|
|
وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 12:03
المحور:
الادب والفن
وليم فوكنر William Faulkner حين يصبح العالم رواية
يبدأ فهم وليم فوكنر من الإنسان قبل أن يبدأ من الرواية، ومن العالم الذي عاش فيه قبل أن نصل إلى العالم الذي صنعه في الكتابة. ولد في الجنوب الأمريكي، في بيئة تحمل تاريخًا كثيفًا من العائلة والطبقة والعرق والحرب والهزيمة والذاكرة، ولم يكن ذلك التاريخ بالنسبة إليه صفحات بعيدة في كتاب، بل شيئًا حاضرًا في البيوت والطرقات والعلاقات واللغة ونظرة الناس إلى أنفسهم وإلى الآخرين. ومن هنا يمكن أن نفهم جانبًا أساسيًا من تجربته الكاتب لا يرث الماضي وحده، بل يرث أيضًا طريقة النظر إليه، وما يفعله الأدب هو أن يضع هذه النظرة أمام امتحان جديد. لم يكن فوكنر يكتب عن الجنوب لكي يسجله كما هو، وإنما أخذ مكانًا محددًا وحوله إلى مجال واسع لفهم الإنسان، حتى أصبح المكان عنده أكثر من جغرافيا صار ذاكرة اجتماعية ونفسية وأخلاقية تتحرك داخل الشخصيات وتترك آثارها في سلوكها ومصائرها. ولم يكن هذا العالم وليد البيئة وحدها، فقد كانت هناك العائلة والمكان والتاريخ والتجربة الشخصية، ثم المكتبة التي فتحت أمامه أبوابًا أخرى من الأدب والثقافة، غير أن ما يقرأه الكاتب لا يبقى خارج تجربته يدخل إلى وعيه ويمتزج بما عاشه ثم يخرج في صورة جديدة، ولذلك لا يمكن رد تجربة فوكنر إلى مصدر واحد العائلة أعطته مادة بشرية، والجنوب أعطاه المكان والتاريخ، والقراءة وسعت أفقه، والتجربة أعطته حساسيته الخاصة، والكتابة نفسها كانت المختبر الذي جمع كل ذلك وأعاد تشكيله، فالكاتب لا يصنع عالمه وحده الكتابة تصنع الكاتب أيضًا. ومن هنا يمكن الاقتراب من طبيعة الأدب الأمريكي الذي ظهر فوكنر في داخله، من دون تحويل الأمر إلى تاريخ كامل للرواية الأمريكية كان الأدب الأمريكي يتشكل في مجتمع سريع الحركة، تتجاور فيه فكرة الفرد واتساع البلاد والهجرة والصراع الاجتماعي والتقدم مع بقايا الماضي، والحلم مع العنف الذي صاحب بناء المجتمع، ولذلك كان سؤال الإنسان الأمريكي متصلًا بالهوية والمكان والحرية والذاكرة والتاريخ في وقت واحد، وفي هذا المناخ وجد فوكنر مادته الخاصة، لكنه لم يبق داخل حدودها، فقد أخذ الجنوب الأمريكي وجعله نافذة على الإنسان في كل مكان. ظهر ذلك بوضوح في مقاطعته المتخيلة يوكنا باتوفا، التي لم تكن مجرد مسرح تتكرر فيه الأحداث، بل عالمًا روائيًا يتسع مع كل عمل، تتقاطع فيه العائلات والأجيال والطبقات والذكريات، وتعود الأحداث من زوايا مختلفة، كأن الحقيقة لا تسكن في صوت واحد. هنا يبدأ فوكنر في تحويل المكان إلى كائن روائي له ذاكرة، وتحويل الذاكرة إلى قوة تؤثر في الحاضر لم يكن يكتب عن الماضي بقدر ما كان يكتب عن الطريقة التي يواصل بها الماضي عيشه في الحاضر، فالتاريخ عنده لا يقف خلف الشخصيات، بل يتحرك داخلها، يظهر في خوفها وغضبها وصمتها وطموحها وانكسارها. ولهذا جاءت شخصياته حاملة أكثر مما تقوله عن نفسها؛ قد تحمل تاريخ عائلة أو أثر طبقة اجتماعية أو جرحًا قديمًا أو رغبة موروثة أو خوفًا لا تعرف مصدره تمامًا، ومن هنا يصبح السلوك نفسه لغة، ويصبح الصمت أحيانًا أكثر كشفًا من الكلام، فالشخصية لا تؤدي دورًا في الحكاية فقط، بل تكشف من خلالها الرواية كيف يمكن للإنسان أن يكون ابنًا لماض لم يختره، وفي الوقت نفسه يحاول أن يصنع مصيره الخاص. وعند هذه النقطة تظهر العلاقة العميقة بين التجربة والوعي واللغة والشكل فمن أين يبدأ الكاتب، من اللغة أم من الوعي أم من العمل نفسه؟ تبدو الإجابة في تجربة فوكنر أعمق من اختيار واحد، فاللغة مهمة والوعي مهم، لكن الأبعد منهما هو التجربة الإنسانية التي يدخل بها الكاتب إلى الكتابة ما عاشه وما رآه وما ظل عالقًا في داخله وما لم يجد له جوابًا. عندئذ تستدعي التجربة الوعي، ويبحث الوعي عن اللغة، وتدفع اللغة بدورها إلى اكتشاف الشكل الذي تستطيع التجربة أن تظهر من خلاله. ليست هذه مراحل ميكانيكية ثابتة، وإنما حركة متبادلة العالم يوقظ الشخصية، والشخصية تفتح الوعي، والوعي يبحث عن صوته، والصوت يحتاج إلى لغة، واللغة قد تفرض شكلًا جديدًا على الرواية. وهنا تتضح خصوصية فوكنر، فهو لم يكن يملك شكلًا واحدًا ثم يضع فيه تجاربه المختلفة، وإنما كان يبحث في كل تجربة عن الشكل الذي تستطيع أن تتنفس فيه، ولذلك يمكن النظر إلى تطوره الروائي بوصفه سلمًا نصعده معه؛ كل عمل درجة، وكل درجة تفتح أمامه سؤالًا جديدًا، ولا توصله إلى شكل نهائي مغلق. التجديد عنده لم يكن رغبة في مخالفة ما سبقه لمجرد المخالفة، وإنما نتيجة طبيعية لحاجة التجربة إلى وسيلة جديدة؛ التجربة أولًا، ثم يأتي الشكل الذي تستطيع التجربة أن تتنفس فيه. وفي هذا السياق تأتي «الصخب والعنف» بوصفها محطة شديدة الأهمية في مسيرة فوكنر وفي تاريخ الرواية الحديثة، فلم يكتف فيها بأن يحكي اضطراب الذاكرة، بل جعل بناء الرواية نفسه يدخل في هذا الاضطراب؛ الزمن لا يتحرك في خط مستقيم، والأصوات لا تمنحنا الحقيقة من مكان واحد، والقارئ مضطر إلى أن يجمع أجزاء العالم من داخل التجربة. ولذلك تحتاج «الصخب والعنف» إلى قارئ مختلف، إلى شيء من المقاتل الذي يدخل أرضًا لا يعرف تضاريسها، مستعدًا لأن يتخلى عن راحته وعاداته القديمة في القراءة، وأن يدفع من وقته ووعيه ثمنًا للوصول إلى ما تخبئه الرواية. فوكنر لا يمسك بيد القارئ ليقوده من البداية إلى النهاية، بل يضعه داخل التجربة نفسها، بين أصوات متداخلة وأزمنة متكسرة وذاكرة لا تسير في خط مستقيم، فيصبح القارئ شريكًا في إعادة تركيب العالم. وهنا لا تكون الصعوبة غاية في ذاتها، بل نتيجة لطبيعة العالم الذي يريد فوكنر أن يجعله محسوسًا في القراءة فالرواية تسأل عن كيفية معرفة الإنسان للإنسان، وعن حدود الذاكرة، وعن الفرق بين ما حدث وما بقي منه في الوعي، وقد يرى القارئ الحدث نفسه من أكثر من زاوية، وقد تتباين الأصوات، لكن الحقيقة الإنسانية لا تفقد وجودها بسبب تعدد زوايا النظر إليها، وربما تصبح أكثر تعقيدًا وعمقًا. ومن هذه المنطقة يمكن أن نضع فوكنر داخل المناخ الروائي العالمي الذي كان يتشكل حوله، من دون تحويل الأمر إلى منافسة أو ترتيب بين الكتاب كانت الرواية في ذلك الزمن تعيش توترًا خصبًا بين أشكال وأسئلة ورؤى مختلفة، كل كاتب يقرأ زمنه ويقرأ ما سبقه ويرى ما يفعله معاصروه ثم يبحث عن طريقه الخاص. عند تولستوي ودوستويفسكي اتسعت الرواية في أسئلتها الأخلاقية والنفسية والاجتماعية، وعند بروست أصبح الزمن والذاكرة جزءًا من بنية الوعي، وعند جويس اتسعت إمكانات اللغة والوعي، وعند فرجينيا وولف أصبحت حركة الداخل جزءًا أساسيًا من بناء الشخصية، أما فوكنر فجمع التاريخ والمكان والعائلة والذاكرة والوعي والأصوات المتعددة في عالمه الخاص، ووجد لها طرائق سردية جعلت تجربته جزءًا من التحول الكبير الذي عرفته الرواية الحديثة. ثم جاءت أجيال أخرى من الروائيين، في ثقافات مختلفة، لتبحث بدورها عن طرائق جديدة في التعامل مع الذاكرة والتاريخ والهوية واللغة، من غابرييل غارسيا ماركيز إلى توني موريسون وغيرهما، وليس المقصود هنا القول إن هؤلاء يكتبون بطريقة فوكنر أو أنهم تابعون له، وإنما أن تاريخ الرواية سلسلة من إمكانات تتجاور وتتفاعل وتعيد اكتشاف نفسها في أماكن وأزمنة مختلفة الكاتب الكبير يترك وراءه أسئلة بقدر ما يترك نصوصًا، والأسئلة قد تسافر أبعد من النصوص نفسها. وما يلفت في فوكنر أنه كان محليًا في مادته، واسعًا في رؤيته لم يحتج إلى مغادرة الجنوب كي يصل إلى العالم، بل دخل إليه أعمق، فالكاتب لا يصبح عالميًا عندما يتخلى عن مكانه، وإنما عندما يستطيع أن يرى في مكانه الخاص أسئلة الإنسان التي تتجاوز حدوده؛ العائلة التي تتفكك، والذاكرة التي تثقل صاحبها، والسلطة الاجتماعية، والصراع الطبقي والعرقي، والرغبة والخوف والذنب ومحاولة الإنسان أن يعرف نفسه، كلها تبدأ في مكان محدد، لكنها تستطيع أن تعبر الحدود عندما تصبح تجربة إنسانية حقيقية. ومن هنا نعود إلى الرواية نفسها؛ لقد دخل فوكنر الكتابة وهو يحمل عالمًا من المكان والعائلة والتاريخ والقراءة، لكن هذا العالم لم يكن مكتملًا في رأسه ثم جرى نقله إلى الورق، كان يتشكل أثناء الكتابة، وكل عمل كان يضع أمامه مشكلة جديدة، ولذلك لم يكن تطوره مجرد انتقال من رواية إلى أخرى، بل انتقالًا في طريقة رؤية الإنسان وفي إمكانات الرواية على حمل هذه الرؤية. الكتابة عنده لم تكن تنفيذًا لخطة جاهزة، بل مواجهة مستمرة مع المادة البشرية وكلما ظهرت حدود شكل ما بدأت الحاجة إلى البحث عن إمكان آخر. ولهذا تكمن أهمية فوكنر في تاريخ الرواية لا في تقنية يمكن تقليدها، وإنما في إظهاره أن الرواية تستطيع أن تتغير عندما تتغير حاجتها إلى معرفة الإنسان؛ الشكل ليس غاية مستقلة، واللغة ليست استعراضًا لقدرة الكاتب، والتعقيد ليس قيمة في ذاته، وإنما القيمة في أن يجد العمل الوسيلة التي تجعل تجربته أكثر حضورًا وصدقًا. ومن هذه الزاوية يصبح فوكنر واحدًا من الكتاب الذين وسعوا حدود الرواية لا بإعطائها قانونًا جديدًا، وإنما بجعلها أكثر قدرة على استقبال الزمن والذاكرة والتاريخ والوعي الإنساني. وعندما مُنح وليم فوكنر جائزة نوبل للآداب عام 1949، جاءت الجائزة في نهاية مسار أدبي طويل كان قد أعاد فيه النظر في المكان والتاريخ والزمن والذاكرة والصوت والشخصية، وحوّل تجربته الخاصة إلى أفق إنساني يتجاوز خصوصيتها. وهكذا يبقى فوكنر أكثر من كاتب أمريكي كبير أو صاحب أسلوب شديد الخصوصية؛ إنه تجربة في كيفية تشكل العالم الأدبي من تفاعل الإنسان مع مكانه وتاريخه وذاكرته وقراءاته، ثم من صراعه مع اللغة والشكل كي يجد ما يستطيع حمل كل ذلك. وربما لهذا يبقى سؤاله مفتوحًا أمام كل كاتب وقارئ ماذا يحدث عندما لا تعود الأشكال القديمة كافية لحمل تجربة جديدة؟ عندها تبدأ الرواية من جديد، ويبدأ الكاتب نفسه من جديد معها.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العفوي الجميل
-
ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر
-
راقية مهدي المرأة والذاكرة والوطن في أفق الكتابة
-
أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.
-
هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف تصنع الحياة كاتبًا؟
-
سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة
-
غابرييلا ميسترال حين لا تنفصل القصيدة عن صاحبها
-
يوهانس ف. ينسن خصوبة الخيال بين الإنسان والتاريخ
-
فرانس إيميل سيلانبا بين الإنسان والطبيعة حياة واحدة
-
بيرل س. بك الرواية بين الشرق والغرب، والإنسان في قلب العالم.
-
الفنان بين اكتشاف الجديد وتعميق المكتشف
-
حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوبٍ ممزق
-
روجيه مارتان دو غار الرواية مرآةُ الإنسان والتاريخ والضمير
-
يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان
...
-
لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف
...
-
النغم الجليل المبارك
-
إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
-
لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
-
من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
-
عقلنة الكلمات
المزيد.....
-
بعد غياب 10 سنوات.. مهرجان دبي السينمائي الدولي يعود في ديسم
...
-
بحلة جديدة.. مهرجان دبي السينمائي يعود في 2027
-
-رجعت عالشام-.. أصالة تفتح دفتر المدن السورية على خشبة مسرح
...
-
الفنان الأمريكي مكلمور يتبرع بمليون دولار لإغاثة الفلسطينيين
...
-
-ملكة القطن- في الدوحة.. عرض الفيلم السوداني بعد رحلة حافلة
...
-
الداخلية السورية تحسم الجدل حول توقيف شقيق الفنان لجين إسماع
...
-
بعد أشهر من التكهنات.. نجمان مصريان يعلنان اقترانهما رسميا (
...
-
-لؤلؤ لا يقدر بذهب-.. نجاة مكتبة بحمص بعد 15 عاما تفتح جراح
...
-
-مطماطة- بتونس: بيوت من قلب الصخر تجمع عبقرية السكن ووهج الس
...
-
-أقف مع فلسطين وشعبها-.. انسحاب جميع الفنانين من جولة إد شير
...
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|