|
|
ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 09:34
المحور:
الادب والفن
يصعب النظر إلى تجربة ضياء العزاوي بوصفها تجربة رسام بالمعنى الضيق للكلمة، لأن الرجل الذي بدأ من الرسم سرعان ما جعل من الفن مجالاً أوسع للبحث في الإنسان والذاكرة والصورة والكتاب والشعر والتاريخ، حتى غدت أعماله أشبه بمسار طويل يتغير فيه الشكل من مرحلة إلى أخرى بينما يبقى السؤال الداخلي واحداً كيف يستطيع الفنان أن يجعل ما عاشه وما قرأه وما رآه في التاريخ مادة حية في الحاضر؟ ولد ضياء العزاوي في بغداد عام 1939، ونشأ في بيئة مدينية أتاحت له منذ طفولته احتكاكاً مبكراً بالأشياء المصنوعة والرسم والقراءة وكان يصنع أشكالاً من الكرتون والأسلاك ويرسم أفراد عائلته، ثم اتسعت علاقته بالصورة عندما اكتشف مكتبات ومراكز ثقافية كانت تضع أمامه المجلات والكتب الفنية القادمة من خارج العراق. وفي المدرسة وجد المرسم الذي جعله يميل بصورة أكثر جدية إلى الرسم والنحت، قبل أن يقوده الطريق إلى دراسة الآثار في جامعة بغداد ثم دراسة الفن في معهد الفنون الجميلة. وهذه الثنائية المبكرة بين الآثار والفن ستصبح لاحقاً من أهم مفاتيح تجربته، لأن الآثار لم تكن بالنسبة إليه مادة متحفية صامتة، بل عالماً بصرياً يمد الحاضر بإشارات وأشكال وأسئلة قابلة لإعادة التكوين. دخل العزاوي المشهد الفني البغدادي في مرحلة كانت الحركة التشكيلية فيها تبحث عن طريقها الخاص، وكان احتكاكه بفنانين مثل حافظ الدروبي وبالأوساط الأدبية والمسرحية والفنية جزءاً من تكوينه الأول، كما اقترب من جماعة بغداد للفن الحديث، ثم شارك في المناخ الذي أدى إلى ظهور جماعة الرؤية الجديدة التي ارتبط بها اسمه بصورة أساسية في أواخر الستينيات. كانت الفكرة الأهم في هذا الاتجاه أن الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى متحف مغلق، بل يمكن العودة إليه بحثاً عن لغة تستطيع أن تتحدث إلى الحاضر ولذلك كان التراث في تجربة العزاوي مادة قابلة لإعادة القراءة لا نموذجاً ينبغي تقليده. وقد تداخل في ذلك وعيه بتاريخ الفن العراقي القديم مع اهتمامه بالفنون الشعبية وبالموروث العربي وبالإنسان المعاصر، فبدأت العلامة القديمة والوجه والجسد والخط والرمز تظهر في اللوحة لا باعتبارها مقتنيات من الماضي، وإنما باعتبارها أجزاء من ذاكرة ما زالت تعمل في الحاضر. وقد وصف معرضه الاستعادي في متحف: المتحف العربي للفن الحديث هذا المسار بوصفه استعادة للتاريخ وإعادة تحويله إلى وسائل تمنح الحياة المعاصرة شكلاً جديداً. في أعماله المبكرة تظهر هذه الرغبة بوضوح، ففي لوحات مثل «أقنعة الهاوية» و«عواء الذئب» نلمس عالماً تتجاور فيه الأجساد والعيون والأقنعة والعلامات ذات الصلات القديمة والشعبية مع توتر إنساني حديث. غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في عدد الرموز التي يستطيع المتلقي التعرف إليها، وإنما في محاولة الفنان تحرير الرمز من وظيفته التاريخية وتحويله إلى طاقة تشكيلية. هنا بدأت مشكلة سترافق العزاوي طويلاً كلما ازدادت ذاكرته البصرية ثراءً أصبح معرضاً لأن تتحول أعماله إلى قاموس من العلامات إذا لم تخضع هذه العلامات إلى ضرورة اللوحة نفسها. وهذه ملاحظة نقدية مهمة، لأن الفنان الذي يمتلك مخزوناً ثقافياً كبيراً قد يقع أحياناً في إغراء المخزون، بينما تكون قوة العمل في اللحظة التي يصبح فيها الرمز جزءاً من بناء الصورة لا بديلاً عنها. ولم يكن الشعر بعيداً عن هذه العملية. كان شعر مظفر النواب، ثم شعراء آخرون، من المؤثرات المهمة في تكوين العزاوي، لا لأن الشاعر يمنحه موضوعاً يرسمه، بل لأن القصيدة تفتح أمامه فضاءً بصرياً آخر. وقد رافق الشعر تجربته منذ الستينيات، ثم اتسعت العلاقة لتشمل محمود درويش وفاضل العزاوي وسعدي يوسف وغيرهم، فصار النص الشعري واحداً من منابع الصورة عنده. وفي هذه العلاقة تحديداً يمكن رؤية واحدة من أكثر خصائصه تميزاً العزاوي لا يحاول تحويل القصيدة إلى رسم توضيحي، وإنما يتركها تحدث أثراً في العين والذاكرة ثم يعيد صياغة ذلك الأثر بلغة الرسم. لذلك فإن القصيدة المرسومة عنده ليست قصيدة مصوّرة، بل قصيدة ثانية تولد في مساحة مختلفة؛ الكلمات موجودة، لكن اللوحة لا تخضع لها، كما أن الشاعر لا يصبح تابعاً للرسام. هذه العلاقة الحرة بين الفنين ستصبح لاحقاً أساساً لتجربة «الدفاتر». لكن الفن عند العزاوي لم يتشكل في منطقة الجمال وحدها فقد دخلت المأساة التاريخية والسياسية إلى تجربته بصورة مبكرة، وخصوصاً في أعمال ارتبطت بفلسطين، ثم اتخذت العلاقة بين الجسد والعنف والذاكرة حضوراً أكثر وضوحاً. وفي «مجزرة صبرا وشاتيلا» يتحول الجسد الإنساني إلى مساحة للشهادة، وتصبح اللوحة أقرب إلى ذاكرة بصرية لما حدث منها إلى مجرد تمثيل لمشهد تاريخي. هنا يمكن مقاربة العزاوي مع بيكاسو، وخصوصاً «غيرنيكا»، لكن المقارنة لا تعني التشابه في الأسلوب؛ فبيكاسو جعل من تفكيك الجسد والصورة لغة عالمية للكارثة، بينما احتفظ العزاوي بعلاقته الخاصة بالعلامة واللون والتاريخ العربي، وجعل المأساة تدخل في نظامه البصري بدل أن تستعير نظام فنان آخر. قيمة المقارنة إذن تكمن في السؤال المشترك عن قدرة الفن على حمل العنف الإنساني، لا في البحث عن تطابق بين تجربتين مختلفتين. ومع مرور السنوات لم تبقَ اللوحة عند العزاوي على حالها الأولى. أخذ اللون يكتسب استقلالاً أكبر، وأصبح البناء التشكيلي أقل اعتماداً على الدلالة المباشرة وأكثر اهتماماً بعلاقات اللون والحركة والمساحة، ثم تطورت المواد والتقنيات من الزيت إلى الأكريليك والطباعة وغيرها. وفي هذه المرحلة بدأت الأشكال نفسها تتحرر تدريجياً من ضرورة أن تكون قابلة للتسمية؛ فالوجه قد يصبح أثراً، والجسد كتلة، والخط حركة، واللون بنية قائمة بذاتها. وهذا التحول مهم لأنه يكشف أن العزاوي لم يكن يريد أن يبقى أسيراً للموضوع مهما كان غنياً، بل كان يحاول أن يجعل للوحة قانونها الداخلي. وتلك إحدى علامات نضج التجربة أن يصبح الفنان أقل حاجة إلى شرح ما يفعله، وأن تستطيع العناصر التشكيلية أن تحمل جزءاً من المعنى بنفسها. بعد انتقاله إلى لندن عام 1976 دخلت تجربته مرحلة أخرى. فالمسافة عن بغداد لم تقطع علاقته بالماضي، بل جعلته يرى بعض عناصره من مكان مختلف. أعاد اكتشاف المخطوطات الإسلامية المصورة، وخصوصاً تقاليد الكتاب العربي المصور، ووجد في أعمال يحيى الواسطي مثالاً تاريخياً على الصفحة التي يمكن أن تجمع الكلمة والصورة والحركة في فضاء واحد. وفي الوقت نفسه كانت تجارب الفن الحديث، ومنها «جاز» ماتيس، تفتح أمامه إمكانات أخرى في التعامل مع الكتاب والصفحة واللون. لكنه لم يأخذ من الواسطي أسلوبه، كما لم يقلد ماتيس أخذ من الأول فكرة الصفحة الحية، ومن الثاني حرية التعامل مع الكتاب باعتباره فضاءً فنياً، ثم أعاد تركيب ذلك كله داخل تجربته الخاصة. من هنا نشأت «الدفاتر» بوصفها واحدة من أهم إضافاته إلى الفن العربي الحديث. فالدفتر عند العزاوي ليس كتاباً بالمعنى التقليدي، وليس لوحة موضوعة داخل غلاف، بل جسم فني يمكن أن يتمدد وينطوي ويتحول إلى مساحة تتجاور فيها الكتابة والرسم والطباعة والمواد المختلفة. وقد أوضح معرض «رسم الشعر» في متحف أشموليان أن هذه الدفاتر ظهرت في أشكال متعددة، وأن النصوص والصور فيها لا تُقرأ أو تُشاهد بالطريقة التقليدية، كما أن الرسم لا يقوم على توضيح القصيدة وإنما يمثل استجابة حرة وانفعالية لها. وهنا بالذات يصبح العزاوي فناناً للكتاب بقدر ما هو فنان للوحة، ويصبح الحد الفاصل بين الأدب والفن التشكيلي أقل صلابة. فالقصيدة تدخل اللوحة، واللوحة تدخل الكتاب، والكتاب يتحول أحياناً إلى شيء له حضور نحتي، وبذلك يخرج الفن من حدود النوع الواحد إلى مساحة أكثر حرية. وفي هذه المرحلة أيضاً ينبغي النظر إلى الخط العربي عنده بحذر فقد كان الخط جزءاً من البناء البصري، لكنه لم يكن الغاية الوحيدة، ثم أدرك الفنان أن استخدام الخط إذا تحول إلى علامة جاهزة يمكن أن يصبح تكراراً لنفسه، ولذلك سعى في مراحل لاحقة إلى الابتعاد عن سهولة استثماره، وهو موقف يكشف وعياً نقدياً تجاه لغته الخاصة. فالفنان لا يثبت امتلاكه للغة عندما يكررها، بل عندما يستطيع أن يترك جزءاً منها إذا شعر أنها بدأت تتحول إلى قيد. ومن هنا يمكن فهم تنوع العزاوي بين الرسم والطباعة والدفاتر والمنسوجات والنحت وغيرها، لا باعتباره تنقلاً عشوائياً بين الوسائط، بل محاولة مستمرة لإبقاء التجربة مفتوحة على احتمال جديد. ولم يكن أثر العزاوي محصوراً في أعماله الشخصية؛ فقد اتسعت ممارسته لتشمل الكتاب والنشر وتنظيم المعارض ودعم الفنانين والتواصل بين التجارب العربية، وأصبح مشروعه في الدفاتر نفسه مجالاً لتجارب فنية لاحقة. وقد أشار معرض أشموليان إلى تأثير هذه التجربة في جيل أصغر من الفنانين العراقيين، وإلى أن الدفاتر أصبحت مجالاً للتجريب والتعبير والمقاومة والصمود في مواجهة العنف والصراع. وهذه نقطة تستحق الانتباه، لأن تأثير الفنان لا يقاس فقط بعدد الأعمال التي تركها، بل بما يفتحه من إمكانات أمام الآخرين والعزاوي هنا لم يقدم نموذجاً أسلوبياً ينبغي نسخه، وإنما قدم نموذجاً في كيفية تجاوز الحدود بين الأنواع والمواد والكتابة والصورة. ثم جاءت حرب الخليج عام 1991 لتدفع تجربته إلى واحدة من أكثر مراحلها قتامة. في سلسلة «بلاد السواد» عاد العزاوي إلى الرسم الأسود والفحم، وربط الاسم التاريخي لبلاد الرافدين، المرتبط بخصوبة الأرض، بصورة أخرى هي صورة الخراب والموت. وكانت مأساة ملجأ العامرية حاضرة في تسع رسومات فحمية، تحولت فيها الذاكرة الوطنية من معنى الأرض الخصبة إلى ذاكرة الألم. هنا لا يعود التراث زينة بصرية ولا مرجعاً ثقافياً، بل يصبح الاسم نفسه ميداناً للمفارقة الأرض التي عُرفت بالحياة تصبح في اللوحة أرضاً للظلام. وهذا من أكثر التحولات عمقاً في تجربة العزاوي، لأن الرمز القديم لم يعد يحتفظ بمعناه الأول، بل صار يحمل نقيضه. وفي أعمال ما بعد 2003 اتسعت هذه المواجهة مع الخراب، كما في «مهمة التدمير» و«مرثية مدينتي المحاصرة»، ثم بلغت في «الموصل: بانوراما الدمار» صيغة واسعة تجمع الرسم والمنسوجة والذاكرة الجماعية. العمل، الذي بدأ مشروعه عام 2017 ونفذ بصورته النهائية عام 2022، يمتد نحو عشرة أمتار، وقد عرض في أشموليان بوصفه عملاً يتأمل الكلفة الإنسانية والمادية والثقافية للحرب على الموصل والعراق. وإذا كانت «غيرنيكا» قد جعلت من مدينة مدمرة رمزاً عالمياً للكارثة، فإن «بانوراما الدمار» تستعيد السؤال من موقع تاريخي آخر، لا لتعيد إنتاج «غيرنيكا»، وإنما لتمنح مدينة عراقية معاصرة حقها في الذاكرة البصرية. ومع ذلك تظل هناك ملاحظة نقدية يمكن طرحها على هذه المرحلة كلها كلما طال حضور المأساة في تجربة الفنان أصبح خطر التكرار قائماً، إذ يمكن للكارثة أن تتحول من ضرورة داخلية إلى موضوع دائم. غير أن العزاوي حاول تفادي ذلك بتغيير الوسائط والأحجام والبناء، وبنقل الألم من اللوحة إلى الكتاب والمنسوجة والطباعة، بحيث لا تكون المأساة نفسها هي الشكل. وفي السنوات اللاحقة أخذت الطبيعة والحديقة والشجرة والنبات والفضاء الأخضر تظهر بقوة أكبر، وكأن التجربة التي قطعت مسافات طويلة في أرض الخراب تبحث عن إمكان آخر للحياة. لا يعني ذلك التخلي عن التاريخ أو محو المأساة، بل يبدو أقرب إلى استعادة التوازن الداخلي للصورة. فاللون الذي حمل في مراحل سابقة توتراً وعنفاً صار أكثر قدرة على إنتاج الفرح والحركة، والنبات لم يعد مجرد موضوع طبيعي، بل صار علامة على الاستمرار. وفي أعمال مثل «شجرة للحياة» وما يتصل بعالم الحديقة والنبات والنافذة، يتقدم الإحساس بالفضاء على الرمز المباشر، وتصبح اللوحة أقل حاجة إلى أن تقول شيئاً محدداً وأكثر رغبة في أن تمنح العين مجالاً للتنفس. ومن اللافت أن عودة العزاوي إلى اللون والحياة تأتي بعد مسار طويل من الأسود والرمادي والذاكرة الثقيلة ولذلك يمكن قراءتها بوصفها تحولاً داخلياً في علاقة الفنان بالعالم لا مجرد تحول في الموضوع. وتكتسب نافذته المطلة على مرسم جواد سليم معنى خاصاً في هذا السياق، لأنها تعيد بصورة هادئة فتح صلة مع بداية الحداثة التشكيلية العراقية. جواد سليم كان من الشخصيات المؤسسة التي سبقت جيل العزاوي، لكن العزاوي لم يتعامل معه باعتباره أباً أسلوبياً ينبغي تقليده، وإنما باعتباره جزءاً من تاريخ فني كان عليه أن يواصل الحوار معه من موقعه الخاص. وهنا تتضح قيمة التأثر الحقيقي أن تعرف من أين جئت من دون أن تعود إلى المكان نفسه، وأن تستفيد من تجربة السابق من غير أن تتحول إلى تابع لها. وإذا أردنا وضع تجربة العزاوي داخل خريطة الفن الحديث، فلن تكفي مقارنة واحدة. فهو يلتقي مع الواسطي في فكرة الصفحة التي تتحول إلى فضاء حي، ويلتقي مع ماتيس في تحرير الكتاب واللون من وظيفتهما التقليدية، ويلتقي مع بيكاسو في السؤال عن قدرة الصورة على مواجهة الكارثة، ويقف في صلة تاريخية مع جواد سليم من جهة البحث عن لغة حديثة تستوعب الذاكرة المحلية من دون أن تستسلم لها. لكن العزاوي يبقى مختلفاً عن الجميع لأن مشروعه لم يتأسس على مدرسة واحدة، بل على حوار مستمر بين مصادر متباعدة الآثار والشعر والمخطوط والفن الحديث والحدث السياسي والطباعة والكتاب والمنسوجة. ولهذا يصعب اختزاله في «أسلوب العزاوي» بمعنى الشكل الثابت؛ أسلوبه الحقيقي هو قدرته على تغيير الشكل عندما تتغير حاجته إلى التعبير. ومن هنا تأتي قيمة تجربته النقدية أيضاً. فالعزاوي فنان يمتلك ثراءً بصرياً وثقافياً كبيراً، وهذا الثراء منحه قوة واضحة، لكنه حمل معه في بعض المراحل خطراً معاكساً هو كثافة العلامة واحتمال غلبة الذاكرة على استقلال الصورة. وبعض أعماله قد تبدو للمتلقي محملة بإشارات أكثر مما تحتاجه اللوحة، أو قريبة من عالم يمكن فهمه بسهولة إذا امتلك المتلقي مفاتيحه الثقافية، بينما تضعف هذه السهولة حين تُقرأ اللوحة خارج تلك المفاتيح. غير أن هذه الملاحظة لا تلغي قيمة التجربة، بل تكشف طبيعة صراعها الداخلي كيف يمكن للفنان أن يحمل تاريخاً وثقافة وشعراً ومأساة وذاكرة، ثم يترك في النهاية للوحة حقها في أن تكون لوحة؟ وفي أفضل أعمال العزاوي يحدث ذلك فعلاً؛ تختفي المرجعيات لحظة اكتمال العمل، ويبقى اللون والخط والجسد والمساحة في مواجهة العين مباشرة. لهذا ربما لا تكمن أهمية ضياء العزاوي في أنه ظل وفياً لأسلوب واحد، وإنما في أنه جعل التحول نفسه جزءاً من هويته الفنية. بدأ من بغداد والمرسم والآثار، ومر عبر جماعات الحداثة والرؤية الجديدة، ثم وجد في الشعر باباً إلى الصورة، وفي لندن أعاد اكتشاف الكتاب والمخطوط، ومن الدفاتر انتقل إلى منطقة لا يعود فيها الرسم منفصلاً عن النص، ثم دخلت الحروب إلى أعماله فصار اللون شاهداً على الألم، قبل أن تستعيد الشجرة والحديقة واللون مساحة من العالم. وبين هذه المراحل كلها بقيت الذاكرة حاضرة، لكنها لم تبقَ كما هي كانت تتغير كلما تغير الفنان نفسه. وربما هنا تحديداً يمكن فهم تجربته: الذاكرة عند العزاوي ليست مستودعاً للماضي، بل مادة تتحول باستمرار، والفن ليس استرجاعاً لما كان، بل محاولة لأن يجد ما كان مكاناً جديداً في ما هو كائن. وعندما ينجح الفنان في ذلك لا يعود الماضي عبئاً على الحاضر، ولا يصبح الحاضر قطيعة مع الماضي، بل يلتقي الاثنان في صورة جديدة تستطيع أن تعيش وحدها، وهذا ما يجعل تجربة ضياء العزاوي واحدة من التجارب التي يمكن قراءة مسارها لا بوصفه تاريخاً لشخص فحسب، بل تاريخاً لفنان ظل يختبر طوال حياته حدود الصورة وإمكاناتها.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف والمفكر والكاتب
-
العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك
-
وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية
-
العفوي الجميل
-
ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر
-
راقية مهدي المرأة والذاكرة والوطن في أفق الكتابة
-
أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.
-
هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف تصنع الحياة كاتبًا؟
-
سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة
-
غابرييلا ميسترال حين لا تنفصل القصيدة عن صاحبها
-
يوهانس ف. ينسن خصوبة الخيال بين الإنسان والتاريخ
-
فرانس إيميل سيلانبا بين الإنسان والطبيعة حياة واحدة
-
بيرل س. بك الرواية بين الشرق والغرب، والإنسان في قلب العالم.
-
الفنان بين اكتشاف الجديد وتعميق المكتشف
-
حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوبٍ ممزق
-
روجيه مارتان دو غار الرواية مرآةُ الإنسان والتاريخ والضمير
-
يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان
...
-
لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف
...
-
النغم الجليل المبارك
-
إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
المزيد.....
-
سوريا.. ثمانية أشهر تبعث الحياة مجددا في أحد مسارح دمشق
-
وتر الفرح وملاذ النزوح.. -الربابة- توثق ذاكرة أهالي بعلبك
-
-الإعدام للخونة-.. فيلم عن غزة يفجر حملة ضد مخرجيه في إسرائي
...
-
بعد جدل واسع.. القضاء المصري يحسم مصير فيلم -الست- لأم كلثوم
...
-
كتاب -تخيل الذكاء الاصطناعي-.. بين الأساطير ومرآة الشعوب
-
خطباء المساجد يصوبون على حفل أصالة نصري ووزير الثقافة ضمن دا
...
-
من -نازا- إلى جولة شيران.. -الحرية لفلسطين- تلاحق الرواية ال
...
-
الثقافة والهوية.. فنان وشم يحتفي بتراثه المكسيكي
-
أصالة تتلقى هدية استثنائية من شاب سوري كفيف في دمشق
-
جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|