|
|
هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف تصنع الحياة كاتبًا؟
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 12:40
المحور:
الادب والفن
هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف أصبح هِسّه؟
تفتح حياة هِسّه أبوابًا كثيرة على بعضها؛ بابًا يقود إلى الأدب، وآخر إلى الدين، وثالثًا إلى التمرد، ثم تمتد الطريق إلى الموسيقى والرسم والشرق والحرب وعلم النفس والطبيعة. وبين هذه الأبواب جميعًا تتشكل شخصية أديب ظل يبحث عن الإنسان وهو يبحث عن نفسه. ولد هِسّه في الثاني من تموز/يوليو 1877 في كالو بألمانيا، وعاش بين ألمانيا وسويسرا، وانتهت حياته في مونتاغنولا بتيسينو في التاسع من آب/أغسطس 1962. وبين التاريخين امتدت حياة حافلة بالتحولات، بحيث أصبح المكان والتجربة والقراءة والأزمة عناصر متداخلة في تكوينه الأدبي. لذلك يبدو السؤال الأعمق في قراءة هِسّه أبعد من تعداد كتبه أو استعراض مصادره من أين جاء هِسّه، وكيف أصبح هِسّه؟ إنه سؤال عن الجغرافيا بقدر ما هو سؤال عن الأدب، وعن الأسرة والدين والحرب والحب والمرض والكتب والموسيقى والرسم والشرق والغرب، وعن الإنسان الذي كان كلما ظن أنه عثر على طريقه اكتشف أن الطريق نفسه يقوده إلى بداية أخرى. كان الطفل الذي ولد في كالو يحمل منذ البداية إرثًا ثقافيًا ودينيًا متشعبًا. كان والده يوهانس هِسّه من عائلة بروتستانتية تبشيرية، أما والدته ماري فكانت ابنة المبشر وعالم اللغات والاستشراق هيرمان غوندرت، وكانت قد ولدت في الهند. وهكذا لم يكن الشرق بالنسبة إلى هِسّه في سنواته اللاحقة أرضًا غريبة ظهرت فجأة في كتبه لقد كان له حضور في البيئة العائلية والذاكرة الثقافية التي نشأ فيها، ثم عاد هذا الحضور بعد سنوات بصورة أكثر وعيًا وتعقيدًا. لكن الأسرة التي منحته هذا الإرث الديني والثقافي كانت في الوقت نفسه جزءًا من الصراع الذي سيحدد شخصيته. كان هِسّه شديد الحساسية تجاه السلطة، ولا سيما السلطة التي تريد أن تصنع الإنسان وفق نموذج جاهز. وفي شبابه هرب من المسار التعليمي الذي كان يعده لإعداد ديني في دير ماولبرون، ودخل في أزمة وتمرد، قبل أن يعمل في مكتبات توبنغن وبازل. وفي تلك المكتبات اكتشف أن الكتاب يمكن أن يكون طريقًا للحياة، لا مجرد وسيلة للتعليم. وهنا بدأ شيء أساسي في تكوينه الإنسان الذي يبحث عن نفسه في الكتب، لكنه لا يقبل أن يصبح تابعًا للكتب. كان قد قرر، وهو في الثالثة عشرة تقريبًا، أن يصبح شاعرًا، لكن الطريق إلى الأدب لم يكن طريقًا مريحًا. كان عليه أن يعمل ويقرأ ويعيش ويجرب، وأن يتعلم الحياة خارج المؤسسة التي أرادت أن تحدد له شكلها. وفي عام 1896 ظهر بوصفه شاعرًا، ثم جاء *بيتر كامنتسيند* عام 1904، فأتاح له أن يعيش من الكتابة. ومنذ تلك اللحظة يمكن أن نرى مسارًا سيتكرر في حياته كلها تجربة شخصية، ثم أزمة، ثم محاولة لفهم الأزمة، ثم تحول التجربة إلى أدب. لم يكن هِسّه قارئًا لثقافة واحدة. كان غوته حاضرًا بقوة في عالمه، وكذلك نيتشه ودستويفسكي، إلى جانب القديس فرنسيس وبوذا ومصادر الفكر الشرقي. لكن من الخطأ أن نتعامل مع هذه الأسماء كما لو أنها رف من الكتب أخذ منها هِسّه أفكارًا جاهزة. فالمسألة أعقد من ذلك. كان غوته، مثلًا، أكثر الشخصيات التاريخية حضورًا في عالم هِسّه الأدبي، وتؤكد الدراسات أن هِسّه ظل يرى نفسه في صلة بالتقاليد الإنسانية الألمانية التي يمثل غوته ذروتها، لكن الباحثين يحذرون في الوقت نفسه من الخلط بين التأثير المباشر الموثق وبين مجرد التشابه أو التقاطع في الأفكار والأساليب. وهذا التفريق مهم لأن هِسّه لم يكن نسخة من غوته، ولا من نيتشه، ولا من دوستويفسكي، ولا من الشرق الذي قرأه وتأمله. قوته الحقيقية أنه كان يأخذ ما يدخل عالمه ثم يعيد تشكيله داخليًا. وهنا تبدأ خصوصية هِسّه: إنه *ابن تقاطعات*، بين الدين والشك، بين الشرق والغرب، بين الطبيعة والثقافة، بين الفرد والجماعة، بين الجسد والروح، بين العزلة والعالم، وبين الحاجة إلى الحرية والحاجة إلى المعنى. ولذلك لا يكفي أن نقول إن هِسّه تأثر بنيتشه أو دوستويفسكي أو البوذية؛ الأهم أن نسأل ماذا حدث لهذه العناصر عندما دخلت عالمه؟ ماذا بقي منها بعد أن مرت عبر تجربته؟ هذا هو الفرق بين الكاتب الذي تتعدد مصادره والكاتب الذي يستطيع أن يحول تعدد مصادره إلى وحدة داخلية. ولعل الموسيقى واحدة من المفاتيح التي تساعدنا على فهم هذه الوحدة. فقد نشأ هِسّه في بيت كانت الموسيقى حاضرة فيه؛ كانت والدته تعزف وتغني، وتعلم الأطفال العزف، وكان هِسّه نفسه شديد الصلة بالكمان حتى سن الخامسة عشرة تقريبًا. لكن علاقته بالموسيقى لم تتحول إلى احتراف موسيقي بقيت في داخله بوصفها إحساسًا بالبنية والإيقاع والتناغم. وتكشف الدراسات أن علاقته بالموسيقى كانت متعددة المستويات، وأن الموسيقى لم تكن موضوعًا عابرًا في حياته، بل دخلت في تكوين لغته الشعرية وفي رؤيته للأدب. وهذا أمر مهم في قراءة نثره، فهِسّه لم يكن يكتب الأفكار فقط كان يحاول أن يمنح الفكرة إيقاعًا، وأن يجعل اللغة تتحرك مثل نغم داخلي. وربما لهذا ظل شعره حاضرًا إلى جانب رواياته، وظل يرى نفسه شاعرًا حتى عندما عرفه العالم أساسًا بوصفه روائيًا. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، فحدث التحول الكبير. في عام 1914 تطوع هِسّه في ألمانيا، لكنه اعتُبر غير صالح للخدمة العسكرية، ومع صدمته بواقع الحرب تحول سريعًا إلى معارض لها وداعية إلى السلام، وكتب أول مقالاته المناهضة للحرب في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه. وبين 1915 و1919 عمل في رعاية أسرى الحرب الألمان، وأمدهم بالكتب، وحرر مجلات خاصة بهم، ثم أنشأ عام 1917 دار نشر صغيرة صدرت عنها كتيبات عدة. لم يكن رفضه للحرب موقفًا أدبيًا فقط لقد جعل الكتاب نفسه وسيلة للمقاومة الإنسانية، فإذا كان العالم يمزق الإنسان، فإن الكتاب يمكن أن يعيد إليه شيئًا من إنسانيته. ثم جاءت سنة 1916، وكانت من أكثر سنوات حياته قسوة. مات والده، وأصيب ابنه الأصغر بمرض خطير، ودخل هِسّه في انهيار عصبي، وخضع للعلاج النفسي، وبدأ الرسم. وهنا لا ينبغي النظر إلى الرسم بوصفه هواية أضيفت إلى الشاعر والروائي. لقد ظهر في لحظة أزمة، ثم تحول إلى وسيلة أخرى لفهم العالم. وفي مونتاغنولا، بعد انتقاله إلى تيسينو عام 1919، أخذ يرسم مناظر الطبيعة بالألوان المائية، وارتبط الرسم بالكتابة بصورة وثيقة، وفي العام التالي أقيم أول معرض لألوانه المائية في بازل. إنها لحظة شديدة الدلالة عندما تعجز الكلمات عن حمل التجربة، يبحث هِسّه عن اللون. ولهذا ينبغي الحذر من الحديث عن تأثره بالفن الحديث، أو عن صلات مباشرة بفنان بعينه، كبيكاسو، إلا حيث توجد أدلة واضحة. قد نجد تشابهًا في بعض الأعمال أو الملامح البصرية، لكن التشابه ليس بالضرورة تأثيرًا. والأدق أن نقول إن هِسّه كان يعيش في عالم فني متحرك، وأن الرسم أصبح عنده لغة موازية للكتابة، لا تابعًا لها. فالدراسات التي تناولت علاقته بالرسم والكتابة تشير إلى تفاعل عميق بين المجالين، بحيث لا تبدو اللوحة مجرد توضيح للنص، ولا النص مجرد تعليق على اللوحة. انتقل هِسّه إلى مونتاغنولا عام 1919، واستأجر في كازا كاموتسي أربع غرف، وهناك كتب خلال فترة قصيرة عددًا من القصص والقصائد، وبدأ يرسم طبيعة كولينّا دورو، وبعد سنوات انتقل إلى كازا روسا، حيث عاش حتى وفاته. المكان عند هِسّه ليس خلفية للرواية؛ المكان يدخل في تكوين النفس. كالو ليست مونتاغنولا، والمدينة ليست الجبل، وأوروبا التي مزقتها الحرب ليست الشرق الذي يبحث فيه عن إمكان آخر للروح، ولذلك تتحول الجغرافيا عنده إلى جغرافيا داخلية. في هذه المرحلة ظهرت *دميان* عام 1919 باسم إميل سنكلير، وهي رواية تحمل أثر الأزمة التي بدأت قبل ذلك بسنوات، ولا سيما المرض العائلي والانفصال والأزمة النفسية. أصبحت الرموز والأحلام والثنائية بين الجسد والروح جزءًا واضحًا من عالمها، وارتبطت هذه المرحلة باهتمامه بالتحليل النفسي وعلاقته بكارل غوستاف يونغ ودائرته. واللافت أن اسم إميل سنكلير لم يكن مجرد لعبة أدبية فقد كان هِسّه يستخدم الاسم المستعار أيضًا في كتاباته المناهضة للحرب كي لا يعرض نشاطه في رعاية الأسرى للخطر، ثم خرجت الرواية إلى العالم بهذا الاسم، وكأن الكاتب كان يحتاج إلى مسافة بين نفسه القديمة والصوت الجديد الذي كان يتشكل فيه. بعد ذلك تتوالى الأعمال وكأنها مراحل في رحلة داخل الإنسان. في *كليغسور الأخير* عام 1920 تصبح الأزمة تجربة جمالية، وفي *سدهارتا* عام 1922 يتحول البحث عن الذات إلى رحلة روحية تتصل بالهند وبوذا، لكن من دون أن يكون الشرق مجرد زينة فكرية. ثم يأتي *ذئب البراري* عام 1927، حيث ينقسم الإنسان بين غرائزه وروحه، وبين حاجته إلى الحرية وحاجته إلى معنى يضبط هذه الحرية. وفي *نارسيس وغولدموند* عام 1930 تتخذ المسألة شكلًا آخر العقل مقابل الحياة، التأمل مقابل التجربة، النظام مقابل الجسد والفن. إنها ليست روايات منفصلة تمامًا يمكن قراءتها بوصفها محاولات مختلفة للإجابة عن السؤال نفسه كيف يستطيع الإنسان أن يكون نفسه من دون أن يتحول إلى سجن لنفسه؟ غير أن الإنسان عند هِسّه يرتبط دائمًا بالتاريخ. فقد عاش حربين عالميتين، وشهد انهيار عالم ثقافي كان يؤمن به، ثم صعود النازية. وفي سنوات الحكم النازي بين 1933 و1945 ساعد هو وزوجته نينون لاجئين ومضطهدين يهودًا، بالمال والسكن وطلبات الوثائق والتأشيرات وتصاريح العمل. وفي الفترة 1939–1945 أصبحت كتبه غير مرغوب فيها في ألمانيا ولم تعد تصدر هناك. وهذا يجعل مفهومه عن الإنسانية أكثر من فكرة جمالية فالإنسانية عند هِسّه تصبح اختبارًا عمليًا عندما يصبح الإنسان مهددًا من التاريخ. في عام 1932 نشر *رحلة إلى الشرق*، وبدأ العمل على *لعبة الكريات الزجاجية*، التي استمر في كتابتها أحد عشر عامًا حتى اكتملت عام 1942، وصدرت طبعتها الكاملة في سويسرا عام 1943. وهنا يصل هِسّه إلى عمل يمكن النظر إليه بوصفه خلاصة طويلة لرحلته. إذا كان قد بدأ حياته الأدبية وهو يبحث عن الفرد، ثم مر بالروح والدين والطبيعة والحرب والشرق والموسيقى والرسم والتحليل النفسي، فإن لعبة الكريات الزجاجية تحاول أن تجمع عالم المعرفة والفن والجمال في بناء واحد. إنها ليست عودة إلى النظام القديم، وإنما محاولة لمعرفة ما إذا كان من الممكن أن تلتقي الثقافة كلها من دون أن تفقد الحياة. ولذلك يبدو أن هِسّه في شيخوخته لم يعد يبحث عن خلاص فردي فقط، بل عن صيغة للتوفيق بين الإنسان والثقافة، بين المعرفة والحياة، بين العقل والجمال. في هذه المرحلة أيضًا تصبح العزلة عنده شيئًا مختلفًا. فبعد عام 1931، حين انتقل إلى كازا روسا، خف حضور الرسم تدريجيًا، وازداد اهتمامه بالحديقة والعمل في الأرض والتأمل. حتى الطبيعة لم تعد مجرد منظر لقد أصبحت طريقة للوجود. بدأت في طفولته مشهدًا، ثم أصبحت ملجأ، ثم لونًا، ثم لغة، ثم عودة إلى الأرض. وهذه الحركة تكشف شيئًا من طريقته في الحياة: لا شيء يمر به ويبقى في مكانه الأول. حتى الشرق لم يبق شرقًا، بل أصبح عنده سؤالًا عن الغرب. وحتى الدين لم يبق دينًا بالمعنى المؤسسي، بل أصبح سؤالًا عن المعنى. وحتى علم النفس لم يبق علاجًا، بل أصبح طريقة للنظر إلى أعماق الإنسان. وحتى الموسيقى لم تبق فنًا، بل أصبحت إيقاعًا. وحتى الرسم لم يبق صورة، بل أصبح طريقة أخرى للرؤية. وحتى المكان لم يبق جغرافيا، بل أصبح جزءًا من النفس. وهنا ربما تكمن قوة هِسّه الأساسية. لقد قرأ كثيرًا، وسافر كثيرًا، وعاش أزمات كثيرة، وتأثر بمصادر ثقافية متباعدة، لكنه لم يصبح خليطًا منها. الكاتب الكبير ليس من تتعدد مصادره، بل من يستطيع أن يجعل هذه المصادر، بعد عبورها في تجربته، تبدو وكأنها جاءت من مكان واحد. ومن المفيد أن نلتفت إلى علاقة هِسّه بقرائه. فقد تجاوزت أعماله حدود اللغة الألمانية وأصبحت جزءًا من الأدب العالمي، وتشير دراسة حديثة عن أثره العالمي إلى أكثر من 1500 ترجمة في فهرس اليونسكو للترجمة، وإلى حضور واسع له في الذاكرة الثقافية لبلدان متعددة، من بينها الولايات المتحدة واليابان وألمانيا. والحالة اليابانية مثيرة بصورة خاصة فقد اكتسبت بعض نصوص هِسّه هناك حياة جديدة لم تكن لها بالضرورة في موطنها الألماني، وأصبحت بعض أعماله جزءًا من التجربة التعليمية والثقافية اليابانية. وهذا يقودنا إلى فكرة مهمة الكاتب العالمي لا يصبح عالميًا لأنه يخرج من بلده فقط يصبح عالميًا عندما يستطيع قارئ بعيد أن يعثر في تجربته على سؤال يخصه هو. قد يقرأه شاب ألماني بوصفه كاتبًا لأزمة الحضارة، ويقرأه قارئ غربي بوصفه كاتبًا للبحث عن الذات، ويقرأه قارئ آسيوي من خلال علاقته بالشرق، بينما يجد فيه قارئ آخر شيئًا من صراعه الشخصي مع السلطة والدين والأسرة والمجتمع. هذه ليست بالضرورة صورًا متطابقة لهِسّه، لكنها دليل على أن نصه يمتلك قدرة على إعادة إنتاج نفسه في ثقافات مختلفة. وتكشف حالة اليابان بوجه خاص أن حياة العمل الأدبي لا تنتهي عند لحظة كتابته؛ فالقارئ نفسه يستطيع أن يمنحه حياة جديدة، وأن يعيد وضعه في سياق ثقافي لم يكن حاضرًا في لحظة ولادته. ويبقى السؤال لماذا حصل هِسّه على نوبل؟ في عام 1946 مُنح جائزة نوبل في الأدب، وجاء في حيثياتها الرسمية: «لكتاباته الملهمة التي، وهي تزداد جرأة ونفاذًا، تجسد المثل الإنسانية الكلاسيكية والصفات الرفيعة للأسلوب». هذه الجملة القصيرة تستحق أن نتوقف عندها. فاللجنة لم تقل إنه حصل على الجائزة لأنه كتب عن الشرق، ولا لأنه صاحب رواية بعينها، ولا لأنه كان صاحب شعبية واسعة. تحدثت عن كتاباته في مجموعها، وعن نموها في الجرأة والنفاذ، وعن المثل الإنسانية، وعن الأسلوب. أي إن الجائزة جمعت بين أربعة عناصر: الإلهام، والتطور، والإنسانية، والفن. والتطور مهم جدًا فهِسّه لم يبق الكاتب نفسه الذي كتب *بيتر كامنتسيند*. ثمة مسافة كبيرة بين ذلك الكاتب وبين صاحب *لعبة الكريات الزجاجية*، وما بينهما هو حياة كاملة من التجربة والألم والتمرد والحرب والبحث. أما الإنسانية الكلاسيكية التي تتحدث عنها حيثيات نوبل، فيمكن أن نقرأها عند هِسّه بوصفها إيمانًا بكرامة الفرد وحريته وقدرته على البحث عن الحقيقة، ولكن من دون أن تتحول الحرية إلى عزلة، أو الفردية إلى أنانية. إنها إنسانية تحاول أن تجد التوازن. وأما الصفات الرفيعة للأسلوب، فهي تذكير بأن هِسّه لم يكن مفكرًا يضع أفكاره في روايات فحسب لقد كانت الأفكار عنده تتحول إلى شخصيات وصور وأحلام ومناظر طبيعية وموسيقى وإيقاع سردي. وحتى نوبل نفسها جاءت في لحظة تاريخية لها دلالتها. فبعد الحرب العالمية الثانية بدأت الأكاديمية السويدية تنظر بصورة أكبر إلى الأدباء الذين فتحوا إمكانات جديدة في النظرة واللغة. وكان هِسّه قد واجه في ثلاثينيات القرن العشرين تقييمات نقدية سلبية، ثم جاء عام 1946 في مناخ أدبي مختلف. ولا ينبغي أن نقول إن الحرب وحدها منحت هِسّه نوبل فهذا تبسيط لا تؤيده حيثيات الجائزة، لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن كاتبًا جعل الدفاع عن الإنسان والسلام جزءًا من حياته الأدبية والعملية كان يبدو أكثر وضوحًا في عالم خرج لتوه من كارثة كبرى. ومن المفيد أيضًا أن نذكر أن توماس مان، الحائز نوبل عام 1929، كان قد رشح هِسّه للجائزة منذ عام 1931، ثم تكررت ترشيحاته في سنوات لاحقة. وفي عام 1946 تلقى هِسّه عددًا كبيرًا من الترشيحات، قبل أن يستقر الاختيار عليه. وهذا يوضح أن الجائزة لم تكن استجابة مفاجئة لعمل واحد، بل جاءت بعد مسار طويل من الاعتراف الأدبي به. من هنا تكتمل الدائرة. الطفل الذي نشأ وسط الدين والكتب أصبح شابًا متمردًا على المؤسسة، والشاب الذي اكتشف المكتبة أصبح كاتبًا، والكاتب الذي دخل الأسرة اصطدم بحدودها، والرجل الذي عاش الحرب اختار أن يقاومها بالكلمة والكتاب، والإنسان الذي أصابته الأزمات النفسية وجد في التحليل النفسي والرسم طريقًا جديدًا، والكاتب الذي ذهب إلى الشرق لم يهرب من الغرب، بل حاول أن يرى الغرب من مسافة أخرى، والروائي الذي كتب عن الفرد انتهى إلى مشروع أدبي يحاول أن يجمع الثقافة في لعبة واحدة، والرجل الذي عاش معظم سنواته الأخيرة في مونتاغنولا لم يتوقف عن مخاطبة العالم. لهذا لا تبدو حياة هِسّه مجموعة محطات متجاورة، وإنما سلسلة من التحولات التي كان كل واحد منها يعيد تفسير ما سبقه. وربما لهذا أيضًا يصعب وضعه في خانة واحدة. ليس صوفيًا بالمعنى الديني الخالص، ولا فيلسوفًا، ولا روائيًا واقعيًا، ولا شاعرًا فقط، ولا رسامًا، ولا مفكرًا سياسيًا. هو كل ذلك بقدر ما تحتاجه تجربته، لكنه لا يذوب في أي واحد منها. لقد عاش على الحدود بين ثقافتين، بين زمنين، بين اليقين والشك، بين العزلة والحاجة إلى الآخرين، بين أوروبا والشرق، وبين الفن والحياة. لكن الحدود عنده لم تكن جدرانًا دائمًا؛ كانت معابر. وهنا نصل إلى السؤال الأول كيف أصبح هِسّه هِسّه؟ لم يصبحه بسبب غوته وحده، ولا نيتشه، ولا دوستويفسكي، ولا بوذا، ولا الموسيقى، ولا الرسم، ولا التحليل النفسي، ولا الحرب، ولا مونتاغنولا. أصبح هِسّه بسبب الطريقة التي مرّت بها هذه الأشياء كلها في حياته. وهذا هو الفارق بين التأثر والتكوين. التأثر أن تدخل أشياء كثيرة إلى الكاتب، أما التكوين فهو أن تخرج هذه الأشياء من الكاتب وقد فقدت أسماءها الأولى، وأصبحت صوته هو. هِسّه هو، في جانب عميق من تجربته، *ما فعله بكل ما مرّ به*. أخذ من الشرق سؤال الروح، ومن الغرب سؤال الفرد، ومن غوته صورة الإنسان المتعدد، ومن نيتشه التمرد على القوالب، ومن دوستويفسكي أعماق النفس، ومن الموسيقى الإيقاع، ومن الرسم اللون، ومن التحليل النفسي النزول إلى الداخل، ومن الحرب سؤال الإنسان، ومن الطبيعة سكينة لا تخلو من الغموض، ومن حياته الخاصة مادة لا لاعتراف شخصي مباشر، بل لتحويل التجربة إلى أدب. ولهذا بقي هِسّه. ليس لأنه قدم أجوبة نهائية، وإنما لأنه عرف كيف يحول البحث نفسه إلى أدب. ولعل هذا هو سر استمرار قراءته بعد عقود من وفاته أن القارئ لا يدخل كتبه ليجد هِسّه وحده، وإنما يدخلها فيجد شيئًا من نفسه وهو يبحث عن ذاته. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: ماذا قال هِسّه عن الإنسان؟ بل ماذا استطاع الإنسان أن يصبح في أدب هِسّه؟ ربما كان ذلك هو الطريق الذي قطعه طوال حياته من الطفل الذي أراد أن يصبح شاعرًا، إلى الرجل الذي حمل داخله عوالم كثيرة، ثم قضى عمره كله يحاول أن يجعلها عالمًا واحدًا. وهكذا لم يكن هِسّه مجرد كاتب تعددت مصادره، بل كاتبًا استطاع أن يمنح هذه المصادر صوتًا واحدًا. صوت هِسّه.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة
-
غابرييلا ميسترال حين لا تنفصل القصيدة عن صاحبها
-
يوهانس ف. ينسن خصوبة الخيال بين الإنسان والتاريخ
-
فرانس إيميل سيلانبا بين الإنسان والطبيعة حياة واحدة
-
بيرل س. بك الرواية بين الشرق والغرب، والإنسان في قلب العالم.
-
الفنان بين اكتشاف الجديد وتعميق المكتشف
-
حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوبٍ ممزق
-
روجيه مارتان دو غار الرواية مرآةُ الإنسان والتاريخ والضمير
-
يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان
...
-
لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف
...
-
النغم الجليل المبارك
-
إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
-
لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
-
من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
-
عقلنة الكلمات
-
جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
-
بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل
-
التشابه بلا وصايا
-
إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا
...
-
سينكلير لويس Sinclair Lewis الكاتب الذي قرأ أمريكا وكتبها
المزيد.....
-
تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
-
-بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال
...
-
باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
-
مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي
...
-
فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
-
ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)
-
التعليم العالي: السينما والفنون والتراث تواصل إثراء فعاليات
...
-
التعليم العالي: اليوم الموعد النهائي لتسجيل رغبات طلاب الشها
...
-
أفلام الحروب تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينمائ
...
-
يروي الإبادة بعيون طفلة.. فيلم -غزة 13- في مهرجان تورنتو الس
...
المزيد.....
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|