أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.















المزيد.....

أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 14:08
المحور: الادب والفن
    


أندريه جيد الإنسان وهو يختبر حريته

لم يدخل أندريه جيد الأدب من بابه وحده؛ دخل إليه من حياته، ومن الأسئلة التي بدأت مبكرة ولم تتركه. كان طفلًا تربّى على الانضباط، وشابًا يريد أن يفتح النوافذ، وكاتبًا اكتشف لاحقًا أن فتح النافذة لا يعني أن العالم أصبح أكثر بساطة. ولهذا تبدو أعماله، وهي تتوالى عبر أكثر من نصف قرن، كأنها رحلة إنسان يختبر نفسه في الحياة، ثم يعود بما اختبره إلى الأدب، ليعيد الأدب بدوره تشكيل نظرته إلى الحياة. ولد أندريه بول غيوم جيد في باريس في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1869، وكان الابن الوحيد لأستاذ القانون بول جيد، البروتستانتي المنحدر من السيفين، وجولييت رونو، المنتمية إلى أسرة بروتستانتية نورمانية ميسورة. توزعت طفولته بين باريس ونورماندي وبيئة الأسرة الجنوبية، فدخل في تكوينه منذ البداية أكثر من عالم: مدينة الثقافة، وذاكرة العائلة، والتقاليد الدينية والأخلاقية. ثم مات أبوه سنة 1880، وكان جيد في الحادية عشرة، فأصبحت أمه صاحبة الحضور الأقوى في تربيته. هنا وُضعت البذرة الأولى لأحد أعمق تناقضاته لقد كان يبحث عن الحرية وهو يحمل في داخله ذاكرة قوية للواجب والذنب والانضباط الأخلاقي. لم يكن تمرده خروجًا بسيطًا من الدين إلى اللادين، ولا انتقالًا من الأخلاق إلى رفض الأخلاق. لقد حمل السؤال الأخلاقي معه حتى عندما ابتعد عن السلطة الدينية التي صاغته في طفولته. وما تغير لم يكن وجود الضمير، بل الجهة التي يريد أن يستمد منها الضمير سلطته. كانت طفولته ومراهقته مضطربتين صحيًا ودراسيًا، وتخللتها فترات من المرض والعزلة. لكن هذه العزلة فتحت له طريقًا آخر: الكتب. قرأ أميل زولا، وكان لكتاباته أثر في دفعه إلى كتابة يومياته، وقرأ غوته وشوبنهاور وغيرهما، ثم اقترب من بيئة أدبية ستقوده إلى بيير لوي وليون بلوم وبول فاليري ومالارميه وأوسكار وايلد. لم تكن القراءة عنده جمعًا للمعلومات، وإنما اكتشافًا لإمكانات الحياة. وفي 1887-1888 بدأ يومياته، التي سترافقه طوال حياته تقريبًا. وكانت اليوميات أكثر من سجل شخصي. أصبحت مختبرًا دائمًا يضع فيه أفكاره وانفعالاته وقراءاته وتجربته الأخلاقية. كان يريد أن يعرف لا ماذا حدث له فقط، بل ماذا فعل ما حدث به. ومن هنا أخذت الكتابة عنده وظيفة مزدوجة تسجيل الحياة وفحصها. ظهر هذا مبكرًا في *دفاتر أندريه فالتر* (*Les Cahiers d’André Walter*)، التي صدرت سنة 1891. كان العمل قريبًا من المناخ الرمزي والتأمل الداخلي، لكنه يكشف منذ البداية عن الكاتب الذي يريد أن يجعل الذات موضوعًا للبحث لا موضوعًا للتغني. لم يكن جيد يريد أن يقول: هذا أنا؛ كان يريد أن يسأل من أنا عندما أراقب نفسي وأنا أحاول أن أصبح نفسي؟ ثم جاءت رحلته إلى شمال أفريقيا سنة 1893 لتدفع هذا السؤال خارج حدود الغرفة. هناك اتسعت أمامه الحياة: الضوء، والطبيعة، والجسد، والسفر، والاختلاف، والوجود خارج النظام الأوروبي الذي عرفه. لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي؛ كانت خروجًا من صورة ضيقة للحياة إلى إمكانات لم يكن قد اختبرها من قبل. ومن هذا المناخ أخذت تتشكل *الأطعمة الأرضية* (*Les Nourritures terrestres*) التي صدرت سنة 1897، وفيها أصبحت الحياة والطبيعة والحواس والسفر وسائل لاكتشاف العالم. لم تعد الطبيعة منظرًا، ولا الجسد تفصيلًا، ولا الرغبة خطيئة تلقائية؛ صارت كلها طرقًا إلى المعرفة. لكن جيد لم يبق طويلًا في هذه النشوة. كان يستطيع أن يجعل الحرية مذهبه، لكنه فعل شيئًا أكثر جرأة وضع الحرية نفسها تحت الاختبار. في *اللاأخلاقي* (L’Immoraliste) تصبح الحرية تجربة لها ثمن. يستطيع الإنسان أن يتحرر من القواعد، لكن ماذا لو جعله تحرره أقل حساسية تجاه الآخرين؟ ماذا لو تحولت الحياة التي أرادها كاملة إلى حياة لا ترى إلا نفسها؟ هنا ينتقل جيد من الاحتفاء بالحرية إلى مساءلتها. ثم يأتي *الباب الضيق* (La Porte étroite) من جهة أخرى. إذا كان التحرر قد يقود إلى الأنانية، فإن التضحية والفضيلة يمكن أن تقودا بدورهما إلى إلغاء الذات. الحب الذي يرتفع إلى صورة مثالية قد يصبح عاجزًا عن أن يعيش. وهكذا لا ينتصر أحد طرفي المعادلة. إنها ليست ثنائية بين كتابين فحسب؛ إنها مواجهة داخل الكاتب نفسه. في سنة 1895، بعد وفاة أمه، تزوج ابنة عمه مادلين رونو. كانت حاضرة في تكوينه العاطفي منذ المراهقة، وظلت علاقته بها عميقة ومعقدة، قائمة على رابطة روحية وعاطفية لا تشبه الزواج التقليدي. وفي سنة 1918، حين كان جيد في إنجلترا مع مارك أليغريه، أحرقت مادلين المراسلات التي احتفظت بها طوال أكثر من ثلاثين عامًا. لم تكن تلك الأوراق بالنسبة إلى جيد مجرد رسائل كانت جزءًا من تاريخ العلاقة وذاكرته الشخصية. ولا تكمن أهمية مادلين في الجانب الشخصي وحده. إنها تدخل في المنطقة نفسها التي كان جيد يختبر فيها الحرية والواجب والرغبة والوفاء. كان يريد أن يكون حرًا، لكنه لم يكن يعيش في فراغ؛ هناك شخص آخر، وذاكرة، ووعد، وتاريخ مشترك. وهذا ما يجعل حياته أكثر تعقيدًا من أفكاره حين تُكتب مجردة. ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين اتسعت الدائرة من الخاص إلى العام. كانت قضية دريفوس من الاختبارات السياسية والأخلاقية الكبرى في فرنسا، وكان جيد ضمن التيار الدريفوسي. ثم أخذ موقعه في الحياة الأدبية يتسع، إلى أن أصبح أحد الأسماء المركزية في المجلة الفرنسية الجديدة (La Nouvelle Revue Française) التي تأسست سنة 1909. لم يعد الكاتب الذي يجلس وحده أمام أوراقه؛ صار جزءًا من حركة أدبية تتشكل أمامه، يقرأ ويجادل ويكتشف الكتاب ويختلف معهم. وحول هذه الدائرة ظهرت صداقات وعلاقات فكرية مع أسماء مثل بول فاليري وجاك كوبو وجان شلومبرغر وروجيه مارتان دو غار وغيرهم. ولم تكن أهمية هذه العلاقات في كثرة الأسماء، وإنما في أنها تكشف أن أدب جيد نشأ داخل حوار أدبي واسع. وتبرز علاقته بروجيه مارتان دو غار بصورة خاصة؛ فكلاهما جعل الإنسان في قلب الأدب، لكن الطريق مختلف. مارتان دو غار يقترب من الإنسان عبر العائلة والمجتمع والتاريخ والوقائع، فيما يدخل جيد إليه من الضمير والاختيار والتجربة. يمكن أن نقول إن الأول يجعل التاريخ يضغط على الإنسان من الخارج، بينما يراقب الثاني كيف يستقر ضغط التاريخ داخل الإنسان نفسه. وكان الصديقان يقرآن أعمالهما في طور الكتابة ويتبادلان الملاحظات، فكان الحوار بينهما جزءًا من تكوين العمل نفسه. ثم جاءت أفريقيا لتغيّر زاوية النظر مرة أخرى. ففي سنة 1925 غادر جيد إلى أفريقيا الاستوائية الفرنسية في مهمة رسمية، برفقة مارك أليغريه. امتدت الرحلة حتى 1926، وعبر خلالها الكونغو والكاميرون وتشاد، ورأى أحوال السكان وظروف العمل في الشركات صاحبة الامتيازات، فعاد لا بالانطباعات وحدها، وإنما بكتابة أثارت نقاشًا عامًا حول النظام الاستعماري. صدر *رحلة إلى الكونغو* سنة 1927، ثم *العودة من تشاد* سنة 1928. وهنا تتضح أهمية الجغرافيا في مشروعه المكان عند جيد لا يزيّن الفكرة، بل يمتحنها. ما يبدو في باريس فكرة عن الحضارة يمكن أن يبدو شيئًا آخر تمامًا حين يراه الإنسان من الطرف الذي يدفع ثمنها. وهذا الانتقال مهم في تطور إنسانيته. ففي بداياته كان يسأل كيف أعيش؟ ثم بدأ يسأل كيف يعيش الآخر؟ وما الذي يجعل حياة إنسان أثمن أو أقل قيمة من حياة غيره؟ وفي *مزورو النقود* (Les Faux-Monnayeurs) بلغ بحثه عن الشكل مرحلة جديدة. ظهرت الرواية سنة 1926، وفيها لم تعد الرواية مجرد وعاء للحكاية؛ أصبحت تسأل عن نفسها. شخصيات متعددة، ومستويات مختلفة للسرد، وكاتب داخل العمل، وشخصيات تفكر في الكتابة نفسها. ثم جاء *يوميات مزوري النقود* ليكشف بصورة أوضح عن المختبر الداخلي للعمل. كان جيد يفتح باب الورشة أمام القارئ. وهنا تتضح خصوصيته إذا قورن ببروست وجويس. بروست أعاد بناء الإنسان عبر الذاكرة والزمن؛ جويس وسّع إمكانات اللغة والوعي إلى حدود قصوى؛ أما جيد فاختار أن يجعل بناء الرواية نفسها موضوعًا من موضوعات الرواية. وهذه ليست حيلة فنية منفصلة عن مشروعه الإنساني. فالكاتب الذي يشك في الأفكار الجاهزة سيصل، في لحظة ما، إلى الشك في الأشكال الجاهزة التي تحمل تلك الأفكار. كان مالارميه أحد الذين فتحوا أمامه عالم الأدب الحديث، لكن الطريق بينهما يوضح التحول الذي حدث لجيد. مالارميه جعل اللغة مجالًا للرمز والإيحاء؛ أما جيد فأخذ من هذا المناخ حساسية الكلمة، ثم دفعها نحو الحياة. لم يكن يريد للكلمة أن تكتفي بأن تكون جميلة؛ كان يريدها أن تختبر شيئًا. ومع أوسكار وايلد تظهر الحرية من زاوية أخرى. كلاهما عرف الرغبة في كسر الحدود الاجتماعية، لكن وايلد يجعل الحرية أقرب إلى حق الفرد في الاختلاف والجمال، بينما يذهب جيد إلى ما بعد لحظة التمرد: ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان مسؤولًا عن الحرية التي طالب بها؟ أما دوستويفسكي فكان أقرب إلى أعماق النفس. كلاهما يعرف أن الإنسان ليس كائنًا مستقيمًا من الداخل، وأن الرغبة والضمير والخوف والذنب يمكن أن تتحول إلى قوى متصارعة. لكن دوستويفسكي يدفع هذا الصراع نحو الإيمان والخلاص، بينما يترك جيد الإنسان أمام سؤال الاختيار. دوستويفسكي يسأل إلى أين يمكن أن تقود النفس الممزقة، وجيد يسأل ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل حين يعرف أنها ممزقة. في الثلاثينيات اقترب جيد من الشيوعية، ورأى فيها، في مرحلة معينة، وعدًا بعدالة جديدة. ثم ذهب إلى الاتحاد السوفييتي سنة 1936، وعاد من الرحلة بصورة مختلفة. كان بإمكانه أن يفسر ما رأى بما يتفق مع الفكرة التي أحبها، لكنه لم يفعل. كتب *العودة من الاتحاد السوفييتي* سنة 1936، ثم *تنقيحات على عودتي من الاتحاد السوفييتي* سنة 1937، ودفع ثمن موقفه قطيعة مع عدد من الأصدقاء والرفاق الفكريين. لم يكن قد وصل إلى السياسة من طريق العقيدة، بل من طريق الإنسان، ولذلك كان من الطبيعي أن تصبح صورة الإنسان في الواقع معيارًا يختبر به العقيدة. وهنا تظهر واحدة من أكثر خصائصه أهمية كان مستعدًا لخسارة الجماعة كي لا يخسر الحقيقة. لا يعني ذلك أنه كان دائم الصواب، ولا أن تاريخه السياسي يخلو من التحول والتردد. لكنه كان قادرًا على المراجعة حين اصطدمت الفكرة بالواقع. وهذا الجانب من جيد لا يزال معاصرًا. ففي كل زمن توجد أفكار تتحول من أدوات لفهم العالم إلى أدوات لحجب العالم. وكان جيد، رغم أخطائه، يملك غريزة أدبية وأخلاقية تدفعه إلى النظر مرة أخرى عندما يصبح الواقع أكبر من الفكرة. ربما كان الخطأ أن نحاول تقديم جيد في صورة شخصية متماسكة تمامًا. هو ليس كذلك. كاتب يريد الحرية ويحمل تربية صارمة. رجل يدافع عن الفرد ثم ينخرط في قضايا عامة تتجاوز الفرد. مثقف يقترب من الشيوعية ثم يخرج منها ناقدًا لها. كاتب يفتح الحياة أمام الجسد والرغبة ثم يعود ليسأل عن ثمن الرغبة. ورجل يكتب عن نفسه بكثافة لكنه لا يريد أن تبقى الذات مجرد اعتراف شخصي. هذه التناقضات ليست كلها جميلة، ولا ينبغي تحويلها إلى فضائل. بعضها ضعف، وبعضها أنانية، وبعضها ارتباك، وبعضها أثر من آثار عصره. لكن الأدب الكبير لا يحتاج إلى إنسان كامل لكي يولد. ربما يحتاج أحيانًا إلى إنسان يعرف أنه غير مكتمل، ولا يخاف من النظر إلى ذلك النقص. وهنا تصبح شخصية جيد فذة لا لأنها بلا عيوب، وإنما لأنها استطاعت أن تحول الصراع بين عيوبها وأفكارها وتجاربها إلى طاقة أدبية. وهذه نقطة أساسية في فهمه. لا يمكن أن نقول إن *الأطعمة الأرضية* مجرد انعكاس لسفره، أو إن *اللاأخلاقي* مجرد صورة من حياته، أو إن *الباب الضيق* مجرد تسجيل لعلاقته بمادلين، أو إن *مزورو النقود* مجرد تجربة تقنية. الحياة تدخل العمل، لكنها لا تخرج منه بالصورة نفسها. تتحول التجربة إلى بناء، والرغبة إلى شخصية، والذكرى إلى موقف، والصراع النفسي إلى سؤال، والمكان إلى معنى، والسياسة إلى امتحان للضمير. هنا تبدأ العملية الأدبية. فالكاتب لا ينقل حياته إلى الكتاب؛ إنه يعيد خلقها. وهذه إحدى نقاط قوة جيد: أنه جعل حياته مادة للأدب دون أن يجعل الأدب تابعًا لسيرته. لذلك يمكن قراءة مسيرته كلها بوصفها سلسلة من المراجعات من التربية إلى الحرية، ومن الرمز إلى الحياة، ومن الاحتفاء بالرغبة إلى مساءلة نتائجها، ومن الذات إلى الآخر، ومن أوروبا إلى أفريقيا، ومن الحلم السياسي إلى اختبار الواقع، ومن الرواية بوصفها حكاية إلى الرواية بوصفها سؤالًا عن الحكاية نفسها. هذه الحركة هي التي تمنح أدبه وحدته رغم تنوعه. ليست الوحدة في الموضوع، بل في طريقة النظر لا شيء يظل نهائيًا أمام السؤال، لا الموروث، ولا الرغبة، ولا الفضيلة، ولا السياسة، ولا حتى الشكل الأدبي. إنسانيته، لذلك، ليست عاطفة عامة تجاه البشر. إنها موقف من الإنسان بوصفه كائنًا حرًا، ناقصًا، مترددًا، قابلًا للخطأ، ومطالبًا في الوقت نفسه بأن يتحمل مسؤولية اختياراته. الإنسان عنده أهم من الفكرة التي يفترض أن تخدمه. وهذه الجملة تكاد تختصر تجربته السياسية والأخلاقية والأدبية معًا. فحين تتحول الفكرة إلى قيد على الإنسان، يبدأ جيد في الشك بها. وحين تتحول الأخلاق إلى إلغاء للذات، يعيد النظر فيها. وحين تتحول الحرية إلى أنانية، يسأل عن ثمنها. وحين تتحول الرواية إلى قالب جاهز، يعبث بشكلها. إنه لا يبحث عن الإنسان الكامل، وإنما عن الإنسان الذي يملك شجاعة مواجهة نقصه. يصعب وضع جيد في مدرسة واحدة، وربما هذه إحدى علامات أهميته. هو ابن للمناخ الرمزي من جهة، وممهّد لحداثة الرواية من جهة أخرى، وكاتب يوميات ورواية ومقال ورحلة ومراسلات، لكنه لا يستقر تمامًا في جنس واحد. مع بروست يصبح الزمن ذاكرة، ومع جويس تصبح اللغة وعيًا، ومع توماس مان يصبح الفرد مرآة للحضارة، ومع دوستويفسكي يصبح الضمير ساحة صراع. أما جيد فيجعل الاختيار نفسه مادة أدبية الإنسان يتغير لأنه اختار، ويخطئ لأنه اختار، ويكتشف نفسه عندما يراجع اختياره. ولهذا كان تجديده مزدوجًا في الموضوع وفي الشكل. نقل الحرية من مستوى الشعار إلى مستوى التجربة الأخلاقية، ونقل الرواية من حكاية تُروى إلى عمل يستطيع أن يتأمل الطريقة التي يُروى بها. حين حصل أندريه جيد على جائزة نوبل للآداب سنة 1947، لم يكن التكريم عن كتاب واحد، بل عن مجمل كتاباته التي رأت فيها الأكاديمية قيمة فنية واسعة وقدرة على تقديم مشكلات الإنسان وأحواله بحب شجاع للحقيقة ونفاذ نفسي. وهذا الوصف النوبلي يلتقي بصورة لافتة مع المسار الذي قطعه جيد كله: الإنسان، والحقيقة، والنفس، والقدرة على النظر إلى الحياة من دون أن تحميه الأفكار الجاهزة منها. وهنا تبدو نوبل كأنها نقطة التقاء بين ما عاشه وما كتبه: طفل عرف السلطة قبل أن يعرف الحرية، وشاب أراد أن يخرج إلى الحياة، وكاتب اكتشف أن الحرية نفسها تحتاج إلى أخلاق، ومثقف خرج من ذاته إلى المجتمع والتاريخ والاستعمار والسياسة، ورجل اقترب من فكرة سياسية ثم تراجع عندما رأى الإنسان يُسحق باسمها، وروائي لم يكتف بكتابة الرواية بل جعلها تنظر إلى نفسها. كل ذلك يلتقي في صورة واحدة: كاتب لم يعتبر رأيه الأخير حقيقة نهائية. ولهذا يبقى أندريه جيد حاضرًا. ليس لأنه أعطى أجوبة نهائية عن الحرية أو الحب أو الأخلاق أو السياسة، وإنما لأنه جعل هذه الأسئلة تتحرك داخل الإنسان. وما يزال القارئ اليوم قادرًا على أن يجد نفسه، أو بعضًا من عصره، في ذلك الصراع بين ما نرثه وما نختاره، بين ما نؤمن به وما نراه، وبين الحاجة إلى الحرية والخوف من ثمنها. ربما كان أعظم ما فعله جيد أنه لم يحاول أن يجعل الإنسان أكثر بساطة مما هو عليه. تركه متناقضًا، ناقصًا، راغبًا، خائفًا، مخطئًا، قادرًا على التراجع، وقادرًا على البدء من جديد. ثم وضع هذا الإنسان أمام المرآة. ولم يقل له ما الذي يجب أن يرى.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف تصنع الحياة كاتبًا؟
- سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة
- غابرييلا ميسترال حين لا تنفصل القصيدة عن صاحبها
- يوهانس ف. ينسن خصوبة الخيال بين الإنسان والتاريخ
- فرانس إيميل سيلانبا بين الإنسان والطبيعة حياة واحدة
- بيرل س. بك الرواية بين الشرق والغرب، والإنسان في قلب العالم.
- الفنان بين اكتشاف الجديد وتعميق المكتشف
- حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوبٍ ممزق
- روجيه مارتان دو غار الرواية مرآةُ الإنسان والتاريخ والضمير
- يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان ...
- لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف ...
- النغم الجليل المبارك
- إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
- لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
- من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
- عقلنة الكلمات
- جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
- بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل
- التشابه بلا وصايا
- إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا ...


المزيد.....




- سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس بثلاث إطلالات من الأزياء ...
- عاصفة سياسية في إسرائيل بعد عرض فيلم -نازا-: دعوات لسحب جنسي ...
- نائبة في الكونغرس الأمريكي تدعو إلى استئناف التبادل الثقافي ...
- ثلاثة أعمال أدبية ينصح بها مترجم إيطالي لفهم روسيا
- بوتين يهنئ معهد تشايكوفسكي الموسيقي بمرور 160 عاما على تأسيس ...
- إسرائيل تهدد بسحب الجنسية من مخرجي فيلم -نازا- الحائز على أو ...
- أصالة في قلب دمشق الجديدة.. دعم رئاسي للحفل ورسالة في مواجهة ...
- وزير الثقافة الإسرائيلي يدعو لسحب الجنسية من مُعدّي وثائقي ...
- مصر.. توصية بتفكيك تمثال رمسيس الثاني بالكرنك
- وزير ثقافة الاحتلال يطالب بسحب جنسية مخرجي فيلم وثائقي عن غز ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.