|
|
برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 09:23
المحور:
الادب والفن
برهان دوغانجاي Burhan Doğançay الجدار لغةً للمدينة والإنسان
ولد برهان دوغانجاي في إسطنبول عام 1929 ونشأ في بيئة فنية كان والده الرسام عادل دوغانجاي أحد عناصرها الأساسية، كما تلقى في بداياته الفنية توجيهًا من الرسام عارف كابتان. درس القانون في أنقرة، ثم الاقتصاد والفن في باريس، حيث تابع دروسه الفنية في أكاديمية غراند شوميير، وعاد إلى تركيا في منتصف الخمسينيات ليواصل الرسم والمعارض. غير أن حياته الدبلوماسية قادته إلى نيويورك عام 1962، وهناك بدأت اللحظة التي ستعيد تحديد مساره الفني كله. في نيويورك رأى على أحد الجدران بقايا ملصق ممزق وطبقات من العلامات والأشكال، فوجد فيه، بحسب روايته، أجمل لوحة تجريدية رآها. لم يكن الأمر مجرد إعجاب بسطح غريب، بل تغيرًا في طريقة النظر نفسها فقد رأى في الجدار عملًا تشكله الحياة من دون أن تقصده بوصفه عملًا فنيًا. الورقة التي مزقتها يد، واللون الذي أكلته الشمس، والكتابة التي غطاها إعلان آخر، والظل الذي تركه شيء كان ملتصقًا بالسطح، كلها أصبحت عناصر قابلة للقراءة وإعادة البناء. وبعد ذلك تفرغ للفن، لتصبح الجدران الحضرية محور مشروعه الممتد لعقود. منذ سلسلة *General Urban Walls* التي بدأت عام 1963، أخذ دوغانجاي يتعامل مع الجدران بوصفها أسطحًا تحفظ آثار الحياة الحضرية. لم ير فيها خلفية للمدينة، وإنما سجلًا مفتوحًا لتحولاتها الاجتماعية والثقافية والسياسية. فالملصقات والشعارات والكتابات والصور والقصاصات والآثار التي يتركها الزمن والطبيعة تتراكم فوق السطح لتصنع صورة لا يضعها فنان واحد، وإنما تشترك في تكوينها أيدٍ وأزمنة وحيوات مختلفة. وظل يتتبع هذه الجدران في المدن التي زارها ويعيد بناءها على سطح اللوحة. وهنا تظهر إحدى خصائص تجربته الإنسان حاضر فيها حتى عندما يغيب جسده. لا نرى الشخص الذي ألصق الورقة، ولا اليد التي مزقتها، ولا صاحب الكتابة التي بقي منها جزء، لكن آثارهم باقية. الإنسان يتحول إلى أثر، والأثر إلى علامة، والعلامة إلى مادة تشكيلية. ولهذا يصبح الجدار عند دوغانجاي ذاكرة للمدينة أكثر منه جدارًا بالمعنى المعماري فالطبقة الجديدة تخفي طبقة أقدم، والتمزيق يكشف شيئًا مما كان تحتها، والمطر والشمس والغبار يواصلون العمل بعد أن يغادر الإنسان المكان. لكن دوغانجاي لم يكتف بتسجيل ما يراه. كان يعيد تنظيم هذه الآثار حتى تفقد وظيفتها الأصلية وتكتسب وظيفة تشكيلية جديدة. فالملصق لم يعد إعلانًا، والكتابة لم تعد رسالة بالضرورة، والتمزيق لم يعد مجرد تخريب؛ تتحول كلها إلى خط ولون ومساحة وإيقاع وملمس. وفي *Detour* عام 1966، مثلًا، استخدم شرائط من القماش المطلي ثبتها على لوح خشبي، فغدت السطحية نفسها بناءً ماديًا يوحي بالجدار والعلامات والكتابات. وقد رأى MAMCO في هذه المرحلة صلة بتاريخ الواقعية الجديدة، مع تأكيد خصوصية دوغانجاي في التعامل مع العلامات الحضرية بوصفها مادة للرسم والتجريد. ومن هنا تتضح العلاقة بين الواقعية والتجريد في تجربته. لم يبدأ من التجريد ثم يبحث عن العالم، وإنما بدأ من عالم مادي واضح ودفع عناصره تدريجيًا نحو التجريد. لذلك لا يمحو التجريد عنده ذاكرة الواقع؛ فاللون يبقى متصلًا بملصق، والخط بكتابة، والشرائط بقطع ورق، والظل بشيء كان موجودًا فوق سطح المدينة. وفي سلسلة *Ribbons*، التي امتدت بين 1972 و1989، تتحول الأشكال إلى شرائط تبدو كأنها أجزاء من ورق ممزق تخرج من السطح إلى فضاء المشاهد، بينما يخلق الضوء والظل وهمًا بالبعد الثالث. وقد ربط متحف المتروبوليتان هذه الأعمال بجدران نيويورك المغطاة بالكتابات والملصقات، وبحضور بصري للخط الإسلامي. ومن هنا أيضًا تتضح صلته بتاريخ الكولاج والدكولاج وفنون المدينة. يلتقي معها في الورق والطبقات والتمزيق والمواد الحضرية، لكنه لا يتعامل مع المادة بوصفها جاهزة فقط؛ فكل قطعة عنده تحمل تاريخًا لمكان وزمن. الورقة ليست ورقة فحسب، بل ورقة كانت معلقة على جدار، ثم تعرضت للتمزيق والطمس والتآكل. والجدار لا يكون مصدرًا للأشكال فقط، وإنما يصبح موضوعًا لقراءة المدينة. وإذا كان الدكولاج يكشف الطبقات بإزالة بعضها، فإن دوغانجاي يعيد بناء ما تكشفه الطبقات داخل عمل جديد. ومن هنا أيضًا تختلف علاقته بفن الشارع فالفنان الذي يعمل في الشارع يضيف علامة جديدة إلى المدينة، بينما دوغانجاي ينصت إلى العلامات التي وضعتها الحياة على المدينة أصلًا. ثم اتسعت المدينة عنده من نيويورك إلى العالم. فمنذ السبعينيات أخذ يوثق الجدران خلال رحلاته، وسجل جدرانًا في 114 بلدًا، وتجاوز أرشيفه الفوتوغرافي ثلاثين ألف صورة بحسب إسطنبول مودرن. وهكذا لم تعد الجدران مجرد موضوع للرسم، بل أصبحت أيضًا موضوعًا للتصوير والأرشفة، وتحول الفنان إلى جامع لذاكرة حضرية عالمية، يعود إلى أرشيفه في بناء أعمال جديدة. إسطنبول أعطته الذاكرة الأولى، ونيويورك أعطته الصدمة البصرية، والعالم أعطاه الاختبار. لكن اتساع تجربته لم يؤد إلى ذوبان جذوره التركية. فقد بقيت تركيا حاضرة في تكوينه الثقافي والفني، لا في صورة شعار قومي مباشر، وإنما في علاقته بالخط والعمارة والتاريخ والذاكرة العثمانية. ويظهر هذا الحوار بوضوح في بعض أعمال *Ribbons*، وفي أعمال *Cones* التي تستعيد صورًا ومواد مرتبطة بالتاريخ والفن العثماني، ثم تعيد تركيبها داخل بناء تشكيلي حديث. وفي *Cones* يتسع البناء أكثر فالسطح لم يعد مجرد أثر جداري، وإنما أصبح تركيبًا ذا بروز وعمق وإيحاء نحتي. وفي أعمال مثل *The Magnificent Age* و*Symphony in Blue* و*Mimar Sinan* دخل التاريخ والفن العثماني في تركيب حديث، مستفيدًا من صور ومواد منشورة في الصحف والمجلات. هنا لا يعود التاريخ صورة مكتملة عن الماضي، بل مادة قابلة لإعادة البناء، مثلما يعيد الفنان بناء طبقات الجدار. ومن هذه الزاوية تبدو تركية دوغانجاي في عمق التكوين أكثر مما تظهر في الموضوع المباشر. فهو فنان تركي في جذوره وتكوينه، لكنه لم يجعل الهوية حدودًا للوحة. أخذ من بيئته الأولى ما يستطيع أن يتحول إلى لغة، ثم وضع هذه اللغة في مواجهة مدن وتجارب وثقافات مختلفة. ولذلك استطاع أن يكون تركيًا وعالميًا في الوقت نفسه، من غير أن يجعل أحد الانتماءين يلغي الآخر. وعلى مستوى تاريخ الفن يصعب وضعه داخل مدرسة واحدة. يمكن قراءة أعماله من خلال الكولاج والدكولاج والواقعية الجديدة وفن المدينة والتجريد واتجاهات الفن الأمريكي والأوروبي في منتصف القرن العشرين، لكن أياً من هذه التسميات لا يستوعب تجربته كاملة. خصوصيته تكمن في أنه عبر هذه المناطق الفنية دون أن يذوب فيها أخذ من المدينة مادتها، ومن الكولاج تركيبها، ومن الدكولاج فكرة الطبقات والكشف، ومن التجريد حرية الشكل، ومن التصوير أرشيفه، ومن التاريخ ذاكرته، ثم أعاد جمعها داخل مشروع ظل مركزه الجدار. هذه الوحدة لا تعني أن جميع أعماله متساوية في القوة. فالمشروع الطويل والمتعدد السلاسل يمكن أن ينتج أعمالًا متفاوتة، والوفاء لفكرة واحدة يمنح التجربة هويتها لكنه قد يفتح أيضًا مجالًا للتكرار حين تصبح الفكرة معروفة قبل أن يضيف العمل الجديد ضرورة تشكيلية حقيقية. لذلك لا تقوم قيمة دوغانجاي على أن كل لوحة له تمثل ذروة، وإنما على أنه بنى خلال حياته مشروعًا طويل النفس اختبر فيه إمكانات موضوع واحد من زوايا ومواد وأساليب متعددة. وقد جمع معرضه الاستعادي في إسطنبول أربع عشرة سلسلة ومرحلة من تجربته، بما يكشف عن هذا الاتساع الداخلي للمشروع. وإذا كان السؤال ما الذي يبقى من دوغانجاي بعد كل هذا؟ فربما يبقى أولًا أنه وجد في موضوع يبدو عابرًا ومهمشًا — جدار المدينة — مجالًا فنيًا واسعًا استطاع أن يعيش معه نصف قرن. ويبقى أنه غيّر طريقة النظر إلى المادة اليومية فما يمر أمام العين بوصفه بقايا أو فوضى وجد فيه ذاكرة وصورة وبناءً تشكيليًا. ويبقى كذلك أنه جعل الإنسان حاضرًا في الفن من خلال أثره؛ فالمدينة عنده لا تسجل أسماء أصحابها، لكنها تحتفظ بما فعلوه. ويبقى الأهم أنه لم يفصل التجريد عن العالم. جعل الواقع طريقًا إلى التجريد، وترك للتجريد ذاكرة الواقع. ولهذا تبدو تجربته، رغم صلتها باتجاهات فنية كثيرة، ذات مسار خاص من إسطنبول إلى نيويورك، ومن الجدار إلى اللوحة، ومن اللوحة إلى الأرشيف، ومن المدينة إلى العالم، ثم العودة مرة أخرى إلى التاريخ والذاكرة والإنسان. كان الجدار نقطة البداية، لكنه لم يكن الموضوع الأخير. كان وسيلة لاكتشاف ما وراءه الإنسان الذي يترك أثره، والزمن الذي يغير الأشياء، والمدينة التي تتكلم من خلال سكانها، والتاريخ الذي يعود في صور جديدة. وربما لهذا لا يبقى من دوغانجاي مجرد عدد كبير من الجدران المرسومة، وإنما تبقى قبل ذلك كله طريقة في النظر أن ترى في الشيء العابر أثرًا، وفي الأثر زمنًا، وفي الزمن إنسانًا، ثم تمنح كل ذلك شكلًا يستطيع أن يغادر المدينة من دون أن يفقد ذاكرتها. وقد اتسع حضور أعماله إلى مجموعات متحفية بارزة في العالم، بينها متحف الفنون الجميلة في بوسطن، وفيكتوريا وألبرت، ومركز بومبيدو، والمتحف البريطاني، وبينالكوتيك الحديثة في ميونيخ، ومتحف مودرنا في ستوكهولم، وغوغنهايم في نيويورك. لكن أهمية هذا الانتشار لا تكمن في عدد المتاحف، وإنما في المفارقة التي تختصر رحلته فنان بدأ من سطح حضري عابر، ثم جعل هذا السطح قادرًا على حمل ذاكرة الإنسان والمدينة والزمن، حتى أصبح الجدار نفسه لغة فنية تتجاوز المكان الذي خرجت منه.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
-
شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي
-
ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
-
برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف والمفكر والكاتب
-
العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك
-
وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية
-
العفوي الجميل
-
ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر
-
راقية مهدي المرأة والذاكرة والوطن في أفق الكتابة
-
أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.
-
هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف تصنع الحياة كاتبًا؟
-
سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة
-
غابرييلا ميسترال حين لا تنفصل القصيدة عن صاحبها
-
يوهانس ف. ينسن خصوبة الخيال بين الإنسان والتاريخ
-
فرانس إيميل سيلانبا بين الإنسان والطبيعة حياة واحدة
-
بيرل س. بك الرواية بين الشرق والغرب، والإنسان في قلب العالم.
-
الفنان بين اكتشاف الجديد وتعميق المكتشف
-
حين تبحث الدولة عن نفسها في ثوبٍ ممزق
-
روجيه مارتان دو غار الرواية مرآةُ الإنسان والتاريخ والضمير
-
يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان
...
المزيد.....
-
الموسيقى تتصدر نقاشات منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ
-
معرض -سلالة- يوثق إرث عائلة ارتبطت بمسرح موسكو للفنون
-
الأمير هاري يخطط لإنتاج فيلم وثائقي عن والدته ديانا تكريما ل
...
-
بحضور 1600 مشارك.. مؤسسة قطر تختتم النسخة الثانية من ملتقى -
...
-
سبتة في مخيلة ألفونسو العاشر: كيف صاغ -الملك الحكيم- أحلام ا
...
-
كاظم الساهر: بعد سن الـ50 أصبحت أرى الأشياء بعمق
-
بمشاركة عربية وأجنبية.. بدء الاستعداد للدورة الـ13 لمهرجان د
...
-
جهود لإدراج -المقدمة- لابن خلدون في سجل ذاكرة العالم لليونسك
...
-
مهرجان الجونة السينمائي يكشف عن شعاره الجديد ويكرم منى زكي ف
...
-
بجلسة موسيقية.. مكتبة قطر الوطنية تحتفي برواية -مئة عام من ا
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|