أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء والطريق إلى الشعر الخالص














المزيد.....

خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء والطريق إلى الشعر الخالص


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 08:59
المحور: الادب والفن
    


ولد خوان رامون خيمينيث عام 1881 في موغير، في الأندلس، حيث كان الشعر والموسيقى والذاكرة الشعبية جزءًا من البيئة الثقافية. كان المكان الأول في تجربته أكثر من مسقط رأس كان حاسة مبكرة باللغة والصورة والإيقاع. ذهب إلى إشبيلية لدراسة القانون، لكنه تركه واتجه إلى الرسم والأدب، ثم انتقل إلى مدريد، حيث دخل الحياة الأدبية في بدايات القرن العشرين.
ظهرت في شعره الأول آثار الحداثة والرمزية، وكانت لغته مشبعة بالألوان والموسيقى والطبيعة والحنين. لكن موت أبيه عام 1900 أدخله أزمة عميقة، أعادت نظره إلى الداخل. عاد إلى موغير، وهناك بدأ المكان يتحول في وعيه من جغرافيا إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى شعر.
لم يكن تطوره انتقالًا مباشرًا من القديم إلى الحديث كانت القصيدة نفسها تتغير من الداخل. فالبذرة التي ستقوده إلى الشعر الخالص كانت موجودة منذ البداية، لكنها أخذت تنضج مع التجربة. ومع السنوات أصبح أقل تعلقًا بزخرف القصيدة وأكثر بحثًا عما يجعلها ضرورية.
في حياته ظهرت زينوبيا كامبروبي، المولودة عام 1887 في مالغرَات دي مار قرب برشلونة. نشأت بين إسبانيا والولايات المتحدة وبورتوريكو في بيئة متعددة الثقافات، وعرفت اللغات والأدب والعمل الثقافي مبكرًا. كانت كاتبة ومترجمة وناشطة اجتماعية، ومن النساء الإسبانيات المتقدمات في عصرهن. التقت خيمينيث عام 1913، وتزوجته في نيويورك عام 1916، وأصبحت شريكته في حياته وعمله، فترجمت، وأسهمت في إدارة شؤونه الأدبية، وعملت معه في ترجمة طاغور إلى الإسبانية.
كانت رحلة نيويورك نقطة تحول في تجربته. البحر والسفر والحب والمدينة والابتعاد عن إسبانيا اجتمعت في كتابه «يوميات شاعر متزوج حديثًا»، الذي فتح مرحلة جديدة لم تعد القصيدة تعتمد على الصورة الخارجية وحدها، بل أخذت تبحث عن علاقة أكثر شفافية بين الكلمة والتجربة. ومن هنا بدأ اقترابه من الشعر الخالص.
وفي هذه السنوات كان الشعر الإسباني نفسه يتحرك بقوة نحو التجديد. لكن الحداثة الإسبانية لم تكن قطيعة بسيطة مع الماضي فقد ظلت وراءها ذاكرة شعرية وغنائية واسعة، من الرومانسيرو والتقاليد الشعبية إلى غونغورا وبثكير وماتشادو. لذلك استطاع شعراء مثل لوركا وساليناس وغيين أن يأخذوا من التراث ويدفعوه إلى لغة جديدة. كان التمرد ممكنًا لأن ما يتمردون عليه كان حيًا فيهم.
وكان خيمينيث أحد المؤثرين في هذا المناخ، ولا سيما في جيل 27. ارتبط بساليناس وغيين ولوركا وغيرهم، وساعد بعضهم في بداياتهم، لكن تأثيره لم يكن مدرسة للتقليد كان دعوة إلى أخذ القصيدة بجدية أكبر، والبحث عن نقائها الداخلي. وإذا كان ماتشادو أكثر التصاقًا بالطريق والزمن والإنسان الإسباني، ولوركا أكثر اندفاعًا نحو الرمز والمأساة والذاكرة الشعبية، فإن خيمينيث اتجه أكثر فأكثر إلى تنقية التجربة نفسها.
ومن هنا يصبح الصفاء في تجربته أعمق من كونه أسلوبًا. قد تأتي القصيدة الصافية في بداية شاعر أو وسط تجربته أو نهايتها؛ المسألة ليست زمنًا، بل مقدار حضور الشاعر في اللحظة. كلما اكتملت جهوزيته، قلت المسافة بين ما يراه وما يقوله، وأصبحت الكلمة في مكانها الضروري.
لهذا كان التراث الإسباني بالنسبة إلى الشاعر مادة حيّة لا قيدًا فقط. البيئة تهيئ العين، والموسيقى تهيئ الأذن، واللغة تهيئ الذاكرة، ثم تأتي التجربة لتعيد تشكيل كل ذلك. خيمينيث أخذ من العالم الذي حوله، لكنه ظل يدفعه نحو مزيد من الصفاء.
وفي «بلاتيرو وأنا» عاد إلى موغير، غير أن العودة لم تكن حنينًا إلى الطفولة وحدها كانت استعادة للعالم الصغير بعين ناضجة. القرية والحيوان والحديقة والسماء أصبحت أبوابًا إلى معنى أوسع، وصار المكان نفسه جزءًا من وعي الشاعر.
ثم جاءت الحرب الأهلية عام 1936، فغادر خيمينيث وزينوبيا إسبانيا، وتنقلا بين كوبا والولايات المتحدة والأرجنتين قبل الاستقرار في بورتوريكو. عندها تغير معنى المكان مرة أخرى. لم يعد موغير أمامه، فأصبح الوطن ذاكرة، وأخذ المنفى يوسع أسئلته عن الزمن والوجود والروح.
في سنواته الأخيرة ازدادت قصيدته تجريدًا وصفاءً، وصارت اللغة أقل انشغالًا بوصف العالم وأكثر اقترابًا من محاولة بلوغ جوهره. لم تعد الطبيعة موضوعًا فحسب؛ أصبحت طريقًا إلى معنى أعمق.
في عام 1956 حصل على جائزة نوبل للآداب، تتويجًا لمسيرة امتدت أكثر من نصف قرن. لكن الجائزة جاءت في لحظة قاسية فقد كان في بورتوريكو مع زينوبيا المريضة. أُعلن فوزه في 26 أكتوبر، وتوفيت زينوبيا بعد يومين، في 28 أكتوبر.
توفي خيمينيث في سان خوان عام 1958، وعاد جسده مع زينوبيا إلى موغير، حيث دُفنا معًا. وهكذا انتهت الرحلة في المكان الذي بدأت منه، لكن موغير لم تعد مجرد مكان أصبحت في شعره ذاكرة ووجودًا، وصارت القصيدة نفسها طريق العودة.
ربما لهذا لا تختصر تجربة خيمينيث في عبارة «الشعر الخالص». فالصفاء عنده لم يكن تقنية، بل نتيجة حياة كاملة من الاقتراب من القصيدة، وحذف ما يحجبها، والبحث عن الكلمة التي لا تحتاج إلى ما يسندها. كأشعة الشمس في الصباح بين أوراق الشجر.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
- برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
- سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
- شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي
- ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
- برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف والمفكر والكاتب
- العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك
- وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية
- العفوي الجميل
- ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر
- راقية مهدي المرأة والذاكرة والوطن في أفق الكتابة
- أندريه جيد André Gide في مواجهة الحرية.
- هِرمان هِسّه Hermann Hesse كيف تصنع الحياة كاتبًا؟
- سعدي يوسف حياةٌ يوميةٌ تمشي في القصيدة وعلى الأرصفة


المزيد.....




- -عودة الغايب- بعد 14 عاما... فضل شاكر على خشبة المسرح مجددا ...
- أزمة اعتذارات وانسحابات تعصف بأشهر مهرجان للموسيقى العربية ...
- المخرج الإيراني أصغر فرهادي ينتقد هوليوود: -من طلب منكم أن ت ...
- الفنانة منى واصف تكشف جانبا من حكاية والدتها خلال تكريمها في ...
- مليون بحث عربي.. تقرير «آرسيف» 2026 يكشف خريطة النشر الأكادي ...
- بعد عرضه في برلين.. -خروج آمن- ينافس في مهرجان الجونة السينم ...
- دار عم الطيب.. منزل يخفي خلف واجهته عالما من الفن
- السفارة الروسية لدى عمان تكرم الفائزين في المسابقة الأردنية ...
- RT في معرض عمّان الدولي للكتاب
- تركي آل الشيخ يلمح لعودة فضل شاكر إلى المسرح من بوابة الرياض ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء والطريق إلى الشعر الخالص