|
|
إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 10:01
المحور:
الادب والفن
إيفان بونين أول روسي نال نوبل، حين تصبح الشعرية أقوى من الموقف
حين أعلنت الأكاديمية السويدية عام 1933 منح جائزة نوبل للآداب لإيفان ألكسييفيتش بونين، كان العالم الأدبي أمام لحظة ذات دلالة خاصة فقد أصبح بونين أول كاتب روسي ينال جائزة نوبل للآداب. ولم يكن يعيش آنذاك في روسيا، بل في فرنسا التي وصل إليها مهاجرًا بعد الثورة الروسية. وقد صاغت الأكاديمية سبب الجائزة بهذه العبارة للفن الصارم الذي واصل به التقاليد الروسية الكلاسيكية في الكتابة النثرية. وهذه الصياغة تكشف جانبًا أساسيًا من مكانته فبونين لم يكن كاتبًا يقطع الصلة بالماضي الروسي، وإنما كان يجدد تقاليد الأدب الروسي الكلاسيكي من داخلها، ويمنحها حياة جديدة في القرن العشرين. لكن نوبل لم تكن بداية مكانته، وإنما كانت تتويجًا لمسيرة طويلة بدأت في روسيا قبل ذلك بعقود. كان بونين شاعرًا وكاتب قصة وروائيًا ومترجمًا، وانتُخب عام 1909 عضوًا فخريًا في أكاديمية العلوم الروسية، كما ارتبط اسمه مبكرًا بالشعر وبالنثر وبالحياة الأدبية الروسية. وحين اضطر إلى مغادرة بلاده، لم يغادرها في داخله حملها معه في ذاكرته، وفي لغته، وفي صور طفولته، وفي الأشخاص والأماكن والأزمنة التي ظل يستعيدها أدبيًا. وهنا تبدأ خصوصية بونين لقد عاش التاريخ، لكنه كتب الزمن. ولد إيفان ألكسييفيتش بونين في 22 أكتوبر 1870 في فورونيج، في أسرة من ملاك الأراضي ذات جذور نبيلة، وقضى طفولته في الريف الروسي. وكانت هذه البيئة من أهم منابع تكوينه الأدبي؛ فقد عرف منذ الصغر الطبيعة والفصول والحياة الزراعية والحكايات الشعبية واللغة الروسية في صورتها الحية. وكانت والدته من الذين أدخلوا إلى عالمه الفولكلور الروسي، بينما كان لأخيه الأكبر يولي دور مهم في توسيع ثقافته وتعليمه. ولم يستطع بونين إكمال تعليمه المدرسي بسبب الظروف المالية، لكنه عوض ذلك بقراءة واسعة وتكوين ذاتي جعل ثقافته تتشكل من الأدب والتاريخ والفلسفة والتجربة المباشرة. بدأ نشر الشعر في سن مبكرة، ونشر أول قصيدة له عام 1887، ثم عمل في الصحافة، ومنها دخل إلى الحياة الأدبية والثقافية الروسية. كانت الصحافة بالنسبة إليه مدرسة عملية فقد قربته من المجتمع واللغة اليومية والحياة الثقافية، وأتاحت له التعرف إلى عدد من كبار أدباء عصره. ارتبط بعلاقات أدبية مع أنطون تشيخوف ومكسيم غوركي وغيرهما، وكان تشيخوف من الشخصيات التي تركت أثرًا مهمًا في وعيه الأدبي. وبين الرجلين صلات في الاقتصاد اللغوي والابتعاد عن الخطابة والعناية بالتفصيل الصغير، وإن اختلفت رؤيتهما للعالم وطريقة بناء العمل الأدبي. وحصل بونين على جائزة بوشكين عامي 1903 و1909، وفي العام الأخير انتُخب عضوًا فخريًا في أكاديمية العلوم الروسية، الأمر الذي يؤكد أن مكانته الأدبية كانت راسخة في روسيا قبل أن يعرف العالم اسمه بوصفه كاتبًا مهاجرًا. وإذا كانت شهرته العالمية قد ارتبطت بالنثر، فإن شعره هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم عالمه كله. لقد بدأ شاعرًا، وظلت عين الشاعر وأذنه حاضرتين في نثره حتى النهاية. كتب أكثر من مئتي قصيدة، وظهرت دواوينه ومجموعاته الشعرية منذ قصائد 1887–1891، ثم تحت السماء المفتوحة، وأوراق الخريف وغيرها. وفي شعره المبكر ظهرت عناصر من الرمزية، لكن حساسيته بقيت مرتبطة بالطبيعة وبالواقعية وباللغة الروسية الكلاسيكية. وقد عُرف شعره بالدقة التقنية والصنعة الفنية وبقدرته على تحويل المشهد الطبيعي إلى تجربة داخلية. وشعر بونين عميق وقوي، لكن قوته ليست في الغموض أو الخطابة إنه عمق لا يحتاج إلى إعلان نفسه. يضع أمامنا صورة صغيرة، ثم يتركها تعمل في داخلنا. بونين لا يجعل الشيء البسيط صغيرًا بل يجعل البسيط قادرًا على حمل المعنى الكبير. الخريف ليس فصلًا فقط، والليل ليس غيابًا للضوء، والزهرة ليست مجرد زهرة، والريح ليست مجرد حركة في الهواء كل شيء عنده يحمل أثر الزمن. ولذلك تتكرر في شعره موضوعات الطبيعة والجمال والحب والموت والفقد والزوال، لكن من دون أن تتحول القصيدة إلى موعظة فلسفية. إنه لا يكتب عن الموت لأنه عاشق للموت، وإنما لأنه يرى الحياة بوضوح ولذلك يعرف أن كل جمال يحمل في داخله احتمال الفقد. والجمال عند بونين لا تقل قيمته لأنه زائل، وربما تزداد قيمته لأنه زائل. ومن هنا يأتي الحزن في شعره إنه ليس حزنًا شكائيًا ولا يأسًا، وإنما حزن إنسان يعرف قيمة ما يفقده. وهنا تبرز واحدة من أهم خصائص تجربته شعرية بونين تقوى على الفلسفة والموقف. فهو يمتلك رؤية فلسفية واضحة للحياة، وله مواقف سياسية وتاريخية معروفة، لكنه لا يسمح للفلسفة أو السياسة بأن تبتلع الشعر. والموقف التاريخي أو السياسي لا يبتلع القصيدة فالشعر عند بونين أقوى من الظرف الذي وُلد فيه، وأبقى من الموقف الذي أحاط به. إنه لا يقول لنا إن الحياة قصيرة، بل يجعلنا نشعر بذلك حين نرى ورقة تسقط ولا يقول إن الإنسان فانٍ، بل يجعلنا نرى جمال لحظة يعرف أنها لن تعود ولا يقول إن الوطن يمكن أن يصبح ذاكرة، بل يجعلنا نشم رائحة بيت أو حقل أو خريف بعيد. وهنا تنتصر الشعرية على الفلسفة فالفكرة لا تختفي، لكنها تتحول إلى إحساس، وتنتصر الشعرية على الموقف فالحدث لا يختفي، لكنه يتحول إلى تجربة إنسانية تتجاوز زمنه. وتقدم قصيدته آخر نحلة طنانة التي كتبها عام 1916 مثالًا واضحًا على هذه الطريقة. النحلة الطنانة تدخل في نهاية الصيف إلى فضاء الإنسان، بينما الحقول تستعد للخلو والريح تقترب. الصورة بسيطة، لكن ما وراءها عميق. النحلة تعيش اللحظة، بينما الإنسان يعرف أنها عابرة، وهنا يصبح الكائن الصغير مرآة للوعي الإنساني. النحلة لا تعرف النهاية، أما الإنسان فيعرفها ولهذا يمكن أن يصبح الوعي بالزمن مصدرًا للحزن، لكنه في الوقت نفسه مصدر للمعنى. ولا تحتاج القصيدة إلى تفسير سياسي مباشر؛ فقوتها لا تعتمد على إسقاطات تاريخية لاحقة، وإنما على معناها الإنساني. إنها قصيدة عن الزمن والزوال والجمال، ولذلك تستطيع أن تتجاوز لحظتها التاريخية. وهذا بالضبط ما يجعل شعر بونين قادرًا على البقاء الشعر لا يسجل الحدث، وإنما يحفظ ما تركه الحدث في الروح. وفي أوراق الخريف تظهر علاقته العميقة بالخريف بوصفه زمنًا للحركة نحو النهاية. فالطبيعة عنده تكاد تمتلك وعيًا إنسانيًا، والإنسان يرى نفسه فيها، والطبيعة تكشف له شيئًا عن نفسه. ولهذا فإن الخريف عند بونين ليس مجرد فصل، وإنما حالة من حالات الوجود جمال يقترب من نهايته، وهدوء يسبق الغياب، وذاكرة تتشكل في اللحظة نفسها التي يوشك فيها الشيء على الرحيل. وعندما انتقل بونين إلى النثر لم يتخل عن الشعر. والأدق أنه ظل شاعرًا وهو يكتب النثر. لذلك فإن قصصه كثيرًا ما تعتمد على لحظة أو رائحة أو مشهد أو صوت، ثم تتسع هذه الجزئية لتفتح عالمًا كاملًا. في نثره نجد الاقتصاد نفسه الذي نجده في شعره، لكن على مساحة أوسع. ومن هنا يمكن القول إن بونين ليس شاعرًا تحول إلى ناثر، بل شاعر ظل يكتب النثر دون أن يفقد عين الشاعر. في تفاحات أنتونوف يستعيد عالم الريف الروسي من خلال الحواس رائحة التفاح، الهواء، الحقول، الأصوات، الضوء والفصول. الماضي لا يعود هنا بوصفه سجلًا تاريخيًا، وإنما يعود كإحساس. وهذه إحدى أهم خصائصه يمكن لرائحة واحدة أن تعيد طفولة كاملة، ويمكن لصوت أن يعيد بيتًا، ويمكن لمنظر صغير أن يفتح بابًا إلى زمن مضى. الذاكرة عند بونين ليست أرشيفًا إنها حاسة من حواس الإنسان. وفي القرية والوادي الجاف ينتقل بونين إلى مساحة اجتماعية أوسع. نرى الريف الروسي وملاك الأراضي والفلاحين والفقر والعنف والانحلال الاجتماعي والتناقضات الطبقية. لم يكن يكتب الريف بوصفه فردوسًا مفقودًا، ولم يقدم الفلاح بوصفه صورة مثالية، كما لم يجعل طبقة ملاك الأراضي بطلة أخلاقية. لقد رأى عالمًا متناقضًا يقترب من نهايته، ووصف الحياة الريفية بقسوتها وانهيار الطبقة المالكة للأرض، محاولًا أن يقدم روسيا بلا مساحيق. وهنا تظهر صلته بالتقاليد الواقعية الروسية، وفي الوقت نفسه تظهر خصوصيته في الإحساس بأن عالمًا كاملًا يتجه إلى الزوال. وفي السيد من سان فرانسيسكو يتجاوز بونين الحدود الروسية ليطرح سؤالًا إنسانيًا عامًا. رجل ثري يعتقد أن المال والترف والمكانة قادرة على تنظيم الحياة، ثم يأتي الموت ليثبت أن الإنسان لا يستطيع شراء الزمن. وهنا تتكرر أسئلة بونين ماذا يبقى من الإنسان عندما تسقط عنه ثروته؟ ماذا يبقى من الحب عندما ينتهي؟ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيدًا؟ ماذا يبقى من الحياة عندما تصبح ذكرى؟ وهذه الأسئلة هي التي تجعل بونين عالميًا لأن الحدث عنده مهما كان روسيًا في مظهره يستطيع أن يتحول إلى تجربة إنسانية عامة. وكان الحب والفقد حاضرين في حياته كما هما حاضران في أدبه. مر بتجارب عاطفية وزوجية، وفقد ابنه في طفولته، ثم ارتبط بفيرا مورومتسيفا التي أصبحت رفيقته الأساسية في حياته اللاحقة ورافقته في سنوات المنفى والسفر. ولا ينبغي أن نحول حياة الكاتب إلى مفتاح مباشر لتفسير كل شخصية في أعماله، لكن من الصعب تجاهل أن الحب والفقد والرحيل تركت أثرًا واضحًا في حساسيته الأدبية. ولهذا فإن الحب عند بونين ليس مجرد موضوع عاطفي إنه أحد الأماكن التي يظهر فيها الزمن بأوضح صورة. فالإنسان لا يخاف فقدان الحب فقط، بل يخاف أن تصبح اللحظة التي عاشها معه ذكرى لا يمكن استعادتها. ولم يكن بونين أسير الريف الروسي وحده فقد سافر كثيرًا، وزار أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط والبلقان. وكان السفر جزءًا من اتساع تجربته الثقافية، لكنه أدى إلى مفارقة عميقة كلما اتسع العالم أمامه، أصبح الوطن في داخله أكثر حضورًا. وهكذا تحول الوطن تدريجيًا من مكان جغرافي إلى ذاكرة ثقافية وحسية. ثم جاءت الثورة الروسية لتغير حياته بصورة جذرية. كان معارضًا للثورة البلشفية، وسجل مشاهداته وانطباعاته في أيام ملعونة، وهي يوميات وُلدت من سنوات الثورة والحرب الأهلية، ثم غادر روسيا عام 1920 واستقر في فرنسا. خرج من روسيا عبر أوديسا إلى القسطنطينية، ثم مر بصوفيا وبلغراد قبل أن يصل إلى باريس. وفي المنفى انخرط في الحياة الأدبية والسياسية للمهاجرين الروس، وواصل الكتابة والنشر. لكن المنفى عند بونين لم يكن مجرد قضية سياسية لقد أصبح سؤالًا وجوديًا كيف يعيش الإنسان بعيدًا عن المكان الذي صنع طفولته ولغته وذاكرته؟ كيف يصبح الوطن شيئًا لا يستطيع الإنسان الوصول إليه إلا من خلال الذاكرة؟ وهنا تصبح روسيا عنده أقل شبهًا بالخريطة وأكثر شبهًا بالحلم. ومن هذه النقطة تحديدًا ينبغي أن نفهم موقفه السياسي دون أن نختزل أدبه فيه فقد كان موقفه من الثورة حادًا، لكن القيمة الفنية لأعماله لا تتوقف على موافقتنا أو اختلافنا مع موقفه السياسي. ومن الضروري هنا التمييز بين التاريخ والزمن. التاريخ هو ما حدث وترك أثرًا في الإنسان والمجتمع والذاكرة، أما الزمن فهو المجرى الذي تجري فيه الحياة ويتغير فيه الإنسان حتى عندما لا يقع حدث تاريخي واضح. وبعبارة تختصر تجربة بونين كلها التاريخ يروي ما جرى، والزمن يكشف ما بقي. الثورة تاريخ، والحرب تاريخ، والمنفى تاريخ، لكن ما الذي يبقى بعد كل ذلك؟ تبقى صورة الأم، ورائحة البيت، وشجرة، وامرأة أحبها الإنسان، وطفولة، وأغنية، ولحظة ضوء. وهنا يتحول التاريخ إلى أدب. فالتاريخ يسجل الحدث، أما الأدب فيحاول أن يكشف أثر الحدث في الروح. ولهذا كان بونين كاتب الزمن أكثر من كونه كاتب التاريخ. وفي *حياة أرسينييف* يقترب بونين من السيرة الذاتية، لكنه لا يقدم حياته كسجل للوقائع وإنما يعيد بناء الطفولة والشباب والحب واكتشاف العالم وتكوين الوعي. إنه يحاول أن يستعيد الحياة باللغة. ولهذا تصبح الكتابة عنده فعل مقاومة للنسيان. فاللغة لا توقف الزمن، لكنها تحفظ أثره. وقد عُد هذا العمل من أبرز ما كتبه في المنفى، وارتبط اسمه بصورة وثيقة بمسيرته التي انتهت إلى نوبل. وفي*الأزقة المظلمة* يبلغ موضوع الحب والفقد درجة عالية من التركيز. الحب قد ينتهي، لكن أثره لا ينتهي بالضرورة، وقد يمر العمر، لكن لحظة واحدة قد تظل حية في الذاكرة. وهنا يصبح الحب نفسه شكلًا من أشكال الزمن. إن بونين لا يسأل فقط هل أحببنا؟ بل يسأل ماذا يفعل الزمن بما أحببناه؟ وقد كتب معظم قصص هذه المجموعة في سنوات الحرب العالمية الثانية، وصدرت المجموعة كاملة في باريس عام 1946، لتصبح واحدة من أشهر مجموعاته القصصية المتأخرة. وإذا قارنا بونين بكبار الأدباء الروس، نجد أن تولستوي يضع الإنسان في مواجهة المجتمع والتاريخ والأخلاق على مساحة واسعة، بينما يميل بونين إلى اللحظة الصغيرة التي تستطيع أن تحمل تاريخًا داخليًا كاملًا. ومع دوستويفسكي يختلفان في الطريق إلى النفس فدوستويفسكي يدخل إليها عبر الذنب والإيمان والشك والحرية والصراع الوجودي، بينما يدخل بونين عبر الحب والجمال والطبيعة والموت. أما تورغينيف فهو الأقرب إليه في حساسية الطبيعة والريف والحب، لكن تورغينيف يرسم العالم، بينما بونين يستعيده من الذاكرة. ومع تشيخوف يلتقي في الاقتصاد والابتعاد عن الخطابة والاهتمام بالتفاصيل، لكن تشيخوف أكثر انشغالًا بالحياة اليومية والمفارقة الإنسانية، بينما يذهب بونين أبعد في الذاكرة والزمن والفقد. أما بوشكين فيمثل بالنسبة إلى بونين أحد أصول الصفاء اللغوي والموسيقي الروسي، لكن بوشكين شاعر التأسيس والتجديد، في حين يبدو بونين شاعر الاستمرار والذاكرة. وعلى المستوى العالمي يمكن أن نضع بونين في حوار مع فلوبير وبروست وهمنغواي. مع فلوبير يلتقي في صرامة الأسلوب والعناية بالتفصيل، ومع بروست يلتقي في مركزية الذاكرة، لكن بروست يبني عالمًا زمنيًا هائلًا، بينما يستطيع بونين أن يلتقط الذاكرة في ومضة حسية. ومع همنغواي يلتقي في الاقتصاد، لكن اقتصاد همنغواي كثيرًا ما يخفي وراءه ما لم يُقل، بينما اقتصاد بونين يكثف ما يُحس. ومع ذلك لا يبدو بونين نسخة من أحد فهو يحتفظ بمكانه الخاص في الأدب العالمي، لأن تجربته تقوم على التقاء عناصر قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة القوة في اجتماعها الجمال والذاكرة والزمن والحب والفقد والطبيعة. وعندما نعود إلى سؤال البداية لماذا حصل بونين على نوبل؟ يصبح الجواب أكثر وضوحًا. لم تكن الجائزة مجرد مكافأة لموقفه السياسي، ولم تكن تكريمًا للمنفى، ولم تكن نتيجة شهرته الروسية وحدها. لقد حصل عليها لأنه كان صاحب فن أدبي شديد الصرامة، استطاع أن يواصل تقاليد النثر الروسي الكلاسيكي وأن يمنحها حياة جديدة في القرن العشرين. وقد ركزت صيغة الجائزة نفسها على هذا الجانب الفني، لا على موقفه السياسي. جمع بونين بين صفاء اللغة وقوة الصورة، وبين الشعرية والواقعية، وبين الاقتصاد والعمق، وبين التجربة الفردية والبعد الإنساني العام. وكان قادرًا على أن يأخذ تفصيلًا صغيرًا ويمنحه قيمة وجودية واسعة. وهذا هو سر عظمته. لم يكن بحاجة إلى أن يرفع صوته كي يكون قويًا، ولم يكن بحاجة إلى أن يعلن فلسفته كي يكون عميقًا، ولم يكن بحاجة إلى أن يحول الأدب إلى بيان سياسي كي يكون شاهدًا على عصره. كانت شعرية بونين أقوى من الفلسفة والموقف لأن الفلسفة عنده تتحول إلى إحساس، والموقف يتحول إلى تجربة، والتاريخ يتحول إلى ذاكرة. وهنا يمكن فهم موقعه بين أدباء روسيا والعالم بصورة أعمق بوشكين يمثل صفاء اللغة والتأسيس، وتولستوي اتساع التجربة الأخلاقية والاجتماعية، ودوستويفسكي العمق النفسي والوجودي، وتورغينيف حساسية الطبيعة والريف، وتشيخوف الاقتصاد والمفارقة الإنسانية، وبروست الذاكرة والزمن، وفلوبير صرامة الأسلوب، وهمنغواي الاقتصاد والصمت أما بونين فيلتقي مع هؤلاء جميعًا في بعض الملامح، لكنه لا يذوب في أي منهم. خصوصيته تكمن في قدرته على جعل الجمال نفسه حاملًا لفكرة الزوال، والذاكرة شكلًا من أشكال مقاومة الزمن، والشعرية وسيلة لتجاوز الظرف التاريخي. إيفان بونين إذن ليس كاتبًا عن روسيا فقط، ولا عن المنفى فقط، ولا عن الطبيعة فقط. إنه، في جوهره، كاتب ما يفعله الزمن بالإنسان. لقد رأى عالمًا ينهار، ووطنًا يبتعد، وأشخاصًا يرحلون، وحبًا ينتهي، وطفولة لا يمكن استعادتها، لكنه وجد في اللغة مكانًا يستطيع فيه الإنسان أن يعيد رؤية ما فقده. ومن هنا تصبح الكتابة عنده أكثر من تسجيل للوقائع؛ إنها محاولة لإنقاذ التجربة من النسيان. ماذا يستطيع الأدب أن يفعل أمام الزمن؟ لا يستطيع أن يعيد الموتى، ولا يستطيع أن يعيد الوطن، ولا يستطيع أن يوقف الشيخوخة، ولا يستطيع أن يمنع الحب من الانتهاء، لكنه يستطيع أن يمنح اللحظة التي مضت حياة أخرى. وهذا ما فعله بونين. لقد فقد وطنه في التاريخ، لكنه استعاد وطنه في الأدب. وحين اختفى عالم كامل من حوله، لم يحاول أن يعيده كما كان، بل حفظ أثره في اللغة. ولهذا يصبح الفرق بين التاريخ والزمن أكثر وضوحًا في تجربته التاريخ يروي ما جرى، والزمن يكشف ما بقي. وبونين كان مشغولًا بما بقي. بقيت رائحة الخريف، ودفء بيت قديم، وطريق في الريف، وامرأة أحبها، وطفولة بعيدة، وليل طويل، وكائن صغير يمر في نهاية الصيف. قد تبدو هذه الأشياء صغيرة في حساب التاريخ، لكنها في حساب الأدب تستطيع أن تحمل حياة كاملة. وهنا تكمن قوة بونين الحقيقية لم يستطع أن ينتصر على الزمن، لكنه استطاع أن ينتصر على النسيان.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
-
من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
-
عقلنة الكلمات
-
جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
-
بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل
-
التشابه بلا وصايا
-
إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا
...
-
سينكلير لويس Sinclair Lewis الكاتب الذي قرأ أمريكا وكتبها
-
توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب
-
سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان
-
هنري برغسون الوعي الداخلي والتطور الخلاق
-
الحياة
-
غراتسيا ديليدا Grazia Deledda بعد مئة عام من نوبل، حين يتحول
...
-
الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
-
جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
-
حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
-
فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
-
العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.
-
المحراث القديم
-
أناتولي فاسيليف المسرح بين التلمذة والحضور والحرية
المزيد.....
-
رحيل أيقونة البولكا.. وفاة الفنانة اليابانية يايوي كوساما عن
...
-
مهرجان التراث الإسلامي بكالغاري.. احتفاء بالتنوع وردّ حضاري
...
-
أسرة أحمد السقا تكشف حقيقة زواجه الجديد
-
الدفاع الروسية تعلق على فيديو زيلينسكي المزيف باقتباس من فيل
...
-
حملة المليون كتاب.. لبنان يتمسك بذاكرته في مواجهة التدمير ال
...
-
نقل الفنان المصري بيومي فؤاد للمستشفى
-
اليابان: رحيل يايوي كوساما... الفنانة التي حوّلت عالمها الدا
...
-
هل يعود نصب بوشكين إلى موقعه التاريخي في موسكو؟
-
أزمة تجنيد في شرطة برلين بسبب ضعف اللغة الألمانية لدى المتقد
...
-
في يوم السينما الروسية.. إصدار مقطع دعائي لفيلم -تشيبوراشكا
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|