Audunssøn عامي 1925 و1927، وكان هذان المشروعان قمة تجربتها الأدبية التاريخية وربطا اسمها عالميًا بالعصور الوسطى النرويجية. في كريستين لا تصبح العصور الوسطى متحفًا، إنها حياة كاملة امرأة تحب وتتزوج وتلد وتخطئ وتندم وتؤمن وتشك وتتحمل وتواجه الموت، والأسرة والكنيسة والعمل والطبيعة والطبقة والملكية والحرب ليست ديكورًا بل ظروف تشكل الإنسان. وهنا تكمن قوة أوندست لم تجعل الماضي حديثًا، ولم تجعل الإنسان الوسيط غريبًا إلى درجة العجز عن فهمه، بل أبقت خصوصية الزمن وكشفت ما هو مشترك بين البشر. كريستين نرويجية من القرن الرابع عشر، لكنها أيضًا امرأة يمكن للقارئ الحديث أن يرى نفسه فيها لأنها تحمل أسئلة لا تنتمي إلى قرن بعينه الحب والرغبة والأسرة والحرية والمسؤولية والذنب والإيمان والموت. وقد أثنى خطاب نوبل على معرفتها العميقة بالحياة الشمالية في العصور الوسطى وعلى قدرتها على الجمع بين التاريخ والخيال والتحليل النفسي، وكان الدافع الرسمي للجائزة سنة 1928 في المقام الأول لوصفها القوي للحياة في الشمال خلال العصور الوسطى. أما Olav Audunssøn فيأخذ السؤال الأخلاقي إلى الداخل، فالذنب عند أوندست لا ينتهي بانتهاء الفعل، يمكن أن يبقى في الشخصية ويعيد ترتيب حياتها، وهكذا يصبح التاريخ مكانًا لاختبار فكرة شديدة الحداثة الإنسان يحمل أفعاله في داخله حتى بعد أن يبتعد الحدث. تحولت أوندست إلى الكاثوليكية سنة 1924، أي بعد أن أصبحت أديبة معروفة وبعد أن كتبت أهم أعمالها التاريخية الأولى، ثم أصبحت دومينيكانية علمانية. والأقرب إلى تجربتها أن نقول إن هناك حاجة روحية وفكرية كانت تتبلور داخلها، ثم وجدت في الكاثوليكية إطارًا دينيًا متكاملًا استطاعت أن تتعرف فيه إلى أسئلتها عن الإنسان والخطيئة والحرية والمسؤولية والنعمة والموت والأسرة والخير. كانت الأسئلة موجودة قبل التحول، وجاء الإيمان ليمنحها إطارًا جديدًا لبعضها، ومن هنا تبدو أوندست أديبة قبل أن تكون شخصية دينية لم تدخل الأدب لخدمة الكاثوليكية، بل دخل الدين لاحقًا إلى عالم أديبة كانت تبحث أصلًا في الإنسان. وهذا يفسر أيضًا لماذا سبقت Kristin Lavransdatter تحولها الرسمي لم تبدأ الكاثوليكية عندها الأدب، وإنما وجدت لاحقًا في الدين لغة أكثر عمقًا لبعض الأسئلة التي كان الأدب قد فتحها. وتظهر آثار التحول الديني بوضوح في أعمال مثل Gymnadenia سنة 1929 وDen brennende busk سنة 1930. وهكذا يصبح الدين عندها ليس مجرد هوية، بل مسارًا روحيًا وأخلاقيًا يختبر الإنسان في علاقته بالحرية والضمير والآخر والأسرة والموت والخير. ويمكن أن نقرأ جانبًا من مشروع أوندست كله من خلال علاقة الجمال بالأخلاق فالجمال ليس زينة خارجية، والأخلاق ليست قانونًا جافًا، ويمكن للجمال أن يوقظ الحس الأخلاقي ويمكن للأخلاق أن تمنح الجمال بيتًا يعيش فيه، فالجمال طفل والأخلاق بيته، لكن البيت يحتاج أيضًا إلى مسؤولية وقانون وعرف ومؤسسات اجتماعية قادرة على حماية الإنسان، مع ضرورة أن تبقى الأخلاق قادرة على اختبار القانون والعرف نفسيهما هل هذا البيت صالح لحياة الإنسان؟ وهذا السؤال حاضر في أعمال أوندست فالأسرة والكنيسة والقانون والمجتمع كلها أطر تحاول تنظيم الحياة لكنها لا تلغي الصراع الإنساني من داخلها. ويصعب وضع أوندست في خانة نسوية أو معادية للنسوية بصورة كاملة لقد جعلت المرأة موضوعًا مركزيًا في أدبها وناقشت العمل والزواج والأمومة والاستقلال والحب والجنس والحركة النسائية، لكنها لم تر أن خلاص المرأة يمكن اختزاله في الاستقلال أو تغيير القانون وحدهما، وكانت مهتمة أكثر بالسؤال كيف تعيش المرأة حياة جديرة بها؟ ولهذا فإن شخصياتها النسائية ليست نماذج أيديولوجية، بل بشرًا كاملين يخطئن ويحببن ويخترن ويدفعن الثمن ويبدأن من جديد، وهذا يفسر التشابه العميق بين يِنّي Jenny وكريستين رغم الفارق التاريخي الهائل بينهما كلتاهما تبحثان عن حياة كاملة، لكن كل واحدة تفعل ذلك داخل نظام اجتماعي وأخلاقي مختلف. ويمكن أن يكون جيمس جويس James Joyce مرآة مثالية لأوندست لا خصمًا لها جويس أحدث ثورة في شكل الرواية ولغتها وتقنياتها، بينما بقيت أوندست أقرب إلى البناء السردي الواضح والواقعية، لكن إذا جعلنا الشكل وحده معيار القيمة فإن التجريد قد يصبح هو المعنى ويتحول التجديد الشكلي إلى غاية بذاته، أما إذا كان الشكل وسيلة لحمل تجربة إنسانية فإن الرواية البسيطة في بنائها يمكن أن تكون أكثر اتساعًا في معناها من عمل شديد التجريد. جويس يسأل ماذا يمكن أن تفعل اللغة بالرواية؟ وأوندست تسأل ماذا يمكن أن تفعل الرواية بالإنسان؟ كل واحد منهما فتح بابًا مختلفًا وليس من العدل أن نقيس أحدهما بأداة الآخر، فجويس وسع إمكانات اللغة والوعي والشكل، وأوندست وسعت قدرة الرواية على حمل التاريخ والأسرة والجسد والدين والمجتمع والضمير، ولهذا فإن عدم كونها ثورية شكليًا لا يعني أنها غير مجددة فقد يكون التجديد الحقيقي أحيانًا في جعل شكل معروف قادرًا على حمل أسئلة جديدة. ظل النقد منقسمًا تجاه أوندست رأى فيها نقاد قوتها التاريخية والنفسية وأشادوا بدقة بنائها للعالم النرويجي الوسيط وبقدرتها على جعل التاريخ حياة يومية، وفي مراحل أخرى رأى بعض النقاد أن شكلها السردي تقليدي مقارنة بالمغامرات الحداثية الكبرى في عصرها، كما انقسم النقاد حول بعدها الديني هل هي كاتبة كاثوليكية تريد الدفاع عن العقيدة أم روائية تستخدم الإيمان بوصفه جزءًا من تجربة الإنسان؟ وانقسم النقد النسوي أيضًا بين من رأى في تحفظاتها على الحركة النسائية نزوعًا محافظًا وبين من رأى أن عمق أسئلتها عن المرأة والأسرة والجسد والعمل يتجاوز التصنيف السريع، وقد أعيد اكتشاف أوندست في دراسات أحدث من خلال قضايا الجندر والدين والجسد والتاريخ والحداثة، فأصبحت تُقرأ بوصفها أديبة تتسع لأكثر من إطار نقدي واحد. كانت أوندست من الأصوات التي حذرت مبكرًا من النازية والعنصرية والنظريات العرقية، وكانت كتاباتها ممنوعة في ألمانيا بعد صعود هتلر، كما ترأست اتحاد الكتاب النرويجيين بين 1936 و1940، وعندما بدأت الحرب لم يعد موقفها السياسي منفصلًا عن حياتها الأدبية. في أبريل 1940 اضطرت إلى مغادرة النرويج، خرجت من ليلهامر واتجهت عبر غودبراندسدالن Gudbrandsdalen ثم إلى مولده ومو إي رانا وعبرت إلى السويد في ظروف صعبة، وهناك تلقت خبر مقتل ابنها أندرس في القتال ضد الألمان، ثم غادرت ستوكهولم مع ابنها هانس، ومرت عبر موسكو والاتحاد السوفيتي إلى فلاديفوستوك ثم إلى اليابان ومن هناك عبر المحيط الهادئ إلى سان فرانسيسكو فإلى نيويورك. كانت هذه الرحلة اقتلاعًا حقيقيًا من المكان، لكنها كشفت شيئًا كانت رواياتها قد لمحته المكان لا يعيش تحت القدمين فقط، بل يمكن أن يعيش في الشخصية. استقرت في نيويورك وانخرطت في نشاط واسع لصالح النرويج المحتلة، فألقت المحاضرات وكتبت المقالات والخطب ودافعت عن بلدها وعن المقاومة واهتمت بقضية اليهود، حتى وصفت أدوارها خلال الحرب بأنها قريبة من دور جندية معلومات للنرويج والحلفاء. وهنا انتقلت الكتابة من استكشاف الإنسان إلى الدفاع عن الإنسان، وكتبت خلال المنفى Tilbake til fremtiden Return to the Future وLykkelige dager Happy Days، وتحولت الذاكرة إلى نوع من الحفاظ على الوطن في الغياب إذا لم تستطع العودة إلى الأرض، تستطيع أن تحمل الأرض في اللغة والذاكرة والحكاية. ولا يمكن القول إن الحرب هي التي دفعتها إلى كتابة العصور الوسطى لأن أهم أعمالها التاريخية سبقت الحرب بسنوات طويلة، لكن الحرب أعادت إعطاء هذا التاريخ وظيفة أخرى في وعيها عندما يصبح الحاضر مهددًا بالاقتلاع يمكن أن تستعيد الذاكرة جذور المجتمع لتسأل ما الذي يستحق أن يبقى؟ وهنا يمكن أن نفهم أوندست بوصفها تستدعي الماضي لا لكي يعيش الناس فيه، بل لكي يتذكروا ما الذي يستحق أن يبقى منهم عندما يهددهم التاريخ بالقوة. فالأرض تحفظ، والتاريخ يبقى في الذاكرة، والذاكرة تدخل في الشخصية. وهذا يجعل المكان أكثر من جغرافيا إنه هواء وطرق وبيوت وأسماء وأصوات وذاكرة، وقد يصبح التاريخ موجودًا في أعماق الشخصية التي عاشت فوق المكان ثم يعود من خلالها إلى المستقبل. عادت أوندست إلى النرويج سنة 1945، لكنها لم تعد المرأة نفسها التي خرجت حملت معها سنوات الحرب والمنفى وفقد الابن والإرهاق والعمل السياسي والثقافي، وكان بيتها في بِيِركِبَيْك قد تعرض للضرر أثناء الاحتلال، فعادت إلى المكان لكي تعيد بناء ما يمكن إعادة بنائه، وحصلت سنة 1947 على الصليب الأكبر من وسام القديس أولاف تقديرًا لإنتاجها الأدبي وجهودها الوطنية. وهنا يصبح ترميم البيت رمزًا لحياتها نفسها فالعودة ليست استرجاع الماضي، وإنما إعطاء ما بقي منه فرصة جديدة للحياة. لم تستعد أوندست بعد الحرب غزارة سنواتها السابقة، وكانت Madame Dorthea سنة 1939 قد فتحت مشروعًا تاريخيًا لم تستطع مواصلته بسبب الحرب، وخلال المنفى انشغلت بالخطب والمقالات والنشاط العام أكثر من انشغالها بالرواية، وكان من أعمالها الكبيرة المتأخرة Caterina av Siena Catherine of Siena التي صدرت بعد وفاتها سنة 1951، إضافة إلى نصوص ومقالات وخطب الحرب التي جمعت لاحقًا. وفي سنواتها الأخيرة تدهورت صحتها لكنها بقيت مرتبطة ببيتها وبالمكان وبالذاكرة الثقافية التي حملتها طوال حياتها، وتوفيت في ليلهامر في 10 يونيو 1949 ودُفنت في ميسنالي قريبة من ابنتها موسه وابنها أندرس. ولم تنته حياتها عند المرض والموت فقد ظل عملها حيًا وأعيدت قراءة كتبها وترجمتها ودراستها في بلدان مختلفة وأصبح بِيِركِبَيْك نفسه جزءًا من إرثها الثقافي. منحت أوندست جائزة نوبل في الأدب سنة 1928 وكان الدافع الرسمي في المقام الأول لوصفها القوي للحياة في الشمال خلال العصور الوسطى، لكن هذه العبارة المختصرة تخفي إنجازًا أوسع لقد جمعت المعرفة التاريخية والخيال والتحليل النفسي وصورة المجتمع والحياة اليومية في بناء روائي متكامل، ولذلك لم تكن الجائزة مكافأة على الماضي وحده بل على قدرتها على جعل الماضي يتكلم عن الإنسان. قد تبدو أوندست شديدة النرويجية النرويج والطبيعة الشمالية والأسرة والعصور الوسطى والكاثوليكية والعمل والمكان، لكنها بلغت الكونية من طريق الخصوصية نفسها، فالكونية الأدبية لا تبدأ بالتخلي عن الجذور بل تبدأ حين يتحول الخاص إلى تجربة يستطيع الآخر أن يجد نفسه فيها. كريستين امرأة نرويجية من القرن الرابع عشر لكنها أم وزوجة وابنة وعاشقة وإنسانة، ولذلك يستطيع القارئ في بلد بعيد أن يرى نفسه فيها، ويعيش أولاف صراعه مع الذنب والمسؤولية والماضي وهو صراع يمكن أن يفهمه الإنسان في أي عصر. ولهذا يمكن أن نرى مسار أوندست هكذا المحلي ثم التاريخي ثم الإنساني ثم الروحي ثم الكوني. بدأت من المكان وأعطاها التاريخ عمقه وأعطتها الثقافة اتساعه وأعطاها الدين سؤال المعنى وأعطاها الأدب قدرة العبور إلى الآخرين. وإذا جمعنا حياتها كلها نكتشف أن ما يبدو متفرقًا فيها كان يتحرك في اتجاه واحد أبوها أدخل التاريخ إلى طفولتها، والأسرة أدخلت إليها مسؤولية الحياة اليومية، والمدينة أعطتها المجتمع، والعمل أعطاها الاحتكاك بالناس، والمرأة الحديثة أعطتها سؤال الحرية والرغبة والأسرة، والتاريخ أعطاها المسافة، والكاثوليكية أعطتها إطارًا روحيًا وأخلاقيًا، والحرب أعطتها امتحانًا واقعيًا لما تؤمن به، والمنفى أعطاها معنى المكان، والعودة أعطتها معنى الاستمرار. لقد تحركت في حياتها من الخاص إلى الأوسع دون أن تتخلى عن الخاص، وحين خرجت من النرويج لم تخرج منها بالكامل كانت الأرض قد أصبحت في شخصيتها، والتاريخ قد أصبح في ذاكرتها، والدين قد أصبح جزءًا من وعيها، والأدب صار وسيلة لإعادة كل ذلك إلى العالم. ولهذا لا تكمن عظمتها في أنها كتبت عن العصور الوسطى فحسب، ولا في أنها كانت كاثوليكية، ولا في أنها قاومت النازية، ولا في أنها حصلت على نوبل، بل في قدرتها على تحويل كل هذه التجارب إلى أدب يظل متعلقًا بالإنسان. لقد كتبت عن التاريخ، لكن التاريخ لم يكن غايتها الأخيرة كانت غايتها الإنسان. وكتبت عن الدين، لكن الدين لم يكن غايتها الأخيرة كان إحدى الطرق التي بحثت بها عن معنى الإنسان. وكتبت عن النرويج، لكن النرويج لم تكن حدودها كانت الأرض التي انطلقت منها إلى العالم. وحين خرجت من الوطن حملته في داخلها، وحين عادت لم تحاول أن تستعيد الماضي كما كان، بل أن تمنح ما بقي منه فرصة جديدة للحياة. وهكذا يصبح التاريخ عند أوندست ذاكرة حيّة، ويصبح المكان جزءًا من الشخصية، ويصبح الإيمان مسؤولية، ويصبح الجمال طريقًا إلى الأخلاق، ويصبح الأدب وسيلة للانتقال من الخصوصية إلى الكونية. سيغريد أوندست: حين يصبح التاريخ ذاكرةً حيّة للإنسان والمكان والضمير.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هنري برغسون الوعي الداخلي والتطور الخلاق
- الحياة
- غراتسيا ديليدا Grazia Deledda بعد مئة عام من نوبل، حين يتحول ...
- الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
- جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
- حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
- فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
- العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
- المحراث القديم
- أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية
- بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي
- العراق وطنٌ سيد... لا للتدخلات السعودية–الأمريكية في شؤونه.
- حاتم عباس بصيلة سكينة اللون بين خضرة الأرض وحضور الروح
- عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائنا ...
- روبرت ويلسون نحو مسرحٍ يرى الزمن ويكشف الإنسان
- تاداشي سوزوكي المسرح الذي يبدأ من الجسد وينتهي إلى الإنسان
- عرش بغداد المدينة بين استعادة الذاكرة وتشكيل الفضاء الإنساني ...
- يوجينيو باربا الأنثروبولوجيا المسرحية وجماليات الإخراج
- يونس العزاوي: الجسد... مرآة الروح وصوتها الخفي قراءة في جمال ...
- عدنان الصائغ الشعر بوصفه سيرةً للإنسان قراءة في ديوان توقيعا ...


المزيد.....




- قلاع جبل عامل.. حين يطارد الخطر ألف عام من تاريخ الجنوب اللب ...
- البرازيل: الشرطة تستعيد ثماني لوحات مسروقة للفنان الفرنسي هن ...
- بعد غياب 10 أعوام.. فلاديمير بورتكو ينجز تصوير مسلسل -ستالين ...
- نابلس تحتفي بحرية الفنان عدي الزاغة بعد 18 شهراً من الاعتقال ...
- ما وراء الستار.. معرض روسي يفتح الباب الخلفي للمسرح ويكشف مه ...
- بوتين يكرّم عددا من الفنانين الروس بأوسمة وألقاب فنية
- هل كان لومونوسوف ابنا سريا لبطرس الأكبر؟.. وثائق تفنّد أسطور ...
- وفاة مرشح لمجلس الشيوخ مؤيد لترامب انتحارا.. وعائلته تشكك في ...
- مقابر جماعية وتماثيل نذرية.. تفاصيل كشف أثري مهم في الواحات ...
- -هُرّبت منذ 15 عاما-.. سوريا تستعيد قطعا أثرية من فرنسا وتعر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان