|
|
لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف الحياة
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 18:29
المحور:
الادب والفن
ليس لويجي بيرانديللو مجرد واحد من كبار الأدباء الإيطاليين في القرن العشرين، بل هو أحد الذين غيّروا الطريقة التي يمكن أن ننظر بها إلى الإنسان والمسرح معًا. بدأ شاعرًا، ثم أصبح روائيًا وقاصًا، قبل أن يجد في المسرح المجال الأوسع لرؤيته الفنية والفكرية. وهناك جعل الشخصية موضع سؤال، والحقيقة متعددة، والهوية قابلة للتبدل، والمسرح قادرًا على النظر إلى نفسه كما ينظر إلى الحياة. ولهذا لم تكن جائزة نوبل في الأدب التي حصل عليها سنة 1934 تكريمًا لعمل منفرد، وإنما اعترافًا بمسار طويل من التجديد، فقد أشادت لجنة نوبل بإحيائه الجريء والبديع للفن الدرامي والمسرحي. لكن الوصول إلى هذه المكانة لم يكن طريقًا مستقيمًا. كان بيرانديللو ابن صقلية، ثم أصبح مثقفًا أوروبيًا، وبدأ حياته شاعرًا في ظل كبار شعراء إيطاليا، وخاض تجربة الرواية والقصة، وعاش أزمات عائلية واقتصادية تركت أثرًا في رؤيته للإنسان. ثم دخل المسرح، وهناك حدث التحول الأكبر. ولد لويجي بيرانديللو في 28 حزيران/يونيو 1867 في أغريجنتو بصقلية، في أسرة ارتبطت بصناعة الكبريت. وكانت صقلية في ذلك الوقت مجتمعًا شديد الخصوصية، تختلط فيه العائلة بالتقاليد والطبقات والعلاقات الاجتماعية، في الوقت الذي كانت فيه إيطاليا الحديثة تحاول تثبيت هويتها بعد الوحدة. لم تكن صقلية مجرد مكان ولادة في حياة بيرانديللو كانت البيئة الأولى التي تشكلت فيها نظرته إلى الإنسان. منها جاءت اهتماماته بالعائلة والمجتمع والريف والمدينة واللهجة والتقاليد، لكنه لم يتعامل معها بوصفها موضوعًا محليًا فقط. لقد أخذ الإنسان الصقلي إلى سؤال عالمي هل يستطيع الفرد أن يعيش كما يريد، أم أن المجتمع يصنع له صورة ثم يطالبه بأن يعيش داخلها؟ درس بيرانديللو في باليرمو وروما، ثم انتقل إلى ألمانيا والتحق بجامعة بون، حيث حصل عام 1891 على الدكتوراه في فقه اللغة الرومانية. كان هذا التكوين مهمًا في بناء شخصيته الثقافية، فقد جمع بين معرفة أكاديمية دقيقة بالأدب واللغة وبين تجربة أوروبية وسعت رؤيته خارج حدود البيئة الإيطالية. وهكذا أصبح منذ وقت مبكر صقليًا في الذاكرة، إيطاليًا في اللغة، أوروبيًا في التكوين، وإنسانيًا في الأسئلة. بدأ بيرانديللو حياته الأدبية شاعرًا. نشر Mal giocondo عام 1889، ثم ظهرت مجموعاته الشعرية الأخرى، ومنها Pasqua di Gea و Elegie renane و Zampogna و Fuori di chiave. كان شعره المبكر جزءًا من المناخ الشعري الإيطالي في أواخر القرن التاسع عشر، وتأثر خصوصًا بجوزويه كاردوتشي وغابرييلي دانونتسيو، إلى جانب ليوباردي وغوزانو. كان كاردوتشي يمثل الصرامة الكلاسيكية وقوة الإيقاع والبناء والعودة إلى التراث القديم، بينما كان دانونتسيو يمثل الموسيقى والحواس والجمال والطبيعة واللغة الغنية. استفاد بيرانديللو من الاثنين، لكنه لم يصبح نسخة من أي منهما. أخذ من كاردوتشي شيئًا من الانضباط، ومن دانونتسيو حساسية الصورة والموسيقى، ثم بدأ يبتعد عن الشعر الذي يجعل جمال اللغة غايته الأساسية. وفي Fuori di chiave ظهر ميل أوضح إلى اللغة اليومية والسخرية والمفارقة. وهنا بدأت الرحلة نحو صوته الخاص من جمال الصياغة إلى مفارقة الحياة، ومن القصيدة إلى الشخصية، ومن الصورة إلى المشهد. وتوضح المقارنة مع كبار الشعراء الإيطاليين موقع بيرانديللو بصورة أكثر دقة. فليوباردي يجعل الإنسان في مواجهة الكون والزمن والموت والوحدة، ودانونتسيو يحتفي بالجمال والطبيعة والحواس واللغة، وكاردوتشي يبحث عن الصرامة والإيقاع والتراث الكلاسيكي، أما بيرانديللو فكان يتجه شيئًا فشيئًا إلى الإنسان في حياته اليومية، داخل الأسرة والعمل والمجتمع، وإلى التناقض بين صورته عن نفسه وصور الآخرين عنه. ولهذا فإن شعره، رغم أنه لا يحتل المكانة التي يحتلها شعر كبار شعراء إيطاليا، يظل مهمًا لفهم تطوره فقد انتقلت شاعريته تدريجيًا إلى الحوار والمشهد والشخصية والمفارقة. تزوج بيرانديللو من أنطونيتا بورتولانو عام 1894، وكانت الأسرة مرتبطة باستثمار في مناجم الكبريت. ثم تعرض الاستثمار لخسارة كبيرة عام 1903 بسبب فيضان، في الوقت نفسه الذي تدهورت فيه الحالة النفسية لزوجته. أجبرته الأزمة على زيادة عمله في التدريس والكتابة، لكن المحنة لم تكن اقتصادية فقط فقد وضعته أمام أسئلة الحياة اليومية عن العقل والجنون والأسرة والهوية. لا يمكن اختزال أدبه في هذه التجربة، لكن من الصعب أيضًا تجاهل صداها في اهتمامه المتكرر بالإنسان المحاصر داخل ظروفه وبصورته المضطربة عن ذاته. في عام 1904 نشر روايته الشهيرة الراحل ماتيا باسكال. يكتشف ماتيا أن الآخرين يعتقدون أنه مات، فيقرر أن يستفيد من ذلك ليبدأ حياة جديدة. يبدو الأمر في البداية انتصارًا للحرية، لكنه سرعان ما يكتشف أن الإنسان لا يستطيع ببساطة أن يمحو هويته. فالاسم ليس مجرد اسم إنه ذاكرة وعلاقات وماضٍ واعتراف اجتماعي. وهكذا يتحول الهروب من الهوية إلى مأزق جديد. وتمثل الرواية خطوة مهمة في انتقال بيرانديللو من الرواية التقليدية إلى رواية السؤال. وفي روايته *واحد، لا أحد، مئة ألف*يبلغ سؤال الهوية مرحلة أكثر عمقًا. يكتشف البطل أن الصورة التي يحملها عن نفسه تختلف عن الصور التي يحملها الآخرون عنه. هو عند نفسه واحد، لكنه في عيون الآخرين مئة ألف، وحين تتعدد الصور إلى هذا الحد يبدو كأنه لا أحد. إنها واحدة من أكثر الأفكار مركزية في أدبه: الإنسان لا يعيش داخل هوية واحدة، بل داخل صور متعددة يصنعها الآخرون عنه. وهنا يظهر القناع، لا بوصفه مجرد وسيلة للإخفاء، بل بوصفه صورة اجتماعية قد يصبح الإنسان أسيرًا لها. وفي كتابه *الفكاهية* الصادر عام 1908، وضع بيرانديللو تصورًا جماليًا مهمًا للفكاهة. فالفكاهة ليست مجرد إضحاك؛ قد نرى إنسانًا في موقف مضحك فنضحك، لكن حين ننظر إلى ما وراء المظهر قد نكتشف مأساة، وعندها يتحول الضحك إلى تأمل وتعاطف. وهذه من أسرار فنه الكوميديا عنده يمكن أن تكون بابًا إلى المأساة، ولهذا تبدو شخصياته مضحكة ومؤلمة في اللحظة نفسها. بعد الشعر والرواية والقصة جاء المسرح، وهنا وجد بيرانديللو المجال الذي يسمح له بأن يجعل أفكاره تجربة حية أمام الجمهور. ففي المسرح يوجد المؤلف والممثل والشخصية والمخرج والجمهور، وبين هؤلاء جميعًا تنشأ لعبة الحقيقة والوهم. ومن هنا بدأ بيرانديللو يعيد بناء المسرح من الداخل. في مسرحية *هكذا هو الأمر، إن بدا لكم* تصبح الحقيقة نفسها موضع شك. كل شخصية تقدم تفسيرًا مختلفًا، وكل تفسير يبدو مقنعًا من موقع صاحبه، ولا يمنح بيرانديللو المتلقي جوابًا بسيطًا. إنه يدفعه إلى السؤال هل نستطيع أصلًا أن نمتلك حقيقة شخص آخر؟ وهنا يتحول المسرح من سرد الحكاية إلى مساءلة المعرفة نفسها. لكن التحول الأكبر جاء مع *ست شخصيات تبحث عن مؤلف*. تدخل ست شخصيات إلى بروفة مسرحية وتطالب الممثلين بأن يعرضوا قصتها، لكنها ليست ممثلين؛ إنها شخصيات خرجت من عالم المؤلف ولم تحصل على عمل مكتمل. وهنا يحدث الانقلاب الشخصية تناقش الممثل، والممثل يعترض، والمخرج يحاول السيطرة على المشهد، والشخصية تصر على أن تجربتها أكثر حقيقة من التمثيل الذي يحاول عرضه. وهكذا يصبح المسرح نفسه موضوع المسرحية. لقد كسر بيرانديللو الحدود بين النص والعرض، والشخصية والممثل، والمؤلف والجمهور، والحياة والتمثيل. وعندما عرضت المسرحية في روما سنة 1921 أثارت صدمة وجدالًا واسعًا قبل أن تنتشر عالميًا. ولفهم أهمية هذا التجديد، يمكن مقارنة بيرانديللو بكبار المسرحيين الذين سبقوه أو عاصروه. فإذا كان شكسبير قد جعل المسرح مرآة لصراعات الإنسان الكبرى، وإذا كان إبسن قد وضع الفرد في مواجهة المجتمع، وإذا كان تشيخوف قد كشف المأساة الكامنة في الحياة اليومية والانتظار والزمن، فإن بيرانديللو ذهب إلى طبقة أخرى من هو الإنسان الذي نراه أصلًا؟ شكسبير يسأل عن صراع الإنسان، وإبسن عن علاقته بالمجتمع، وتشيخوف عن الزمن والحياة التي تفلت من أيدينا، أما بيرانديللو فيسأل عن الهوية التي تتغير بحسب من ينظر إليها. وهنا تكمن خصوصيته. وفي *هنري الرابع* تصبح الهوية والجنون أكثر تعقيدًا. رجل يعيش داخل شخصية تاريخية بعد حادثة جعلته ينغمس في الدور، لكن بيرانديللو لا يكتفي بالسؤال: هل هو مجنون؟ بل يطرح سؤالًا آخر: من يملك حق تعريف العقل؟ وقد يبدو المجتمع الذي يعتقد أنه عاقل محاصرًا هو الآخر داخل أدوار وأوهام لا يعترف بها. وهكذا تصبح الحدود بين العقل والجنون غير مستقرة. وسيتضح أثر بيرانديللو أكثر حين نقارنه ببريشت. فكلاهما رفض أن يذوب المتفرج تمامًا في الوهم المسرحي، لكن الغاية مختلفة. بريشت يريد أن يوقظ المتفرج لكي يفكر في المجتمع والتاريخ والسلطة، أما بيرانديللو فيوقظه لكي يفكر في الحقيقة والهوية والتمثيل. بريشت يدفع المتلقي إلى النظر في العالم والطريقة التي صُنع بها، بينما يدفعه بيرانديللو إلى التوقف أولًا والسؤال أي عالم نرى؟ ولم يكن بيرانديللو من كتاب العبث بالمعنى التاريخي الدقيق، لكنه كان أحد أهم الممهدين له. فقد نقل المسرح إلى منطقة أصبحت فيها الهوية والحقيقة واللغة والتمثيل موضع أزمة، ثم جاء بيكيت ويونسكو وغيرهما ليذهبوا بهذه الأزمة إلى أماكن أخرى. ويمكن أن نرى المسار العام من أزمة الهوية عند بيرانديللو إلى أزمة الوجود والمعنى عند بيكيت، وأزمة اللغة والمنطق عند يونسكو. ومن هنا أصبح بيرانديللو أحد الجسور المهمة بين المسرح الحديث والمسرح التجريبي في القرن العشرين. وفي *هذه الليلة نرتجل* استمر تفكيك الحدود بين النص والعرض والممثل والمخرج. أما *عمالقة الجبل*، وهو آخر مشاريعه المسرحية الكبرى غير المكتملة، فيتجه إلى عالم أكثر رمزية وشعرية، وكأن بيرانديللو كان يتحرك من الواقع اليومي إلى فضاء الأسطورة والخيال. لكن الموت أوقف المشروع، وتوفي في روما في 10 كانون الأول/ديسمبر 1936، تاركًا وراءه واحدًا من أكثر المشاريع المسرحية تأثيرًا في القرن العشرين. ولا تكتمل صورته من دون الجانب السياسي. فقد انضم بيرانديللو إلى الحزب الفاشي سنة 1924، وارتبط مشروعه المسرحي في سنوات لاحقة بدعم رسمي، كما أصبح عضوًا في الأكاديمية الملكية الإيطالية. وفي عام 1935 تبرع بميدالية نوبل في سياق حملة الذهب للوطن المرتبطة بالحرب الإيطالية في إثيوبيا. هذه حقائق تاريخية ينبغي ألا نتجاوزها، لكنها لا تعني أن أدبه يمكن اختزاله في موقفه السياسي. فمن الخطأ أن نبرئه من الوقائع، ومن الخطأ أيضًا أن نمحو قيمته الفنية بسببها. القراءة الناضجة تقتضي الاعتراف بتعقيد العلاقة بين الفنان وعصره؛ فالفهم ليس تبريرًا، والنقد السياسي ليس إلغاءً للقيمة الفنية. وفي مرحلته المسرحية المتأخرة ارتبط بيرانديللو بالممثلة مارتا أبّا، وكان تعاونها معه مهمًا في تحويل مشروعه من النص إلى تجربة مسرحية حية. وهنا أصبح الممثل أكثر من مجرد ناقل للنص، وأصبح الجسد والصوت والحركة والإيقاع جزءًا من بناء الشخصية. وهذا أحد أسباب أهمية بيرانديللو للمسرح الحديث لم يفكر في الدراما بوصفها أدبًا مكتوبًا فقط، وإنما بوصفها فنًا يحدث أمام المتلقي. وحين حصل بيرانديللو على جائزة نوبل في الأدب سنة 1934، كانت الجائزة تتويجًا لمسار طويل. لم يكن السبب رواية واحدة أو مسرحية واحدة، بل إعادة النظر في الشخصية والهوية والعلاقة بين المؤلف والممثل، والعلاقة بين الواقع والتمثيل، وبنية المسرحية، وعلاقة الجمهور بالعرض. وكان تجديده جريئًا لأنه لم يكتفِ بتغيير الموضوعات، بل شكك في القواعد التي يقوم عليها المسرح نفسه. وفي إيطاليا أعاد بيرانديللو صياغة موقع المسرح في الثقافة الأوروبية. استفاد من تقاليد الكوميديا الإيطالية ومن اللهجة والبيئة المحلية، لكنه دفعها نحو أسئلة حديثة تتعلق بالهوية والوعي والحقيقة. وهكذا خرج المسرح معه من حدود التسلية الاجتماعية إلى فضاء فكري وجمالي أكثر اتساعًا. أما عالميًا، فقد انتشرت أعماله في أوروبا وأمريكا، وتركت أفكاره أثرًا في المسرح الذي يهتم بالعلاقة بين الشخصية والممثل، وبين النص والعرض، وبين الواقع والتمثيل. ومن خلال هذه الطريق أصبح أحد الممهدين للمسرح التجريبي ومسرح العبث. لكن أهم تأثيراته ليست في التقنيات وحدها، وإنما في طريقة النظر إلى الإنسان فقد جعل الشخصية نفسها سؤالًا، وهذه ربما أعظم هدية تركها للمسرح الحديث. ولا يصح أن نقارن شعر بيرانديللو بشعر ليوباردي أو دانونتسيو ونطالبه بالمكانة نفسها. فقيمة شعره الأساسية تكمن في أنه يكشف مرحلة التكوين. بدأ من الموسيقى الشعرية والتقاليد الأدبية، ثم اقترب من اللغة اليومية والمفارقة، وبعد ذلك انتقلت عناصر شاعريته إلى القصة والرواية والمسرح. ويمكن القول إن الشاعر لم يمت عندما أصبح المسرحي لقد انتقل شعره من القصيدة إلى الحوار، ومن الصورة إلى الشخصية، ومن الإيقاع إلى المشهد. وهذه إحدى أجمل مفارقات تجربته الأدبية. وربما أصبح بيرانديللو أكثر معاصرة اليوم مما كان عليه في زمنه. فالإنسان الحديث يعيش في صور متعددة صورة أمام العائلة، وأخرى أمام المجتمع، وأخرى أمام العمل، وأخرى يصنعها لنفسه. وفي عالم الصورة ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت المشكلة أكثر تعقيدًا أي صورة هي أنا؟ هنا يبدو أن بيرانديللو قد لمس مبكرًا مشكلة أصبحت جزءًا من الحياة الحديثة. فالإنسان ليس فقط من يعتقد أنه هو إنه أيضًا ما يراه الآخرون فيه، وربما ما يريد منهم أن يروه. ولا تحتاج الأعمال العظيمة إلى مؤلفين بلا تناقض. بيرانديللو مثال واضح على ذلك. كان فنانًا شديد الجرأة في تفكيك الأقنعة، لكنه عاش هو نفسه داخل ظروف سياسية وتاريخية دفعته إلى مواقف قابلة للنقد. وهذا لا يجعل من الضروري تبرئته، ولا يجعل من الضروري إلغاء أدبه. الأدب الكبير لا يعيش دائمًا في منطقة الطهارة الأخلاقية الكاملة إنه يعيش أحيانًا في التناقض الإنساني نفسه. ولهذا فإن قراءة بيرانديللو تزداد عمقًا حين نراه كاملًا الفنان، والمثقف، والإنسان، والمواطن، والسياسي، والزوج، والمسرحي. بدأ لويجي بيرانديللو شاعرًا في صقلية، ثم أصبح روائيًا وقاصًا، قبل أن يجد في المسرح المجال الذي يستطيع فيه أن يجمع كل أسئلته. أخذ من كاردوتشي الصرامة، ومن دانونتسيو حساسية اللغة، ومن البيئة الصقلية مادته الإنسانية، ومن التجربة الأوروبية اتساع الرؤية، ومن أزماته الشخصية معرفة أكثر قسوة بتعقيد الإنسان. ثم فعل شيئًا لم يكن سهلًا حوّل أزمة الهوية إلى فن مسرحي. لم يقل إن الإنسان يرتدي قناعًا فقط. كانت جرأته أكبر من ذلك. لقد سأل ماذا لو لم يكن وراء القناع وجه واحد؟ ماذا لو كنا مختلفين في عيون الآخرين؟ ماذا لو كانت الشخصية التي يصنعها الفن أكثر ثباتًا من الإنسان الذي يعيش؟ وماذا لو كان المسرح، بدل أن يخفي حقيقة الحياة، يستطيع أن يكشف استحالتها؟ هنا تكمن عظمة بيرانديللو. شكسبير جعل الإنسان يرى نفسه في صراعات العالم، وإبسن وضعه في مواجهة المجتمع، وتشيخوف كشف هشاشته أمام الزمن والحياة اليومية، وبريشت جعله يفكر في التاريخ والمجتمع؛ أما بيرانديللو فأوقفه أمام المرآة وسأله أي وجه من وجوهك هو أنت؟ ولهذا لم تنتهِ مسرحياته عندما تنتهي عروضها. تسقط الستارة، لكن السؤال يبقى يبقى في الشخصية، ويبقى في الممثل، ويبقى في المتفرج، وربما يبقى فينا نحن، لأن كل واحد منا يحمل أكثر من صورة عن نفسه، وأكثر من صورة يحملها الآخرون عنه. وهناك، في المسافة بين الوجه والقناع، بين الحياة والمسرح، وبين الحقيقة والصورة، تبدأ البيرانديللية التي جعلت لويجي بيرانديللو واحدًا من أهم الأسماء التي غيرت الأدب والمسرح في القرن العشرين.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النغم الجليل المبارك
-
إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
-
لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
-
من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
-
عقلنة الكلمات
-
جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
-
بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل
-
التشابه بلا وصايا
-
إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا
...
-
سينكلير لويس Sinclair Lewis الكاتب الذي قرأ أمريكا وكتبها
-
توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب
-
سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان
-
هنري برغسون الوعي الداخلي والتطور الخلاق
-
الحياة
-
غراتسيا ديليدا Grazia Deledda بعد مئة عام من نوبل، حين يتحول
...
-
الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
-
جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
-
حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
-
فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
-
العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
المزيد.....
-
أغنية من ألبوم كاظم الساهر تختفي بعد طرحها بأيام.. ما القصة؟
...
-
الأربعاء.. ثماني جامعات فلسطينية تلتقي على خشبة القصبة في مه
...
-
تالا صندوقة: فنانة مقدسية تعيد إحياء الذاكرة الفلسطينية عبر
...
-
حكايات بين الصفحات.. حين تحتفظ الكتب المستعملة بآثار قرائها
...
-
سوريا ضيف شرف معرض عمّان الدولي للكتاب في دورته الـ25
-
بورنهام يتراجع عن دعمه إعادة منحوتات البارثينون إلى اليونان
...
-
-على غفلة-.. الكهرباء تطفئ حفل مروان خوري وتضع حدا للسهرة (ف
...
-
200 فنان عالمي يطالبون مهرجان فينيسيا بوقفات جادة دعما لفلسط
...
-
نجم أمريكي يتعرض لموقف محرج على المسرح (فيديو)
-
فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|