|
|
فرانس إيميل سيلانبا بين الإنسان والطبيعة حياة واحدة
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 10:02
المحور:
الادب والفن
فرانس إيميل سيلانبا حين تصبح الطبيعة جزءًا من الإنسان.
في فنلندا يتعلم الإنسان أن يعيش مع الطبيعة قبل أن يتعلم كيف يعيش معها. فالشتاء طويل، والثلج يغطي الأرض، والضوء يقل، ثم يأتي الصيف قصيرًا ومضيئًا، فتبدو الحياة كأنها تستعيد ما أخذته في الأشهر الباردة. بين هذين الفصلين تتشكل أيام الناس؛ عمل وصبر وهدوء واحتفال، وقوة يحتاجها الإنسان كي يمضي في حياته. هذه الطبيعة تمنح الإنسان درسًا يوميًا في الحضور. المشي فوق الثلج يحتاج إلى انتباه، والعمل في البرد يحتاج إلى احتمال، ومواجهة الأيام تحتاج إلى طاقة كاملة. البرد يجبر الجسد على اليقظة، والعمل يجبر الروح على الحضور. ومع الزمن يمكن أن يصبح هذا الانضباط جزءًا من علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم من حوله. ومع ذلك تبقى الحياة أوسع من الشتاء. إلى جانب القسوة هناك الفرح، وإلى جانب الصمت هناك الاحتفال، وإلى جانب الصلابة مساحة واسعة للبساطة. ومن هنا يمكن أن نلمح بعض ملامح الشخصية الفنلندية في حياتها اليومية قوة هادئة لا تحتاج إلى الاستعراض، معرفة لا تبحث دائمًا عن إعلان نفسها، وخجل يمكن أن يسكن إلى جانب الثقة. الإنسان يعرف ما يستطيع، لكنه لا يجد حاجة دائمة إلى إثبات ذلك للآخرين. في هذا المناخ الطبيعي والثقافي ظهر فرانس إيميل سيلانبا، وكأن المكان كان قد أعد له موضوعه قبل أن يبدأ الكتابة. ولد عام 1888 في هامينكيرو، في بيئة ريفية قريبة من الأرض والعمل والطبيعة. درس الطب في جامعة هلسنكي ولم يكمل دراسته، لكن العلم ظل حاضرًا في طريقته في النظر إلى الإنسان. أخذ من الطب حساسية تجاه الجسد، ومن الطبيعة معرفة بالحياة، ومن الريف مادته الأولى، ثم جعل الأدب المساحة التي تلتقي فيها هذه الأشياء كلها. وقبل سيلانبا كان ألكسيس كيفي قد فتح بابًا مهمًا في الأدب الفنلندي. ففي «الإخوة السبعة» ظهرت القرية والأرض والعمل والطبيعة والناس في عالم روائي كامل، وأصبح الإنسان الفنلندي شخصية أدبية لها حياتها وصوتها ومشكلاتها. كان كيفي يكتشف الإنسان الفنلندي من خلال المكان والمجتمع والحياة اليومية، بينما جاء سيلانبا ليذهب أبعد في داخله؛ إلى الجسد والحب والفقر والذاكرة والوراثة والمصير. يمكن أن نقول ببساطة كيفي اكتشف الإنسان الفنلندي روائيًا، وسيلانبا تعمق في الإنسان الذي اكتشفه كيفي. بدأ سيلانبا الكتابة والنشر في وقت كانت فيه الرواية الفنلندية تبحث عن صوتها الخاص. جاءت روايته الأولى «الحياة والشمس» عام 1916، ثم «الفقر التقي» عام 1919، وتتابعت أعماله التي رسخت عالمه الأدبي، ومنها «هيلتو وراغنار»، و«العذراء سيليا»، و«طريق الرجل»، و«الناس في ليلة صيف»، وغيرها. في هذه الأعمال يعيش الإنسان داخل الطبيعة، والطبيعة تتحرك داخله. الحقل والغابة والليل والصيف والشتاء ليست مناظر بعيدة عن الشخصيات، وإنما تدخل في إيقاع حياتها، كما يدخل الفقر والعمل والحب والموت في تكوينها. ولذلك يصبح الريف عند سيلانبا أكثر من مكان؛ يصبح طريقة في رؤية الإنسان. وهنا تظهر خصوصية واقعيته. فهو يقترب من الناس في تفاصيل حياتهم، لكنه ينظر أيضًا إلى القوى التي تحركهم من الداخل، وإلى أثر البيئة والوراثة والجسد والمجتمع في مصائرهم. خلفيته الطبية والعلمية جعلته شديد الحساسية تجاه الجسد والحياة، لكنها لم تدفعه إلى تحويل الرواية إلى درس علمي. المعرفة عنده تعمل في النص بصمت. وهذه نقطة مهمة في أسلوبه. فهو لا يستعرض معرفته، كما أن شخصياته لا تحتاج إلى استعراض قوتها. المعنى يظهر من الحياة نفسها. وربما لهذا تبدو كتابته قريبة من العالم الذي خرجت منه: هادئة، دقيقة، وممتلئة بما لا يقال. في «الفقر التقي» تدخل الحياة الفنلندية منطقة أكثر قسوة. الحرب الأهلية والفقر والانقسام الطبقي والخوف والمصير تمر جميعها عبر حياة الفلاح يوها تويفولا. هنا يلتقي الريف بالتاريخ، ويلتقي الإنسان بالسياسة من دون أن يتحول الإنسان إلى شعار سياسي. وهذه واحدة من نقاط قوة سيلانبا. إنه يبدأ من الإنسان فتصل السياسة إليه. الفقر عنده حياة، والطبقة تجربة، والحرب مصير شخصي. التاريخ الكبير يمر في النهاية من خلال جسد إنسان وحياة أسرة وحلم صغير. ومن هذه النقطة يصبح من الممكن الاقتراب من الأدب الروسي، لا لأن سيلانبا كاتب روسي الروح، وإنما لأن هناك قرابة في طريقة البحث عن الإنسان. عند تولستوي يتسع الإنسان داخل المجتمع والتاريخ والحياة الأخلاقية، وتصبح الأسرة والحرب والأرض طرقًا لفهم المصير الإنساني. وعند تورغينيف تكتسب الطبيعة والريف والشخصية مساحة هادئة تكشف التحولات الداخلية. أما تشيخوف فيعرف كيف يجعل التفاصيل اليومية الصغيرة تحمل قلق الإنسان كله. سيلانبا يلتقي بهم في هذا العمق، لكنه يسلك طريقًا فنلنديًا خاصًا. الطبيعة عنده أكثر التصاقًا بالجسد والبيئة والوراثة، والريف ليس مجرد مجتمع صغير، وإنما عالم كامل تتداخل فيه القوى الطبيعية والاجتماعية والداخلية. أما المقارنة مع كنوت هامسون فتأتي من منطقة أخرى أكثر قربًا. كلاهما عرف كيف يجعل الطبيعة قوة حاضرة في حياة الإنسان، وكيف يمنح الريف والعيش البسيط مساحة واسعة في الرواية. لكن هامسون يميل أكثر إلى عزلة الفرد وغرائزه وصراعه الداخلي، بينما يبدو سيلانبا أكثر ارتباطًا بالإنسان داخل شبكة الطبيعة والعائلة والمجتمع والوراثة. وهنا تظهر خصوصية سيلانبا مرة أخرى إنه لا يضع الإنسان في مواجهة الطبيعة فقط، وإنما يرى الاثنين داخل حركة واحدة. الإنسان يتأثر بالمكان، والمكان يصبح جزءًا من تكوينه. وفي «العذراء سيليا» تصبح هذه الرؤية أكثر وضوحًا. الشباب والحب والجسد والرغبة والبيئة والوراثة والمصير تتداخل، ويظهر الإنسان أمام قوى كثيرة لا يملك السيطرة الكاملة عليها. ومن هنا يخرج سؤال سيلانبا العميق كم يملك الإنسان من حياته، وكم تملك الحياة منه؟ إنه سؤال يقرّبه من الأدب الروسي في اهتمامه بالمصير والحرية، ويبعده عنه في الوقت نفسه فسيلانبا لا يبحث عن الإنسان بالطريق الروسي نفسه. إنه يقترب منه عبر الطبيعة والجسد والبيولوجيا والحياة الريفية. ومن هنا يمكن فهم علاقته بالعلم أيضًا. الطب لم يمنحه موضوعًا أدبيًا جاهزًا، لكنه منحه طريقة في النظر. أصبح الإنسان عنده كائنًا حيًا، تتحرك فيه الغريزة والذاكرة والوراثة والبيئة، وفي الوقت نفسه يحمل رغبات وأحلامًا وحاجات لا يمكن للعلم وحده أن يفسرها. وهذا ما يجعل سيلانبا قريبًا من منطقة بين العلم والشعر. فهو يرى التفاصيل المادية للحياة، لكنه يبحث من خلالها عن معناها الإنساني. الطبيعة في أعماله ليست خلفية جميلة للأحداث. إنها قوة تعمل في الشخصيات. الشتاء يفرض شروطه، والصيف يفتح مساحته، والعمل يربط الإنسان بالأرض، والفقر يضيّق الخيارات، والحب يفتحها ثم يعيد الإنسان إلى حدود الواقع. ومن هنا يمكن أن نفهم جانبًا من الشخصية التي تظهر في عالمه: الصبر من غير شكوى، والقوة من غير ضجيج، والقدرة على العمل من غير حاجة إلى البطولة. إنها قوة الحياة اليومية، لا البطولة المسرحية. وهذا أيضًا ما يجعل عالمه بعيدًا عن الاستعراض. الكاتب لا يقول لنا إنه يعرف الإنسان، والشخصية لا تقول لنا إنها قوية الحياة نفسها تكشف ذلك. وعندما نصل إلى جائزة نوبل عام 1939 نجد أن التكريم جاء منسجمًا مع هذا المسار. فقد مُنحت له الجائزة تقديرًا لفهمه العميق لفلاحي بلده وللفن الرفيع الذي صور به حياتهم وعلاقتهم بالطبيعة. وكانت مكانته قد سبقت الجائزة بسنوات، إذ حصل على ترشيحات عديدة قبل فوزه. جاءت الجائزة في سنة تاريخية شديدة الحساسية لفنلندا، ففي نهاية العام بدأت حرب الشتاء. وهكذا التقت حياة الكاتب بالتاريخ مرة أخرى، لكن الأدب الذي صنع مكانته كان قد تشكل قبل الحرب، في الريف، وفي حياة الناس، وفي علاقته بالطبيعة. وهنا تتسع صورة سيلانبا. فهو يرى الحياة في توازنها: شتاء وصيف، ظلمة وضوء، تعب وراحة، صمت وفرح، قوة وحاجة إلى الحنان. ومن هنا يمكن أن نفهم علاقته بالطبيعة على نحو أعمق. الطبيعة تعمل في الإنسان، والإنسان بدوره يترك أثره فيها. بين الاثنين تنشأ تلك المنطقة الغامضة التي أحب سيلانبا أن يكتب منها: منطقة الحياة نفسها. وهنا يعود ألكسيس كيفي مرة أخرى. كان قد جعل الإنسان الفنلندي يدخل الرواية، فجاء سيلانبا ليصغي أكثر إلى صمته، وإلى جسده، وإلى أحلامه الصغيرة، وإلى علاقته بالأرض، وإلى القوى التي تدفعه نحو الحياة والموت. من كيفي إلى سيلانبا يمكن أن نرى رحلة جميلة في الأدب الفنلندي: كيفي جعل الإنسان الفنلندي يدخل الرواية، وسيلانبا أخذ هذا الإنسان إلى منطقة أعمق، حيث يصبح الجسد والبيئة والذاكرة والطبيعة والتاريخ أجزاء من مصيره. ومن سيلانبا إلى القارئ العالمي تتحول الرحلة من فنلندا إلى الإنسان كله. لقد كتب سيلانبا عن الإنسان الفنلندي، لكن ما بقي في أدبه هو الإنسان نفسه؛ الإنسان الذي يعمل حين يجب أن يعمل، ويصمت حين لا يحتاج إلى الكلام، ويفرح حين تأتي لحظة الفرح، ويقاوم حين تصبح الحياة قاسية. وربما هنا تكمن عظمة الأدب: أن يأخذك من مكان صغير إلى معنى واسع، ومن حياة تبدو بعيدة عنك إلى شيء تعرفه في نفسك. فرانس إيميل سيلانبا لم يحتج إلى مغادرة فنلندا كي يصل إلى العالم؛ حمل فنلندا معه، وترك العالم يرى نفسه فيها.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بيرل س. بك الرواية بين الشرق والغرب، والإنسان في قلب العالم.
-
الفنان بين اكتشاف الجديد وتعميق المكتشف
-
حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوبٍ ممزق
-
روجيه مارتان دو غار الرواية مرآةُ الإنسان والتاريخ والضمير
-
يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان
...
-
لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف
...
-
النغم الجليل المبارك
-
إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
-
لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
-
من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
-
عقلنة الكلمات
-
جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
-
بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل
-
التشابه بلا وصايا
-
إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا
...
-
سينكلير لويس Sinclair Lewis الكاتب الذي قرأ أمريكا وكتبها
-
توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب
-
سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان
-
هنري برغسون الوعي الداخلي والتطور الخلاق
-
الحياة
المزيد.....
-
أنتوني هوبكنز يوثق رحلة حياته في ألبوم موسيقي جديد
-
من نقد -الترمبية- إلى تبنيها طلبا للسلطة.. سيرة تحولات جيه د
...
-
مسرحية -الناعشون- السعودية تثير الأسئلة الوجودية في مهرجان ا
...
-
حرب بصرية.. جدران طهران تتحول إلى شاشة تروي رواية الصراع مع
...
-
التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح
...
-
التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح
...
-
ممثلة أمريكية تلفت الأنظار بدبوس أحمر في مهرجان البندقية الس
...
-
من اسطنبول إلى أنقرة.. تفاصيل جنازة الفنان التركي سرحات كيلي
...
-
بين الخيام والركام.. سينما متنقلة تعرض لأطفال غزة لحظة فرح
-
-البحث عن رسول-: رحلة سينمائية في أعماق روح غامزاتوف تفتتح -
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|