أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة















المزيد.....

من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 11:58
المحور: الادب والفن
    


من دكتاتورية الأنا إلى عدالة القصيدة

لا تبدأ القصيدة دائمًا من فكرة مكتملة أو من عقل يعرف مسبقًا ما يريد أن يقول، فكثيرًا ما تولد من منطقة خفية في النفس، من انفعال سابق على اللغة، ومن رغبة أو خوف أو دهشة أو غضب أو افتتان، ومن حاجة داخلية إلى إخراج شيء لم يجد شكله بعد، وفي قلب هذه المنطقة تقف الأنا، فهي إحدى القوى الأولى التي تمنح القصيدة شرارتها، ومنها يأتي الإحساس بالوجود ومنها تأتي الرغبة في القول ومنها تنشأ الحاجة إلى أن يترك الإنسان أثره في العالم، ولذلك لا يمكن النظر إلى الأنا بوصفها عدوًا للشعر، فهي في كثير من الأحيان شرط من شروط ولادته، لكن الأنا التي تمنح القصيدة طاقتها الأولى قد تتحول إذا بقيت مسيطرة إلى دكتاتورية داخل النص، وللأنا أخواتها من الانفعال والغضب والخوف والرغبة واليقين والحكم المسبق والتملك والرغبة في الهيمنة والرغبة في الانتصار، وكل واحدة من هذه القوى قادرة على دفع القصيدة إلى الأمام، لكنها قادرة أيضًا على تضييق مجالها إذا تحولت من قوة مولدة إلى سلطة حاكمة، فالانفعال يفتح الباب لكنه قد يغلق الرؤية، والغضب يمنح اللغة طاقتها لكنه قد يحولها إلى خطاب، واليقين يمنح الشاعر الثقة لكنه قد يلغي الاحتمال، والأنا تمنح القصيدة صوتها لكنها قد تمنع الأصوات الأخرى من الظهور، ومن هنا تبدأ القصيدة القوية في مقاومة صاحبها، وهذه المقاومة ليست خروجًا على الشاعر وإنما هي اللحظة التي تبدأ فيها القصيدة باكتشاف استقلالها، يدخل الشاعر إلى النص وهو يريد أن يقول شيئًا ثم يجد أثناء الكتابة أن الأشياء نفسها بدأت تقاوم ما يريد قوله، يظهر الطرف الآخر ثم يظهر الاحتمال ثم تتسع المسافة بين الشاعر وانفعاله الأول، وهنا تتحول الكتابة من محاولة لإثبات الذات إلى محاولة لاكتشاف ما وراء الذات، فالشاعر في لحظة الانفعال يريد أن ينتصر أما القصيدة حين تنضج فتريد أن تفهم، ومن هنا تبدأ العقلانية الشعرية، وهي ليست عقلانية جافة ولا تحويل القصيدة إلى أطروحة فكرية وإنما قدرة النص على تنظيم انفعاله دون أن يطفئه، إنها لا تلغي النار بل تمنع النار من إحراق القصيدة، وهنا يظهر التوازن، والتوازن لا يعني أن تصبح القصيدة محايدة أو باردة بل أن تمنح عناصرها المختلفة حقها في الوجود، فالليل لا يلغى لأن النور موجود والنور لا يصبح مطلقًا لأن الليل غائب والمعنى نفسه لا يأتي بالضرورة لكي يغلق الصراع، ومن هنا يمكن الحديث عن عدالة القصيدة، وعدالة القصيدة هي ألا يكون عنصر واحد مالكًا للنص كله، وكما ينبغي ألا تستبد الأنا ببقية العناصر ينبغي ألا يستبد الانفعال بالعقل ولا الصورة بالفكرة ولا الشكل بالمعنى، وهنا نصل إلى صراع آخر أكثر دقة هو الصراع بين حضور الشكل وحضور المعنى، فالشكل ضرورة شعرية لكنه قد يتحول أحيانًا إلى سلطة مستقلة، فقد يطغى الإيقاع على الدلالة أو تستولي الصورة على الفكرة أو يصبح التأنق اللغوي غاية في ذاته فيتطاول الشكل على المعنى حتى يكاد يلغيه، لكن المعنى قادر على ارتكاب الخطأ نفسه، فعندما يستولي المعنى وحده على القصيدة قد تتحول إلى فكرة فلسفية أو حكمة أو خطاب أو موقف ذهني مباشر، وعندها يصبح الشكل مجرد وعاء خارجي وتفقد القصيدة شيئًا من ضرورتها الشعرية، إذن ليست المسألة أن ينتصر الشكل على المعنى أو المعنى على الشكل، وإنما المطلوب هو التوازن الخلاق بينهما، بل ربما يكون الأمر أعمق من التوازن، ففي القصيدة الحديثة في أكثر تجلياتها نضجًا لا ينبغي أن يكون المعنى شيئًا خارج الشكل ولا الشكل شيئًا منفصلًا عن المعنى، فالمعنى الحقيقي لا يشرح داخل القصيدة وإنما يتكون من خلال طريقة وجودها، وهنا يمكن استعارة صورة بسيطة وعميقة، المعنى كالملح المذاب في الشكل، فالملح حين يذوب لا يعود عنصرًا منفصلًا يمكن رؤيته لكنه لا يختفي بل يصبح حاضرًا في الماء كله، وكذلك المعنى الشعري لا ينبغي أن يكون قطعة منفصلة يمكن استخراجها من القصيدة ثم وضعها في جملة تقريرية، بل ينبغي أن يكون حاضرًا في الإيقاع والصورة والتركيب والصمت والحذف والمسافة بين الكلمات وفي حركة القصيدة كلها، وهنا يصبح الشكل حاملًا للمعنى ويصبح المعنى هو الذي يفرض على الشكل ضرورته، ولهذا فإن السؤال ليس فقط ماذا قالت القصيدة وإنما كيف جعلت القصيدة ما تقوله موجودًا، وهذه النقطة تقودنا إلى التكثيف، فعندما تدخل القصيدة منطقة الهدوء والعمق تتراجع حاجتها إلى الشرح، وتصبح الكلمة أثقل ويصبح الصمت جزءًا من البناء، ويمكن أن يتحول التكرار من تكرار لفظي إلى حركة في المعنى، ويمكن للسطر القصير أن يحمل مساحة واسعة من الاحتمال، لكن التكثيف ليس اختصارًا، فالاختصار يعني أن نقول أقل أما التكثيف فيعني أن نجعل القليل يحمل أكثر، ولهذا قد تكون قصيدة قصيرة أكثر امتلاءً من قصيدة طويلة وقد تحمل كلمة واحدة ظلالًا لا تستطيع فقرة كاملة أن تحملها، ومن هنا يمكن فهم جانب أساسي من تطور القصيدة الحديثة، فالقصيدة الحديثة في تجاربها الأكثر نضجًا لا تكون مطالبة دائمًا بإعطاء جواب نهائي أو حكمة مكتملة، فقد يكون السؤال أقوى من الإجابة والاحتمال أعمق من اليقين وعدم الحسم أكثر صدقًا من الحكم الجاهز، وهذا لا يعني أن الشعر القديم كان خاليًا من العمق أو التأمل، ففي التراث الشعري القديم نماذج عظيمة من الحكمة والفلسفة والتأمل الإنساني، لكن الحداثة الشعرية دفعت القصيدة في اتجاهات واسعة منها إلى جعل عملية اكتشاف المعنى نفسها جزءًا من التجربة الشعرية، فلم يعد المعنى بالضرورة شيئًا يعرفه الشاعر قبل الكتابة ثم يضعه في القصيدة وإنما قد يصبح شيئًا لا يظهر إلا أثناء الكتابة، وهنا تتغير علاقة الشاعر باللغة، ففي البداية تكون اللغة وسيلة لتنفيذ إرادة الشاعر ثم تصبح شريكًا في اكتشاف ما لم يكن يعرفه، وهذا هو السبب في أن القصيدة القوية قد تفاجئ صاحبها نفسه، إنها تبدأ من الأنا لكنها لا تنتهي بالضرورة عندها، تبدأ من الانفعال لكنها قد تصل إلى الوعي، تبدأ من الرغبة في الحكم لكنها قد تصل إلى الاحتمال، تبدأ من الرغبة في الانتصار لكنها قد تصل إلى العدل، وتبدأ من الصراع بين الشكل والمعنى لكنها قد تصل إلى لحظة لا يعود فيها الشكل منفصلًا عن المعنى ولا المعنى قابلًا للاستخراج من الشكل، وهكذا يمكن النظر إلى مسار القصيدة الناضجة بوصفه انتقالًا من الأنا إلى الآخر ومن الانفعال إلى الوعي ومن الهيمنة إلى التوازن ومن الحكم إلى الاحتمال ومن الشكل والمعنى كطرفين متصارعين إلى ذوبانهما في بنية واحدة ومن الشرح إلى التكثيف ومن امتلاك المعنى إلى اكتشافه، وهذا لا يعني أن الشاعر مطالب بإلغاء أناه لكي يكتب قصيدة حديثة، فالأنا طاقة لا غنى عنها، وإنما المطلوب هو تحرير القصيدة من استبداد الأنا، فالأنا التي تبدأ بها القصيدة ليست بالضرورة الأنا التي ينبغي أن تنتهي بها، وحين تستطيع القصيدة أن تتجاوز دكتاتورية الانفعال دون أن تفقد حرارتها وأن تدخل العقلانية دون أن تفقد شعريتها وأن تحقق التوازن دون أن تتحول إلى برود وأن تجعل المعنى ذائبًا في شكلها لا منفصلًا عنه فإنها تكون قد تجاوزت مجرد التعبير وتكون قد أصبحت فضاءً عادلًا للوجود، وهنا ربما تكمن إحدى أهم علامات القصيدة الحديثة، أنها لا تطلب من العالم أن يخضع لصوتها بل تسمح للعالم أن يدخل إليها بكل تناقضاته، فالقصيدة الأضعف تقول ما أراد الشاعر قوله أما القصيدة الأقوى فإنها تجعل الشاعر يكتشف ما لم يكن يعرف أنه يريد قوله.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عقلنة الكلمات
- جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
- بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل
- التشابه بلا وصايا
- إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا ...
- سينكلير لويس Sinclair Lewis الكاتب الذي قرأ أمريكا وكتبها
- توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب
- سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان
- هنري برغسون الوعي الداخلي والتطور الخلاق
- الحياة
- غراتسيا ديليدا Grazia Deledda بعد مئة عام من نوبل، حين يتحول ...
- الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
- جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
- حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
- فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
- العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
- المحراث القديم
- أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية
- بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي
- العراق وطنٌ سيد... لا للتدخلات السعودية–الأمريكية في شؤونه.


المزيد.....




- -حوار طال انتظاره-.. الإعلان عن برنامج مهرجان -متحف الإعلام- ...
- كيف ابتكر البلاشفة الصحافة المسموعة؟
- وفاة أيقونة موسيقى الريف -الكانتري- الأمريكية دوللي بارتون ع ...
- بعد وفاتها.. استذكار نكتة دوللي بارتون -المبتذلة- التي توقعت ...
- حتى لا يضيع الوهم: كاظم الساهر في سيدني
- رحيل دوللي بارتون ملكة موسيقى -الكانتري- وصاحبة الإرث الإنسا ...
- رحيل الفنان الفلسطيني سليمان منصور: كواليس أيقونة -جمل المحا ...
- ترامب يأمر بتنكيس الأعلام أسبوعا حدادا على وفاة النجمة دوللي ...
- الممثلة اليهودية هانا إينبيندر تدافع عن مارك رافالو بعد اتها ...
- وفاة دولي بارتون -ملكة موسيقى الكانتري-


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة