أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل















المزيد.....

بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 10:04
المحور: الادب والفن
    


بيكاسو حين اتسعت الرؤية ولم يعد الشكل القديم يتسع لها

لم يكن بيكاسو يتعلم الرسم لكي يتقنه فحسب كان يتقنه لكي يخترقه. فالرسم بالنسبة إليه لم يكن مهارة تنتهي عند الإتقان، بل عالمًا كاملًا عليه أن يدخله، ويعيش فيه، ويخالط تاريخه، ويعرف أسراره، ثم يبحث في أعماقه عن الطريق الذي يخصه هو. كان المران عنده أكثر من تدريب لليد كان تدريبًا للعين والذاكرة والذوق. ومع تكرار العمل تتحول الممارسة إلى نوع من التأمل العفوي العين تتأمل وهي ترى، واليد تتأمل وهي تعمل، والتجربة اليومية نفسها تصبح طريقًا إلى المعرفة. لا يحتاج الفنان هنا إلى أن يجلس متأملًا فعمله نفسه يصبح تأمله. ومن هنا يمكن فهم عبقرية الهمّ في الفن. كانت والدتي تردد هناك همّ هوّام، وهناك همّ نوّام. فالهمّ الهوّام يتحول إلى حركة وعمل وهيام، أما الهمّ النوّام فيبقى رغبة لا تجد طريقها إلى الفعل. وبيكاسو كان من أصحاب الهمّ الذي لا ينام؛ عاش الفن حتى صار جزءًا من تكوينه، فلم يعد الرسم شيئًا يفعله، بل شيئًا يعيشه. فالذكاء الطبيعي، مهما بلغت قيمته، لا يكفي وحده. إن الاختلاط والمعاشرة يمنحان الإنسان معرفة لا يمنحها الذكاء وحده لأن ما نعاشره يتحول من معلومة إلى تجربة، ومن تجربة إلى ذائقة، ومن الذائقة إلى رؤية. ولهذا كانت المتاحف، واللوفر خصوصًا، جزءًا مهمًا من تكوين بيكاسو. لم يكن يدخل المتحف كطالب يريد أن يحفظ تاريخ الفن، بل كفنان يعاشر الأعمال بعينه، يرى القديم ويعود إليه، ويترك الأشكال والوجوه والخطوط والتكوينات تستقر في ذاكرته البصرية. وهكذا لم يعد تاريخ الفن ماضيًا بعيدًا، بل أصبح مادة حية في تكوينه. لقد عاشر عالمية الرسم قبل أن يهضمها. وهضمها لا يعني أن يصبح نسخة منها. فالعظيم الذي سبقك قد يكون أقسى اختبار لك لأنه لا يترك لك فراغًا سهلًا تضيف إليه. عليك أن تعرفه جيدًا، وأن تصل إلى عمقه، ثم تخرج منه دون أن تذوب فيه. تهضم العظيم دون أن تذوب فيه؛ ثم تجد نفسك، وتجد قطارك. هذه هي الصعوبة الحقيقية أن تعرف ما رآه الآخرون، ثم تستطيع أن ترى بنفسك. أن تتعلم من عيون السابقين دون أن تصبح محلًا لرؤيتهم. فالعبقرية ليست أن تكون صاحب رؤية فقط، بل أن تمتلك عينًا لا تستعير رؤيتها من أحد. ولم يكن بيكاسو يعيش منفصلًا عن الفنانين والحياة. كان وسط حركة فنية وثقافية واسعة، وعاشر فنانين وكتابًا ومصورين، وكان جورج براك أحد أهم شركائه في تطوير التكعيبية. ولم تكن هذه المعاشرة إلغاءً لشخصيته، بل كانت اختبارًا لها فالفنان القوي أمامك قد يجعلك أكثر يقظة تجاه نفسك، ويضعك أمام سؤال أشد قسوة ماذا تستطيع أن تضيف أنت؟ وهنا يصبح الآخر اختبارًا لا نموذجًا للتقليد. حتى علاقاته بالفنانات دخلت في هذا العالم فقد كانت دورا مار فنانة ومصورة، وكانت قريبة من مراحل مهمة في تجربته، وسجلت بالكاميرا مراحل إنجاز غيرنيكا. وكانت فرانسواز جيلو رسامة أيضًا، وجاكلين روك رافقته في سنواته الأخيرة. لكن قيمة هذه العلاقات ليست في تفاصيلها الشخصية، بل في أنها تكشف أن بيكاسو كان يعيش وسط الفن، والناس، والعاطفة، والحياة اليومية، ثم يحول هذا الاحتكاك كله إلى مادة في عمله. كان يعاشر العالم، لكنه لا يترك ما يأخذه منه في صورته الأولى. وهذا ما يفسر انتقاله بين المراحل والأساليب. فالفترة الزرقاء لم تكن مجرد لون، والوردية لم تكن مجرد تغيير في المزاج، والتكعيبية لم تكن مجرد مدرسة، وغيرنيكا لم تكن مجرد لوحة سياسية. كانت كل واحدة منها نتيجة لتحول في النظر. في آنسات أفينيون، مثلًا، لم تعد المسألة كيف يرسم المرأة أو الجسد، وإنما كيف يستطيع الرسم أن يعيد بناء ما تراه العين. وفي التكعيبية، التي طورها مع براك، لم يعد الشكل ثابتًا في زاوية واحدة أصبح للشيء أكثر من جهة، وللذاكرة حضور إلى جانب العين، وللزمن أثر داخل الصورة. لم يكن بيكاسو يحطم الشكل لمجرد تحطيمه؛ كان يوسعه حتى يصبح قادرًا على حمل رؤية أوسع. وهنا تظهر إحدى أهم خصائص تجربته: أنه لم يسمح حتى لاكتشافه العظيم أن يتحول إلى سجن جديد. فبعد التكعيبية عاد إلى أشكال أكثر كلاسيكية، واقترب في مراحل أخرى من السريالية، وانتقل بين الرسم والنحت والطباعة والسيراميك وغيرها. لم يكن يغيّر أسلوبه لأن الأسلوب القديم فشل كان يغيّره لأن عينه نجحت في رؤية شيء جديد. وهذا يقودنا إلى نمو الداخل. كلما نما الداخل اتسعت الرؤية، وأصبح البعيد قريبًا، وخفت المسافة بين الأزمنة. والكونية هنا ليست مجرد انتشار العمل في العالم، وإنما قدرة الفنان على حمل أزمنة وتجارب وحضارات متعددة داخل رؤية واحدة، دون أن يفقد نفسه بينها. لكن نمو الداخل له ثمن العجز عن الاكتفاء. كلما ارتفعت الذائقة، أصبح ما كان يملأ الإنسان بالأمس أقل قدرة على إشباعه اليوم. ليس لأنه يرفض ما أنجزه، وإنما لأن حاجته الجديدة أصبحت أوسع من إنجازه السابق. حين اتسعت رؤية بيكاسو، لم يعد الشكل القديم يتسع لها، وحين اتسع داخله، أصبح ما أنجزه أمس أضيق من حاجته اليوم. هنا يصبح التجديد ضرورة، لا رغبة في الاختلاف. وكان عليه أيضًا أن يقاوم نظرة الآخر. فالفنان الذي يأتي بما لم تألفه العين لا يواجه صعوبة العمل وحدها، بل يواجه استعداد الآخرين لقبول ما يقدمه. بعض أعماله الأولى واجهت الاستغراب والرفض، واحتاجت أعمال مثل آنسات أفينيون إلى زمن طويل حتى تستقر قيمتها في تاريخ الفن. لكن بيكاسو لم يجعل العمل تابعًا لانتظار الاعتراف. كان يقاوم نظرة الآخر بالعمل يريد أن يثبت جدارة ما يصل إليه، وأن يجعل إبداعه وخلقه منتميَين إليه. ثم تأتي مرحلة أخرى أكثر صعوبة بعد أن يثبت الفنان نفسه للآخرين، ماذا يبقى؟ هنا يبدأ الصراع مع الذات. بدأ بيكاسو يقاوم نظرة الآخر، وانتهى يقاوم رضاه عن نفسه. فنجاحه لم يصبح ذريعة للاكتفاء. كان يستطيع، بعد الشهرة والمكانة والاعتراف، أن يستريح إلى ما أنجزه، لكنه ظل يعمل. وفي سنواته الأخيرة واصل الرسم والطباعة والنحت والسيراميك وغيرها من التجارب، حتى بلغ التسعين تقريبًا. وهنا لا تكون الغزارة مجرد كثرة في الإنتاج إنها علامة على أن شيئًا في الداخل لم يكن قد رضي بعد. كان يرسم لكي يصل، لكنه لم يكن يعرف دائمًا إلى أين سيصل. كان يعرف فقط أن ما وصل إليه حتى الآن ليس النهاية. الهمّ الحقيقي لا يطلب الوصول فقط؛ يرفض أن يعتبر الوصول نهاية. وهنا تكتسب عبارة الصبر والإصرار والعطش معناها الكامل. الصبر يحفظ الطريق، والإصرار يدفعه، والعطش يمنع الاكتفاء. قد تأتي للفنان فرصة صغيرة، لكنها تكشف خلفها سنوات طويلة لم يرها أحد. الفرصة لا تصنع الجدارة إنها تكشف ما صنعته الجدارة في الخفاء. ولهذا فإن أعمال بيكاسو لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قائمة من الأساليب المتعاقبة، بل بوصفها سيرة لتحولات العين. كل لوحة مهمة عنده تقول، بصورة أو بأخرى: هذا ما استطعت أن أراه حتى الآن والآن عليّ أن أرى أبعد. وهنا تبلغ العلاقة بين الفنان والعمل ذروتها الفنان يبدأ بصنع اللوحة، ثم تأتي لحظة تصبح فيها اللوحة قادرة على أن تكشف الفنان. وفي حالة بيكاسو، وصلت العلاقة إلى حد يمكن معه القول لم تعد اللوحة تشير إلى بيكاسو فحسب أصبحت، في لحظات كثيرة، بيكاسو نفسه. وهذا ما يفسر بقاء تجربته مفتوحة على النقد. فليس كل ما أنجزه في المستوى نفسه، ولا كل تجربة له بلغت الذروة، لكن قيمة الفنان لا تقاس فقط بعدد الأعمال العظيمة التي أنجزها، بل بقدرته على مواصلة البحث بعد العمل العظيم. لقد كان أمامه تاريخ عظيم يصعب أن يضاف إليه بسهولة، لكنه لم يهرب من عظمته دخل إليه، عاشره، هضمه، ثم خرج منه بصوته الخاص. تهضم العظيم دون أن تذوب فيه ثم تجد نفسك، وتجد قطارك. توفي بيكاسو في الثامن من أبريل 1973، عن واحد وتسعين عامًا، لكن موته لم يكن نهاية الطريق الذي قطعه. فقد ترك وراءه ليس فقط آلاف الأعمال، بل سؤالًا ظل مفتوحًا في تاريخ الفن إلى أي مدى يستطيع الفن أن يذهب عندما يرفض الفنان أن يكتفي بما وصل إليه؟ ربما لهذا لا يكفي أن نقول إن بيكاسو كان رسامًا عبقريًا. كان فنانًا جعل من الفن مسؤولية شخصية، ومن المران طريقًا، ومن المعاشرة معرفة، ومن المعرفة ذائقة، ومن الذائقة رؤية، ومن الرؤية عالمًا لا يتسع له الشكل القديم. هضم العظيم دون أن يذوب فيه، وجد نفسه، وجد قطاره، ومضى به بعيدًا. وحين توقفت يده، بقي القطار يتحرك داخل تاريخ الفن. ولعل هذا هو إرث بيكاسو الحقيقي أن الفنان لا يبلغ حريته حين يتخلص من الذين سبقوه، بل حين يستطيع أن يحمل عظمتهم كلها، ثم يظل قادرًا على أن يقول: هذه رؤيتي أنا.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التشابه بلا وصايا
- إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا ...
- سينكلير لويس Sinclair Lewis الكاتب الذي قرأ أمريكا وكتبها
- توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب
- سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان
- هنري برغسون الوعي الداخلي والتطور الخلاق
- الحياة
- غراتسيا ديليدا Grazia Deledda بعد مئة عام من نوبل، حين يتحول ...
- الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
- جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
- حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
- فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
- العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
- المحراث القديم
- أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية
- بيتر شتاين من خشبة المسرح إلى مختبر الوعي الإنساني والجمالي
- العراق وطنٌ سيد... لا للتدخلات السعودية–الأمريكية في شؤونه.
- حاتم عباس بصيلة سكينة اللون بين خضرة الأرض وحضور الروح
- عطاف سالم جمالياتُ اللون بوصفه ذاكرةً، واللوحةُ بوصفها كائنا ...
- روبرت ويلسون نحو مسرحٍ يرى الزمن ويكشف الإنسان


المزيد.....




- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل