أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل















المزيد.....

آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 22:13
المحور: الادب والفن
    


آن كارسون Anne Carson من اليونان القديمة إلى اختراع شكلها الخاص

في مكان ما من طفولة آن كارسون في تورونتو وأونتاريو، دخلت اليونان القديمة إلى حياتها من باب بسيط. كان مدرس للاتينية يعلّمها اليونانية القديمة أثناء ساعة الغداء، وهناك ظهرت سافو أمام الفتاة التي ستصبح بعد سنوات شاعرة وكاتبة وباحثة في الكلاسيكيات ومترجمة. وُلدت كارسون في تورونتو عام 1950، ودرست في جامعة تورونتو، التي تركتها مرتين قبل أن تعود وتحصل على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الكلاسيكيات. لم تكن اليونانية عندها مادة جامعية ستنتهي بانتهاء الدراسة؛ بقيت اللغة القديمة في قلب كتابتها، تعود إليها كلما احتاجت إلى سؤال جديد.
كان يمكن أن تصبح كارسون عالمة كلاسيكيات متميزة وتبقى في حدود هذا العالم. لكن Eros the Bittersweet، الصادر عام 1986، كشف منذ البداية عن شيء آخر. درست فيه الحب والرغبة عند الإغريق، وانطلقت من سافو وأفلاطون والنصوص القديمة إلى سؤال يبدو بسيطًا ولا ينتهي لماذا يحتاج الحب إلى المسافة؟ عند كارسون لا يكون المحبوب حاضرًا تمامًا ثمة نقص يفصل بين الرغبة وموضوعها، وهذه المسافة نفسها تصبح جزءًا من التجربة. كان البحث دقيقًا، لكن لغته لم تكن لغة دراسة جامعية مغلقة. منذ الكتاب الأول كانت المعرفة تتحول عندها إلى أدب.
ثم بدأت الحدود تتحرك. في Short Talks أصبحت الفكرة ومضة قصيرة، وفي Glass, Irony, and God دخلت التجربة الشخصية في حوار مع إميلي برونتي والحب والذاكرة والجسد. لم تعد الشاعرة والباحثة شخصين منفصلين صارت كارسون تستخدم معرفة الكلاسيكيات كما يستخدم الشاعر ذاكرته: مادة حاضرة يمكن تحريكها وإعادة النظر فيها.
ثم جاءت Autobiography of Red عام 1998، فحدث التحول الكبير. أخذت حكاية جيريون، الوحش الأحمر ذي الأجساد الثلاثة، من الشاعر اليوناني ستيسيكوروس، لكنها لم تكرر الأسطورة. أعطت الوحش صوتًا وحياة معاصرة وحبًا ووحدة وذاكرة، وجعلته هو صاحب الحكاية. جيريون الذي كان في الأسطورة القديمة مخلوقًا ينتهي إلى الموت على يد هيراكلس، أصبح فتى يحاول أن يجد مكانه في العالم. لم تعد كارسون تسأل ماذا تقول الأسطورة؛ بدأت تسأل من الذي يملك حق روايتها. هنا لم تعد تستعيد القديم، بل أعادت اختراعه.
ومنذ ذلك الوقت أخذ القديم والحاضر يعيشان في الصفحة نفسها. في Economy of the Unlost وضعت سيمونيدس في حوار مع بول تسيلان، وانتقلت من الرغبة والمسافة إلى الذاكرة والفقد وما تستطيع الكلمات أن تبقيه من الأشياء. وفي Men in the Off Hours ازدحمت الأزمنة والأصوات والشخصيات. ثم جاءت The Beauty of the Husband، «مقالة خيالية في تسعة وعشرين تانغو»، فدخل الزواج وانهياره في إيقاع يتقدم ويتراجع مثل الرقصة نفسها. لم تعد التجربة تبحث عن جنس أدبي جاهز؛ كان الشكل يتبدل معها. كلما ازدادت معرفة كارسون بالتراث، ازدادت حريتها في مخالفته.
في Decreation يصل هذا المسار إلى الداخل. سافو وأفلاطون وسيمون فايل وأسئلة الحب والأنا والفن والموت تلتقي في كتاب لا يريد أن يجعل الذات مركز كل شيء. وفكرة decreation، المرتبطة عند كارسون بسيمون فايل، تدفع السؤال إلى منطقة أبعد: ماذا يحدث حين يتراجع الإنسان عن مركز ذاته. لا تجعلها هذه المنطقة صوفية بالمعنى الديني، لكنها تقرب كتابتها من أسئلة عرفانية قديمة: الخروج من الأنا، والتخفف من قبضتها، والاقتراب من شيء لا تستطيع الذات امتلاكه.
ثم جاء Nox، وربما كان أكثر أعمالها اقترابًا من تحويل الغياب إلى شكل. بعد موت أخيها مايكل عادت إلى قصيدة كاتولوس عن أخيه الميت، وإلى الترجمة والرسائل والصور والقصاصات والذاكرة، وصنعت كتابًا بصريًا مطويًا داخل علبة. لم تحاول أن تستعيد الميت بالكلمات وحدها؛ تركت للورق والصورة والخط والترجمة أن تحمل أثره. الصفحة هنا ليست سطحًا للنص، بل مكانًا للفقد.
وبعد Nox عادت إلى جيريون في Red Doc، لكنها لم تعد إلى Autobiography of Red. عادت إلى شخصياتها وقد مر بها الزمن. جيريون أصبح «G»، وهيراكلس يحمل آثار الحرب، واللغة نفسها تتشظى بين الشعر والنثر والحوار. كانت العودة إلى الأسطورة عودة إلى ما يحدث لها بعد أن تنتهي الحكاية.
ثم جاءت Float. ثلاثة وعشرون كتيبًا مستقلًا داخل علبة، شعر ونثر ومسرح وترجمة وتأملات وأداء. لم تعد كارسون مضطرة إلى اختيار شكل واحد للكتاب، كما لم تعد مضطرة إلى وضع القارئ في طريق واحد. الشكل أصبح تابعًا للحركة الداخلية للنص.
وفي Norma Jeane Baker of Troy عادت هيلين طروادة إلى جانب مارلين مونرو. آلاف السنين بين امرأتين، لكن الجمال والصورة والرغبة ونظرة الآخرين إلى الجسد تعيدهما إلى سؤال واحد. اليونان هنا ليست ماضيًا إنها طريقة لرؤية الحاضر.
ثم جاءت Wrong Norma عام 2024، كأن كارسون لم تعد بحاجة إلى الدفاع عن حريتها. خمسة وعشرون نصًا نثريًا شعريًا، أشياء متباعدة، ورسوم أنجزتها بنفسها. كونراد وفلوبير وغوانتانامو والثلج والفقر وقاموس روجيه والأب وليلة السبت. لا حكاية واحدة تجمعها، ولا موضوع واحد يفرض عليها ترتيبًا. الأشياء تأتي، تلتقي، ثم تفتح الطريق لشيء آخر.
هنا تبدو كارسون في أكثر مراحلها حرية: لا تبحث عن شكل غريب، ولا عن تصنيف جديد؛ تكتب بالصيغة التي يحتاج إليها الشيء.
ومنذ سافو حتى Wrong Norma ظل شيء واحد يتغير من صورة إلى أخرى. بدأت بالمسافة بين العاشق والمعشوق في Eros the Bittersweet. ثم أصبحت المسافة بين الأسطورة والحاضر في Autobiography of Red، وبين الماضي والحاضر في Economy of the Unlost وMen in the Off Hours، وبين الحي والميت في Nox، وبين الإنسان وذاته في Decreation. ومع الوقت أصبحت اللغة نفسها موضع اختبار: ماذا تستطيع أن تقول، وماذا لا يبقى منها إلا شظية.
لهذا يصعب وضع آن كارسون في خانة واحدة. هي شاعرة وكلاسيكية ومترجمة وكاتبة نثر ومسرحية وفنانة كتاب، لكن هذه الصفات لا تتجاور عندها؛ يدخل بعضها في بعض. الشعر يفكر، والنقد يتحول إلى كتابة، والترجمة تصبح إعادة خلق، والأسطورة تتحول إلى حاضر، والكتاب نفسه يمكن أن يصبح شيئًا يُرى ويُمسك ويُقلب.
بدأت من اليونان القديمة، لكنها لم تذهب إليها لتسكن فيها. أخذت منها سافو وأفلاطون والأسطورة، ثم عادت بها إلى الحب والذاكرة والجسد والموت والحرب والمرأة واللغة. وكلما عرفت التراث أكثر، ابتعدت عن أن تكون تابعة له.
في 8 أكتوبر 2026 جاءت جائزة نوبل في الأدب. منحت الأكاديمية السويدية آن كارسون الجائزة تقديرًا لأعمالها الجريئة والمبتكرة وحوارها مع التقليد الكلاسيكي وقدرتها على خلق أشكال جديدة للأدب المعاصر. لكن نوبل هنا لا تفسر كارسون. كارسون هي التي تجعل نوبل مفهومة.
من الفتاة التي وجدت سافو أثناء ساعة الغداء، إلى الكاتبة التي لم تعد تحتاج إلى شكل واحد كي تكتب، امتدت الرحلة بين سؤال وآخر، وبين كتاب وآخر، وبين ما تقوله اللغة وما تعجز عن قوله. وربما كان هذا هو سر بقائها في حالة بحث دائم أنها لم تكن تريد من الأدب أن يجيب عنها، بل أن يظل مفتوحًا على السؤال.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أندرو ويث Andrew Wyeth واقعية الصمت
- ألبير كامو Albert Camus العبث والتمرد والمعنى
- خوان رامون خيمينيث Juan Ramón Jiménez المكان والصفاء وا ...
- هالدور لاكسنس Halldór Laxness من الجزيرة الى أقصى الشمال
- مرغريت أتوود Margaret Atwood الغابة الأولى ورحلة الخيال
- ونستون تشرشل Winston Churchill من قوة الكلمة إلى صناعة التار ...
- عبد الوهاب البياتي Abd al-Wahhab Al-Bayati — من صخب التاريخ ...
- فرانسوا مورياك François Mauriac الرغبة والضمير في أعماق الإن ...
- الكتاب المحفوظ
- بار لاغركفيست Pär Lagerkvist الوجود في مرآة الشر والشك
- برهان دوغانجاي Burhan Doğançay مدينة تُقرأ على الجدران
- سهراب سپهري Sohrab Sepehri الأشياء حين تستعيد دهشتها
- شوان كمال النحت بين الجذور الكردية والفضاء الأوروبي
- ضياء العزاوي Dia al-Azzawi تعدد التجربة ووحدة الفن
- برتراند راسل Bertrand Russell الفيلسوف والمفكر والكاتب
- العراق وإيران وبقية الجيران جغرافيا متجاورة ومصير مشترك
- وليم فوكنر William Faulkner صناعة العالم في الرواية
- العفوي الجميل
- ت. س. إليوت T. S. Eliot شاعر الحداثة في الطريق الطويل للشعر
- راقية مهدي المرأة والذاكرة والوطن في أفق الكتابة


المزيد.....




- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...
- تضميد جراح الحرب والذكريات.. أب وابنته يرممان سجادا عمره قرو ...
- فرقة -آي يولا- البشكيرية تدخل الجولة الأولى من التصويت لجوائ ...
- الذكاء الاصطناعي يعيد بانديراس شابا في فيلم عن غزو المكسيك
- بمشاركات قياسية.. -كتارا- تتوج الفائزين بجائزتها للرواية الع ...
- رواية -صفر فاصل خمسة-.. كيف يهرب الإنسان من واقعه إلى سجون ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - آن كارسون Anne Carson التراث القديم وحرية الشكل